الخروج الآمن لمصر

كثر الحديث عن البديل، الأول وهو المرشح السابق تحدث عن بديل سياسات، وليس بديل أشخاص، ولكنه ليس مع رحيل الرئيس الحالي، أما الثاني وهو الكاتب تحدث عن البديل المتمسك بالدستور والذي يدعو لحوار وطني لغلق الباب أمام المرشح السابق ذو الأذرع، وقد جاء الحوار بعد حديثه مع نفس النخب المؤيدة.

هذا هو بديلهم فماذا عن بديلنا؟
هو بديل لهيكل الدولة والقواعد التي تحكمنا منذ نشأة الدولة الحديثة أو ربما قبل ذلك كثيرًا، بديل لسياسات مؤسسات الدولة وعلاقتها بالشعب.

البديل الذي ندعو إليه ليس فيه الرئيس الحالي لأنه جزء من الأزمة الحالية، ورحيله يجب أن يكون من خلال إجراء دستوري لأنها الطريقة الوحيدة الآمنة لضمان الانتقال السلمي السلس.

ولكن قبل الحديث عن الرحيل وتوقيته الأهم هو الإقرار بوجود أزمة سياسية ومجتمعية واقتصادية وأمنية والتوافق على أسبابها.

لا خير فينا إن لم نقولها صراحة، تراجع المؤسسة العسكرية عن المشهد السياسي صار ضروريًا، كي تتفرغ للقيام بواجبها والدفاع عن أرض الوطن، لا نريد جيشًا منعزلًا عن السياسة بل جيشًا غير مسيس وغير متصارع على السلطة، جيشًا مشاركًا في القرار الأمني وليس جيشًا صانعًا للقرار السياسي، لا نريد جيشًا يتبرع للاقتصاد بل جيشًا يصنع آلاته ومعداته فيدعم الاقتصاد بالمال والعلم ويحميه.

بدون مواربة، لابد من تفرغ الأجهزة الأمنية لمهامها الأصيلة، نريد أجهزة تحمينا ونحميها من غور السياسة وتغيرها وفسادها أحيانًا، أجهزة متدربة لا نضعها في مواجهة الشعب وفي عرم الفشل السياسي فتتحملها هي وحدها. في بديلنا لا مكان لأجهزة أمنية تتصارع على أصوات المصريين في الصناديق بالترهيب والترغيب للمرشحين والناخبين، لا مكان لأجهزة ذات أقلام وبرامج صحفية تستخدم للتشويه والتوجيه المنهج وكأن الانتهاكات اليومية لا تكفي.

ضبط علاقة الدين بالسياسة وبالأخص مؤسسات الدولة كأحد محاور هذا البديل..
أولًا: التخلي عن مسمى المؤسسات الدينية “الرسمية” وهي التابعة للنظام السياسي المتغير، تساند مؤسسات الدولة التنفيذية وتقر أفعالها بخطاب ديني متلون طبقًا لإرادة السلطة الحاكمة المتغيرة.. فالمؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة ودار الإفتاء يجب أن تكون مؤسسات مستقلة لها مواردها المالية ولوائحها المستقلة وتخضع لقوانين الدولة ورقابتها في مواردها ومصاريفها وفقط.

ثانيًا: تقنين أوضاع أي جماعة دعوية أو حركة سياسية وفقًا للدستور، فلا يُسمح بأي عمل تحت الأرض أو خارج القانون.

ثالثًا: وهذه تخضع لمراجعات حتمية للجماعات الدعوية وللضغط المجتمعي ولرقابة الدولة، فلا يسمح بما يسمى الجناح الدعوي لحزب سياسي، فلا تقصر الأحزاب على أعضاء جماعات محددة ولا تقصر جماعات على أفراد بعينهم.

ذلك كله وفق بيئة حريات تسمح بحرية الرأي والعقيدة والتنقل والتملك ولا يسمح فيها بالتحريض أو التمييز أو العنف.

أخيرًا من يحمي ذلك كله هو كتلة التغيير المؤمنة بذلك البديل الحقيقي وليست ضغوط خارجية، مكوناتها من صميم النسيج المصري بطبقاته وفئاته المختلفة، خارج مؤسسات الدولة ومن داخلها.

هذا هو البديل الذي نتحدث عنه.. فهو ليس بديل أشخاص أو بديل سياسات بنفس هيكل الدولة أو بديل معارض وفقًا لإرادة السلطة الحاكمة وإنما بديل يعيد طرح الشعب كسيد في معادلته مع النظام.

الرحمة المفقودة

أسوأ ما أصاب المجتمع منذ قيام الثورة هو الاستقطاب الأعمى المبني على جهل المعلومة، سواء جهل الموضوع المتكلم فيه أو جهل بالطرف المتحاور معه.

وأخطر أنواع الاستقطاب هو استقطاب الكرهاء المبني على مشاعر الكره سواء كان ذلك مبررًا بظلم من طرف أو جهل عن الآخر، وكلا النوعان يؤديان إلى الفُجر في الخصومة اللفظية، وهو ما يعقد المشهد أكثر أو يؤدي إلى التغيير باليد، واليد هنا هو كل فعل قوة على الطرف الآخر خارج القانون أو بقانون فاسد.

لعل ظواهر تفشي هذا الاستقطاب البغيض في مجتمعنا الآن صارت كثيرة، بل أن كثير من الناس قد وقعوا في هذا الغي ولو في لحظة من اللحظات العصيبة التي مرت على وطننا منذ قيام ثورة 25 يناير.

دعونا نمر سريعًا على بعض المشاهد الدالة التي سكت كثير منّا عنها فصار طبيعيًا أن تتكرر وتصبح معتادة فيكون إدراكنا لواقعنا المقيت معدومًا.

– معركة الجمل كأحد أول مشاهد اعتداء مواطنين على مواطنين مصريين آخرين والجمهور والسلطات يشاهدون الناس تُقتل على التلفاز ولا أحد يتحرك إلا بعد انتهاء المعركة، انظر إلى اللفظ “معركة”، بين من؟ بين مصريين ومصريين.

– مشهد دهس مدرعة لمواطنين أقباط وتحريض من التلفزيون ولا أحد يحاسب، بل أن بعض الناس للأسف يرونهم مواطنين من درجة ثانية يستحقون الموت لمجرد حديثهم عن حقوق مستحقة.

– فض اعتصام التحرير بالقوة وسحل “ست البنات” في الشارع وتساؤلات، ماذا ترتدي؟ وما الذي ذهب بها إلى هناك؟.

– هدم خيم المعتصمين أمام الاتحادية ثم تدافع الناس أمام القصر ومناشدة الإخوان لأنصارهم للدفاع عن الرئيس الأسبق وهو تكرار لفتنة الشعب واستغلاب بعضه على بعض.

– التحريض المقيت من منصات رابعة والنهضة والتحريض المضاد في الفضائيات بالإبادة والقتل ثم بالتنفيذ الفعلي للفض بهذا الشكل المتوحش وسط رقص المؤيدين وغنائهم.

– استمرار التحريض اليومي من الإعلام المعارض والمؤيد لأحداث ٣ يوليو وتقبل القتل من الأطراف كلها بصدور رحبة ومنتشية.

بعد ذلك كله لم يكن مستغربًا أن يصبح موت شخصية عامة حدثًا يتسبب في لعن الناعي والمنعي لمجرد التضامن الإنساني، هذه اللحظات الحرجة التي تمر بها البلاد تتطلب منّا إعلاء صوت العقل والرحمة والإنسانية مهمة اختلفنا سياسيًا، بل إنني على المستوى الشخصي لا أستطيع أبدًا إلا أن أسأل الله الرحمة والمغفرة في لحظة موت أي إنسان.

وأسأل كل مخالف بأقل القليل بأن يتحلى بالصمت عند عجزه عن المغفرة في هذه اللحظة.  

إن تدافع الأفكار المتضادة أمر طبيعي وضروري لتقدم الإنسانية ولكن حين ينعدم الحوار ويسود الجهل والكراهية فإننا نصير في عالم الأحجار والتراب، فعالم الوحوش أرحم من كثير منّا.

تزييف الوعي

ليس صحيحا أن الشعب يريد البلطجي و الحرامي و ليس صحيحا أن الشعب يستحق هؤلاء فذلك تزييف للوعي.

حين يترك من يذيع مكالمات الناس على الهواء و من ينتهك حرماتهم دون محاسبة، بل يصيرون من ضمن الوفد المرافق للرئيس، تكون الرسالة : هؤلاء هم رجالتنا و هم على حق، فلا تتعجب أن يفوزوا.

…سيقولون هذا ما أراده الشعب، كلا والله، الشعب لا يريد لصوصا أو بلطجية، فقط خلوا بين المرشحين و بين الناس و أفتحوا المجال العام و سترون أنه يعرف كيف يختار.

في ظل انتخابات تجرى بين مؤيد و مؤيد فلا معنى أو تفسير لأي نتيجة، و في ظل مشاركة طبقا للنتائج الرسمية حوالي ١٧٪ (٢٦-٩ أصوات باطلة) و ١٠٪ في الإعادة فالشعب غياب.

لن يطول تزييف الوعي لو امتلكت الفضائيات و المواقع، قل لي أين الناخبون ؟

برلمان سيطعن على دستوريته و يحل بعد أن يؤدي دوره و تحميله كل مساوئ المرحلة قبيل الانتخابات الرئاسية و ربما قبل ذلك و لكن الناس فطنت تلك ألاعيب و يفهمون.

في وطن معظمه من الشباب فلا يوجد مكان للهلع أو الجزع فإنها مسألة وقت إن أحسنا استخدامه.

تفنيد الأوهام

الوهم الأول : مصر بتناديك

الحقيقة إن مصر لا تناديك إلى صناديق الانتخابات و إنما النظام هو الذي يناديك، يصر النظام على التماهي مع الدولة ليحتكر الحديث باسم الوطن و هو منه براء. 

الوهم الثاني : إنزل عشان الإخوان ما يرجعوش

الحقيقة أن الاخوان غير مشاركين و غير راغبين في التسلل لهذا البرلمان حيث أنهم توقفوا عند شرعية مرسي و الإنقلاب و يرون أي المشاركة خيانة.

الوهم الثالث : حارب تجار الدين (يقصدون حزب النور)

الحقيقة هو أن لا يمكن أن يفوز حزب النور في ظل انتخابات قائمة مطلقة أو في مواجهة مباشرة فردي و لم يحدث أن فاز مرشح النور في إعادة في ٢٠١١ فمابالك الآن، و لو فاز فهذا خيار الناس، فمش معقول يكون خياري هو أن لا يفوز طرف و ليس بأن يفوز مرشحي.

الوهم الرابع : إنزل انتخب عشان ما تضيعش حقك

حقي ضاع حين قرر الرئيس و نظامه تفصيل القوانين و ارهاب المعارضين فجعل المنافسة بين مؤيد و مؤيد و الآن يحتاج مباركتى لتمرير فعلته.

الوهم الخامس : أين الأحزاب، هنعمل إيه هو ده اللي قدمنا

حين تغلق المجال العام و ترهب الناس عبر الاعتقالات و الخطف و القتل و السجن و الأحكام لا تنتظر حياة سياسية، بل أن الذي يحاول البقاء في هذا المجال يستحق جائزة

الوهم السادس : ما ترجعش تعيط لما تلاقي الفسدة و المتاجرين في المجلس لتقاعسك، ده حتى أمريكا احتمال يحكمها رجل مهووس (ترامب) و كله بالديمقراطية  

الحقيقة كما ذكرتها حضرتك، كله بالديمقراطية، و الديمقراطية ليست إجراءات صندوق و فقط و إنما بيئة تسمح بالمنافسة 

الوهم السابع : شارك عشان التشريع في المجلس 

الحقيقة أن على المجلس إقرار و مناقشة أكثر من ٤٠٠ قانون أصدرهم السيسي في أقل من خمسة عشر يوما من تاريخ انعقاده و هو حق إصدار القوانين الذي كان لا يجب أن يستخدمه إلا في الضرورة 

الوهم الثامن : ماذا ستفعل الأحزاب بعد انعقاد المجلس طوال الأربع سنوات ؟

و أين ذهب برلمان ٢٠١٠ و ٢٠١١ ؟ بل أن هذا البرلمان معرض للحل لعدم الدستورية، خاصة بعد تعديل السيسي القانون الذي أصدره عدلي منصور و الذي يسمح بالحل في أي وقت لعدم الدستورية و لا يستكمل مدته.

الوهم التاسع : طيب نعمل إيه لازم نكون إيجابيين 

الحقيقة أن المقاطعة فعل إيجابي احتجاجي و لازم الصوت يوصل، أن هذا الطريق مسدود و علينا أن نعيد التفكير في هذا المسار الذي جعل الدين العام يتضاعف و الجنيه يتهاوى و الارهاب يتزايد و المشاركة في أول يوم انتخابي مخجلة خير دليل.

الوهم العاشر : يجب ان نستكمل الاستحقاق الثالث و الثورة و نواجه الإرهابيين 

الحقيقية أننا نعطيهم فرصة من دهب بفشلنا و استمرارنا في هذا المسار و الذي يطرد كل يوم أفراد إلي خلاياهم و يقتنعون بخيالاتهم و التى نغذيها بممارسات اقتصادية و سياسية و أمنية خاطئة و فاشلة.

الوهم الحادي عشر : لو ما نزلناش الاخوان هيشمتوا فينا و هيقولوا نجحنا

الحقيقة الناس لا تشارك في شيئ غير مقتنعين به (مثال انتخابات الشوري ٢٠١٢ نسبة المشاركة ٨٪) و ده أيام الاخوان، و الناس فاهمة كويس و لم يشاركوا لأنهم جربوا أكثر من مرة و لا يوجد تغيير

الوهم الثاني عشر : بعد ما تقرأ المقال مش هتنزل 

الحقيقة إن كل واحد محدد خياره و لكن أنا كاتب المقال فقط لأفند بعض الأوهام و كل واحد حر.

أخي المواطن، لا شك أن العزوف عن السياسة أمر لا يفرح ولا يسر أحد و عكس ما ننادي به من إيجابية و لكن المقاطعة اليوم إيجابية لرفع راية الخطر قبل فوات الأوان.

الإرهاب مقابل إسرائيل ؟

مع بدء الضربات الجوية الروسية للمعارضة السورية ودخول روسيا كطرف مباشر ومعلن على الأرض وتهدئة الأوضاع في أوكرانيا ونجاج الاتفاق النووي الإيراني وتحقيق التحالف السعودي تقدمًا في اليمن.. تدخل المنطقة مرحلة جديدة.
تحالف شيعي إيراني عراقي سوري مدعوم من روسيا.. في مقابل تحالف سني سعودي – خليجي مدعوم من تركيا وباكستان وموافقة أمريكية.

التحالف الأول يتكون من أنظمة ترفع راية الحرب على الإرهاب في مقابل بقاء الدولة، والحقيقة هو تحالف طائفي داعم لنظام بشار الذي يمارس الإرهاب تجاه شعبه. التحالف الثاني يدافع عن مصالحه في جنوب اليمن وعن الدولة السنية في العراق والشام ويرفع أيضًا شعار الحرب على الإرهاب.

وسط تشكل التحالفات يرفع الكيان الصهيوني “الإرهابي” راية الحرب على الإرهاب لعله يضمن كرسيًا في معسكر الحرب على الإرهاب “الراية السنية” في مقابل “الراية الشيعية”.

لا ينكر عاقل وجود إرهاب حقيقي تتعرض له مصر وأنها ليست مؤامرة من أجهزة الدولة كما يردد بعض المخبولين، ولكن لا يمكن كذلك إغفال أن النظام يستمد جزءًا من شرعيته داخليًا وخارجيًا من خلال حربه على الإرهاب مستخدمًا أجهزته الإعلامية والظرف الإقليمي المساعد.

في مقال تحليلي منشور في “Jerusalem post” يقول كاتبه أن الكيان الصهيوني يتعرض لضغوط شديدة نتيجة حملة “BDS”العالمية وأن التعاون مع السيسي هو السبيل لرفع مثل تلك الضغوط  وأن “السيسي يعد هدية مصر إلى إسرائيل”.

يبدو أن علينا التذكير بتاريخ الكيان الصهيوني الذي تأسس على أنقاض عمليات إرهابية منظمة بقيادة الآباء المؤسسين واستخدام المتفجرات المزروعة في منشآت مدنية كحادثة تفجير فندق داوود في الأربعينات.

لم ينقطع التاريخ الأسود للكيان الصهيوني من ممارسات إجرامية وإرهابية ضد الفلسطينين والمصريين طوال المئة عام الماضية، وبالتالي لا يمكن أبدًا أن تكون “إسرائيل” في مقابل الإرهاب، فهم وجهان لعملة واحدة وهي عدو استراتيجي، فالدول لا تعقد اتفاقيات سلام مع أصدقائها.

وبعيدًا عن توصيف “كنز إسرائيل” الذي يُعاد استخدامه مرارًا في الصحف هناك لوصف رؤسائنا المتعاقبين، فإن أفعال الرئيس والنظام الحالي تجعلنا نتساءل حول الأولويات الاستراتيجة له.

العلاقات الإسرائيلية المصرية الآن في أفضل أحوالها في ظل سياسات التهجير على الحدود وغلق الأنفاق، ومؤخرًا طالب الرئيس المصري بتوسيع معاهدة السلام لتشمل دول عربية أخرى، وأن مصر تحارب الإرهاب وتحتاج إلى المزيد من الدعم، وأن الأمر يحتاج إلى تعاون دول الشرق الأوسط. جاء ذلك التصريح المخجل بالتزامن مع أزمة اجتياح القدس ومحاولات تهويده، ثم خرج تصريح محمود عباس بأنه لا يمكن الالتزام بأي اتفاق سلام مع اعتداءات إسرائيل واستمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية ليضع الرئيس المصري في مأزق.

الموقف المصري معقد، فهو مساند للتحالف السني في حربه باليمن، وقد يتم الضغط عليه مع تصاعد الأزمة بسوريا وإبداء استعداده أكثر من مرة بالتعاون الكامل إذا استدعى الأمر.

على الصعيد الإقليمي يجب أن يكون الموقف المصري متوازن..

أولًا: لا بد من الحذر من التورط في أي تحالف يكون فيه الكيان الصهيوني تحت دعاوى الحرب على الإرهاب.

ثانيًا: التمسك بضرورة الحل السياسي بسوريا ورحيل بشار كنقطة بداية.

ثالثًا: رفض التدخل الروسي العسكري ودعمه لنظام بشار.

رابعًا: الدفع بحل سياسي باليمن وتقديم موقف مصر كطرف محايد وليس ضمن تحالف.

على الصعيد الداخلي..
 أولًا: سياسات تجفيف الإرهاب بسيناء ومصر لن تكون بالتهجير أو العنف العشوائي، فتلك سياسات قد تهدئ الوضع مؤقتًا ولكنها تصنع إرهابًا متجددًا.

ثانيًا: استمرار سياسة غلق الأنفاق ولكن مع فتح المعابر بشكل رسمي ومستمر.

ثالثًا: فتح ملف اتفاقية كامب ديفيد وبحث سبل تعديلها لضمان السيادة الكاملة على الأراضي المصرية.

رابعًا: البناء على خطوة الإفراج عن المعتقلين باتخاذ إجراءات لفتح المجال العام وتهدئة الوضع داخليًا وبناء الثقة تدريجيًا.

للأسف لا آمل كثيرًا في تحسن الوضع الداخلي ولكن أدعو الله ألا نتورط على الأقل خارجيًا فكفانا أزمات.

فتح المسارات لا يعنى الإصلاح من الداخل

هناك جدل سياسي دائم بين فكرتي الإصلاح من داخل النظام أو مقاطعة النظام، فيلوم بعض المقاطعون للانتخابات المرشحين بأنهم يساعدون النظام على بقاءه بترشحهم، و يلوم بعض المشاركون المقاطعين بأنهم لا يتمتعوا بالحد الأدنى من المرونة السياسية.

علينا أولاً تفكيك كلمة النظام، فبعد ما يقارب الخمس سنوات من الثورة المصرية أدركنا أن النظام أعقد من فكرة تغيير رأسه كما أن النظام يقوم على مؤسسات تسانده و يحتاج إلى قطاعات شعبية مؤيدة كي يستطيع البقاء.

إذا أردنا تغيير النظام (بالمفهوم الواسع و ليس الرأس فقط) لابد من وضع ضوابط للاشتباك معه و أن نفرق بين الإصلاح من الداخل و فتح المسارات.

لدينا تجارب سابقة للإصلاح من الداخل كتجربة البعض كأعضاء في الحزب الوطني بعد 2005، فينتهي بهم الأمر بأن أصبحوا جزءاً من النظام و محسوبين عليه دون نجاح يذكر.

يتردد دائماً أن مقاطعة الانتخابات كي تكون مجدية يجب أن تكون واسعة قدر الامكان و مع ذلك هناك دائماً الراغبون في المشاركة، فلا توجد مثل تلك الحالة المثالية بأن يقاطع الجميع الانتخابات لتوصيل رسالة للنظام.

الترشح من أجل توصيل صوت مختلف و رؤى بناءة أمر مطلوب أحيانا و يعد فتحاً لمسار مع بعض القطاعات من الجماهير، قبل أن يكون مساراً مع النظام، أما الترشح من أجل تأييد النظام فذلك الإنبطاح بعينه.

هناك مسارات عديدة للترشح، فالأمر ليس مقصوراً على الإنتخابات النيابيه فقط، كإنتخابات النقابات و الطلاب و النوادي.

لاشك أن مقاطعة تيار الاسلام السياسي (باستثناء حزب النور) و  أحزاب محسوبة على الثورة (الدستور، مصر القوية) و مؤخراً قائمة “صحوة مصر” للانتخابات أمر يسعد النظام و قطاعات معارضة لهم من الشعب، إلا أن ذلك يشوب العملية الانتخابية و يخصم من مصداقيتها و يزيد من  القطاعات الجماهيرية الضاغطة على النظام للتغيير.

هناك أمثلة للإشتباك، المشاركة في أي كيان منتخب أو أن تكون موظفاً بجهاز الدولة فلا شيئ في هذا، أما المشاركة في الجهاز التنفيذي للدولة و خاصة السياسي منه كوزير أو مساعد وزير، فيكون مرفوضاً، لاستحالة إحداث أي تغيير في المنظومة دون وجود إرادة سياسية شاملة من النظام لإحداث ذلك التغيير.

المشاركة في الإدارات المحلية بالتعيين يكون حسب كفاءة الفرد و مدى قدرته على ممارسة انحيازاته في ظل نظام مغاير، أما المستوى الأعلى كالمحافظين و مساعديهم فأمر مرفوض للسبب نفسه.

المشاركة في معسكر يتبع وزارة الشباب للتدريب كمثال، أمر طبيعي فكل مواطن له حقٌ “متساوي” في مؤسسات الدولة و ثرواتها.

الحوار السياسي في أي وقت و بين جميع الأطراف واجب متى توفرت الجدية، فلهذا وجدت السياسة من أجل ترشيد الصراع على السلطة و نقله إلى مساحات سلمية.

تعدد المسارات الضاغطة من أجل التغيير مطلوب، سواء بالمشاركة و الاشتباك مع النظام أو مقاطعته أحياناً، إلا أن النقطة الأهم هي التنظيم.

تيار منظم و ضاغط من أجل تغيير سياسات و ليس فقط الأشخاص وعندما يكسر ذلك الجمود سواء بارادة النظام أو على غير إرادته، سواء كان نتيجة الفشل أو لاستحالة إدارة الدولة وحيداً، تبدأ مرحلة التعاون بين المتفارقين من أجل إحداث توافق و توازن سياسات.

لماذا شاركت في 2011 و 2012 و غير مشارك في 2015 ؟

جاءت نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات 2005 و التى أشرف عليها القضاء مفاجأة للجميع فقد أظهرت النتائج تفوق جماعة الإخوان المسلمين مما جعل النظام يستخدم كل الطرق من أجل عدم وصول الأصوات للصندوق.

تعلم النظام الدرس فأجرى تعديلات دستورية و ألغى الإشراف القضائي و زور انتخابات المحليات و منع المرشحين. تصاعدت الأصوات الإحتجاجية و ظهرت حركة كفاية و إن ظل حضور وقفاتها لا يتعدى العشرات باستثناء وقفة أو اثنين.  في مطلع 2010 كان البرادعي حجر التغيير في المياه الراكدة و دعا إلي تغيير شروط اللعبة و مقاطعة الانتخابات.

منذ 2005 و أنا لم ابلغ سن الترشح قررت أن أخوض انتخابات 2010 و بالفعل بدأت التواجد في دائرتي (الموطن السياسي للعائلة بشربين) منذ 2009، إلا أن التحرك الفعلي بدأ مع مطلع 2010.

انطلقت وحدي باحثاً عن الشباب فتعرفت على مجموعة منهم عن طريق أحد زملائي الاطباء، و نشأت بيننا حوارات جادة حول أهمية التغيير و دور الشباب. كانت الفكرة الأساسية هي أن المشاركة الكثيفة في الانتخابات هي ضمانة عدم التزوير و أن الشباب هو وقود التغيير و أن علينا الحركة و ليس إدراك النتائج و أننا إذا استطعنا في حملتنا زيادة أعداد المؤمنين بالتغيير فقد حققنا هدفنا. (مقال عن فلسفة المشلركة آنذاك)

جاءت انتخابات الشورى في يونيو 2010 لتقطع أي امل في التغيير عبر الصندوق و مع تصاعد تفاعل المجتمع مع مطالب البرادعي أصبحت المشاركة في الانتخابات محل تردد بالنسبة لي.

جلست مع الشباب و كان الرأي الأغلب هو المشاركة بغض النظر عن النتيجة فقد كان الهدف واضحاً ، الاشتباك مع الناس و توعيتهم. و كتبت آنذاك مقالاً عن المشاركة.

في 2010 كان الناس و خاصة الشباب منهم على إستعداد لسماع صوت مختلف ينادي بالتغيير و إن ظلت العصبية القبلية (الانتماء للقرية أو الأسرة) أهم عامل في الاختيار بجانب الجوانب الشخصية ، الخدمات، المال و القدرات الشخصية.

شارك في الانتخابات كل الأحزاب (باستثناء حزب الجبهة الديمقراطي) بالاضافة لجماعة الاخوان المسلمين ثم قاطعوا بعد انتهاء الجولة الأولى و قبل الإعادة بعد التزوير الفج و سيطرة العنف على المشهد الانتخابي.

أزعم أن انتخابات 2010 كانت أهم اسباب قيام ثورة الخامس و العشرون من يناير و متأكد أن كل من شارك معى من الشباب في الحملة الانتخابية كان في ميدان التحرير و دون أي تنسيق، فهي مشاركة طبيعية بعد أن شعروا بالظلم و القهر في تجربتهم مع الصندوق.

 قامت الثورة و أسست بعدها حزب العدل مع مجموعة من الشباب كأول حزب مرتكز على الشباب و كأول حزب لا ينتمي لجماعة دعوية بعد الثورة. لم يكن تأسيس الحزب في هذه الفترة القصيرة سهلاً و لا سليماً من حيث التماسك الفكري و التنظيمي، فكان قراري في بادئ الأمر هو عدم المشاركة الانتخابية من أجل إعادة تأسيس الحزب من خلال جولات تنظيمية و فكرية في كل محافظات مصر. واجه قراري معارضة من الجميع كونها فرصة للمشاركة الانتخابية و البناء على “الارضية الشعبية” الموجودة منذ انتخابات 2010 فإذا كنت قد شاركت وسط التزوير فكيف لا أشارك حين تتوافر الظروف الملائمة؟

ترشحت في دائرة أكبر مساحة و عدداً من الدائرة القديمة بحوالي ثلاثة أضعاف، مئات القرى لا أعرف عنها شيئاً و لا يعرفني أهلها، بل أنني لا أعرف حتى أسمائها. انتهت الانتخابات و قد حققت 102000 صوتاً انتخابياً في جولة الاعادة أمام مرشح الاخوان الفائز ب 109000 صوتاً.

ما حققته كان بالتأكيد أكبر من توقع الجميع و لكنه أثبت أن الحركة و الاشتباك مع الناس يأتى بثمار و أن الناس في حاجة لسماع صوت شبابي مختلف.

توالت الأحداث  و استفتيَ على الدستور ثم حل البرلمان و انتخب الرئيس و أزيح الرئيس و علق الدستور، ثم استفتينا على دستور جديد و انتخب رئيس و الآن نحن بصدد إجراء انتخابات برلمانية مجددا.

و قد تركت حزب العدل في نوفمبر 2012 و شرحت الأسباب و انضممت لحزب مصر القوية و كتبت بيان يشرح في مايو 2013

بالتأكيد انتخابات 2010 ليست كانتخابات 2011 كما أن انتخابات 2015 ليست ككليهما.

فمصر تمر بأعقد ظرف سياسي و اجتماعي و اقتصادي و إقليمي منذ عقود و ربما خلال القرن الماضي، الأخطر فيه الانقسام المجتمعي.

آلاف المعتقلين في السجون بعد تمديد قانون الحبس الاحتياطي، مقتل المئات عقب إزاحة الرئيس محمد مرسي مما أوجد مظالم عند مئات العائلات من ذويهم و الآلاف و تضامن الملايين من أنصار معسكر “الشرعية” و المنحازون إلى حرمة الدم.  ضربات إرهابية موجعة أودت بحياة العشرات من أبناء الضباط و الجنود في الداخل و على الحدود و التى أوجدت ثأراً عند الملايين ضد جماعة الاخوان و التيار الاسلامي بصفة عامة بغض النظر عن مرتكب كل تلك الجرائم تحديداً، إلا أن المواطن ينظر إلى حدث ونتيجته، على رغم من أن عنف النظام أجده أهم أسباب زيادة العنف.

على صعيد الإرادة السياسية لإقامة مسار ديمقراطي، فهي معدومة. بدءاً من تأجيل الانتخابات البرلمانية مراراً بعد التأكد تماماً من ترزية القوانين من أن من سيلج إلى البرلمان محدد إسماً و موقفاً.

كثير من أبناء مصر قد كفر بالديمقراطية كوسيلة لإدارة الصراع السياسي بل و كوسيلة للحكم، و هو ما شهدناه في عدد المرشحين الضئيل و سنشهده في نسب المشاركة في التصويت.

و بناءاً عليه كان موقفي بعدم المشاركة في الانتخابات نابعا من احترامي للشعب، و اعتراضاً على وصاية النظام المتمثلة في هذه اللحظة في مؤسسة الرئاسة و التى كان بامكانها توفير بيئة سياسية افضل من ذلك كثيراً من خلال فتح المجال العام و الحريات و تغليب الحلول السياسية على الأمنية.

رغم عدم مشاركتي إلا أنني لدي إيمان بأن الأراء السياسية هي اجتهادات في النهاية، فلا المشارك خائن للمبادئ ولا المقاطع عميل، السياسة في النهاية آداة لخدمة الشعب، و الأدوات قد يحسن أو يساء استخدامها و كل حسب فعله و نيته و ليس لنا في النوايا من شيئ.

في النهاية، هناك العديد من المرشحين أتمنى أن أراهم تحت القبة لعلمي بكفاءتهم و لكنني مشفق عليهم من صيحات المنافقين تحت القبة للتشويش عليهم. (في مقال يناير 2015 رجحت آنذاك مشاركة المستقلين و إن تغير موقفي الآن) 

يبقى السؤال: ما هو نشاط الأحزاب في حالة عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ؟ و لهذا مقال آخر.

حافظوا على المجال العام

في مثل هذه الأجواء المغلقة التي نعيشها لا أنكر أنني أتسائل أحياناً عن جدوى العمل السياسي في ظل كفر الناس بالسياسة و السياسيين، و لكنني في النهاية أسترجع حقيقة أن الاستسلام لهذا الشعور هو مراد أي سلطة تريد أن تستأثر بالحكم.

غاية أي سلطة غير رشيدة هو تأميم المجال العام و غلق كل مسارات الحوار و التنوع.

المجال السياسي هو فضاء لتعبير المجتمع عن أفكاره و طموحاته من خلال تنظيمات سياسية تعمل تحت الدستور و القانون بشكل سلمي و علني و تتنافس فيما بينها بالأفكار و الأطروحات لخدمة المواطن، أي محاولة لتضييق هذا المجال من خلال الترهيب و القمع و التشويه لكل من يعمل في السياسة، أو من خلال خلق نظام الحزب الأوحد، يدفع بتلك الأفكار تحت الأرض و إلى حال المظلومية و يزيد من التوتر و حالة التربص بين المتصارعين على السلطة.

كذلك في المجال الديني، فيأمم الحديث بإسم الدين من خلال الخطب الموحدة و الرقابة على المنابر و التضييق على الجمعيات الدعوية، و هو ما ثبت فشله منذ التسعينات إلى الآن لضبط الخطاب و مواجهة الأفكار المتطرفة.

تأتي فكرة احتكار الحديث بإسم الدين من خلال مؤسسات الدولة الرسمية سواء كانت الكنيسة أو الأزهر و تداخلهم و تماهيهم مع السلطة بتغير توجهاتها في مقابل مواجهة أذرع سياسية كحزب الحرية و العدالة، النور و البناء و التنمية لجماعات دعوية بأذرع دعوية كجماعة الإخوان و السلفيين و الجماعة الإسلامية.

أي أن السلطة تواجه تداخل الدين في السياسة بنفس السبل التى أودت بنا إلي حالنا اليوم من خطاب إقصائي و رجعى و متطرف أحياناً من الجميع.

الجمعيات  والمؤسسات الأهلية هي أُطُر لتنظيم المجتمع المدني و تفعيله و إشراكه في العمل العام و هي أحد أهم الدعائم للعمل الخيري و الاجتماعي و الاقتصادي في كل الدول، التضييق عليها و محاولة تأميمها من خلال جمعيات تابعة للدولة مدعومة و محتكرة ، يفسد المجتمع و يجعله ينسحب من ذلك المجال ليصبح مفعول به و ليس طرفاً فاعلاً.

و ما ينطبق على المجال الديني و السياسي و المجتمعي ينطبق على الإعلام و النقابات و كل مجال يعبر فيه المجتمع عن نفسه.

نحن بحاجة إلى فتح المسارات و فضاء الأفكار و الحوار و النقاش بشكل مستمر، نحن بحاجة إلى تحسين بيئة التنافس و تنظيمها بدلاً من إغلاقها أو إحتكارها.

لذلك أعود دائماً لأجاوب على نفسي عن جدوى العمل السياسي في ظل مجال مغلق: استمرار الحوار السياسي و نقاش الأفكار هو السبيل  لتمكين هذا المجتمع و تغييره، أما الصمت و الإنطواء على النفس و الإنشغال بحياتنا الفردية دون الإنشغال على التوازي بمجتمعنا هو غاية أي سلطة جاهلة، فلا تساعدوهم من أجل مجتمعنا و من أجل مستقبل أولادنا.

من يسقط الدولة ؟

الدولة، أمة و أرض لها حدود جغرافية، تعرف ككيان سياسي واحد، بها مؤسسات مستقلة، لها حكومة واحدة، لها الحق الوحيد في تنفيذ القانون و حمل السلاح، تحفظ أمن الشعب و تحميه، لها حق التمثيل الرسمي في الخارج. تقوم على أمور الشعب و تيسرها و تدير البلاد في خدمته، تساوي بين المواطنين و تعدل بينهم بالقانون وفق عقد إجتماعي واحد متوافق عليه من الشعب و هو الدستور.

من يسقط الدولة ؟

الحقيقة أن الدولة في مصر تعرضت للتآكل تدريجياً عبر العقود الأخيرة و خاصة في الأعوام القليلة الماضية.

فأي قتل خارج القانون من قبل مؤسسات الدولة يسقط الدولة، غياب الثقة في منظومة العدالة يسقط الدولة و كل ما يؤجج صراع بين فصيل و آخر أو يغلب طبقة على طبقة دون إدارة هذا الصراع وفق آليات سلمية و ديمقراطية يسقط الدولة، و أخيراً كلما زادت المظالم فانتظر سقوط الدولة.

المستبدون الحالمون بالزعامة قد يكونوا جاهلين فيرتكبون أي شيء من أجل الحفاظ على أنفسهم و على مجدهم و من ضمنها إسقاط الدولة.

أما الأخطر أن يكون اسقاط الدولة ممنهجاً و عن اقتناع فكري (ديني متطرف أو فكر شمولي سلطوي)، كالذي لديه تصور مختلف عن شكل الدولة الحديثة بمؤسساتها المدنية المستقلة المنتخبة و المراقبة من الشعب.

هؤلاء يسقطون الدولة و على إقتناع أنهم يقيمونها.

ممارسات الإخوان و مناصريها قبل الثلاثون من يونيو في أحداث الاتحادية و تقاتل الناس في الشارع وسط غياب أجهزة الدولة، هي إحدى خطوات إسقاط الدولة. الخطاب التحريضي و الطائفي على المنصات و تمني إنشقاق الجيش هي دعوات لإسقاط الدولة، تبني العنف هو إسقاط للدولة. كذلك انتهاكات النظام الحالي الحقوقية و ممارسات السلطة التنفيذية و تخطيها للدستور و القانون هو إسقاط للدولة.

قد عارضت الدستور الحالي في الاستفتاء الأخير لبعض مواده، أما الحديث عن تغيير الدستور الآن بعد أن وافق عليه وفق أرقام الدولة المصرية 98 % من الناخبين و بعد عام من الاستفتاء يعد من العبث و نوع من إسقاط الدولة. ليس لتغييره و إنما من أجل الفكر الذي وراء هذا التغيير، فهو نمط ممنهج لإسقاط الدولة.

 فالراغبين في تعديل الدستور هم أول من داسوا على الدستور بإطلاق القوانين المخالفة لها ناهيك عن عدم تطبيقه من الأساس فبالتالي الموافقة على تعديل الدستور(المعترض عليه سابقاً) الآن وفق منهج السلطة الحالية يعد الخبل بعينه.

لم تكن مصر في حاجة إلى دستور جديد بالكلية، إلا من بعض التعديلات البسيطة من أجل وضع أول خطوة على الطريق الصحيح، و الحقيقة أن مصر تحتاج إلى إرادة سياسية لتطبيق الدستور و القانون أولاً و ليس تغييره.

إن التمسك بالدستور و القانون هو السبيل لوقف هدم الدولة أما الحديث عن أن القوانين تغل يد الإنتاج أو أن الدستور حائلٌ بيننا و بين التقدم هو من سبيل الدجل من أجل إقامة دولة مشوهة في مخيلتهم.

ماذا بعد السيسي ؟ لماذا و متى و كيف ؟

جاء مقال الرؤية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والذي طرح فيه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتفويض صلاحيات رئيس الجمهورية إلى رئيس وزراء كالحجر في مياه السياسة الراكدة بل كقطرة مياة في أرض يابسة.
فالحقيقة أن السياسة قد ماتت منذ مجيء السيسي إلى الحكم بفضل إرادة واضحة لقتل الحياة السياسية في مصر وبفضل أداءات الأحزاب العالقة بأطراف ثياب السلطة.

تأتي أهمية الرؤية ليس في طرحها للانتخابات المبكرة بقدر طرح حتمية التفكير في سؤال: ماذا بعد السيسي؟

السيسي عند الكثيرين هو بطل أطاح بالحكم الديني وحمى مصر من انهيار الدولة، وقد أيده الكثيرون دون حتى الاستماع إلي برنامجه الانتخابي، وحين استمعوا اليه وجدوا له ألف مبرر لعثراته وأفكاره غير الواضحة. فأيدوا مشروع عبد العاطي رافعين شعار “أنتم لا تحبون الخير لمصر” ضد كل من حاول نقده ولو موضوعيًا.

كان الشعب في أشد الحاجة إلي مشروع يعطيه الأمل في الاستقرار والنمو الاقتصادي، فاستطاع مشروع قناة السويس أن يجمع 60 مليار جنيه في أقل من عشرة أيام على الرغم من عدم وجود دراسة جدوى معلنة، وجاء المؤتمر الاقتصادي بأرقام اقتصادية براقة ووعود وتعهدات زادت من ثقة المؤيدين في المستقبل.

إلا أنه ومع كل هذه النجاحات الاقتصادية في نظر المؤيدين، مع مرور الوقت طُرحت وستُطرح العديد من الأسئلة الموضوعية. كيف ظهر ومن حاسب المسؤولين عن مشروع علاج الفيروسات؟ أين مشروع عرب تيك؟ بعد فض عقد العاصمة الجديدة.. كيف تتم ترسية العقود دون دراسات ودون أي مراقبة؟ ما هي تكلفة الفرصة البديلة لمشروع التعميق وتفريعة قناة السويس (60 مليار جنيه)؟ كم من الوقت سيصبر المصريون حتى يجنوا ثمار كل تلك المشاريع الكبرى ومن أين سيأتي التمويل وسط عجز كبير للموازنة؟ 

حسب الدستور المصري.. أمام السيسي ثلاث سنوات لاستكمال المدة الأولى وأربعة أخرى إذا نجح لفترة ثانية، ولكن سيظل السؤال مطروحًا.. ماذا بعد السيسي وإن كنت من المؤيدين؟.

على الجانب الآخر فالسيسي هو المسؤول الأول عن إزاحة مرسي مستندًا إلى تظاهرات 30 يونيو، وهو الذي أعلن ترشحة ببدلته العسكرية من خلال التليفزيون الرسمي. السيسي كان المسؤول الأول عن الأمن من بعد الثالث من يوليو أي أنه مسؤول عن مقتل أكثر من ألف مواطن مدني مصري جراء فض الاعتصامات وما سبقها من مواجهات أمنية كما أنه المسؤول عن وجود عشرات الآلاف بالمعتقلات واختفاء المئات. السيسي عند هذا المعسكر هو أساس الأزمة.

 وسط هذا الاستقطاب و عدم الاستقرار السياسي لا يمكن إحداث تقدمًا اقتصاديًا حقيقيًا، فسيظل الإرهاب سيفًا على السياحة والاستثمارات الخارجية، كما أن وجود كل تلك المظالم وتضاؤل الثقة في منظومة العدالة يزيد من الاحتقان المجتمعي والعنف الأهلي في محاولات لأخد الحق باليد بدلًا من اللجوء للدولة.

متى وكيف يرحل السيسي؟

أولًا: باتفاق داخل المؤسسة العسكرية بضرورة رحيله حين يصبح وجوده في مؤسسة الرئاسة عبئًا عليها كما حدث مع مبارك، فالقوات المسلحة لم تنحاز إلي الشعب إلا بعد ضغط من الشارع. ومع مرور الوقت يزداد تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والبنية الاقتصادية للدولة، وهو ما يحملها المسؤولية أمام الناس في حال تدهور الأوضاع. وهذا السيناريو يعد بعيدًا على المستوى القريب، على الأقل، وهو مسار معطل للديمقراطية ولن يخرجنا من الدائرة التي نحن فيها. 

ثانيًا: عن طريق الصندوق الانتخابي، عبر انتخابات رئاسية مبكرة، وهو الطرح البعيد عن التنفيذ في الوقت الحالي في ظل كفر كل التوجهات بالصندوق، فالمؤيدين للسيسي ليس لديهم أدنى مشكلة مع النظام الحالي الذي أزاح الإخوان ويحمي الدولة ويحارب الإرهاب مع غياب تام لأي بديل قادر على جمع المصريين.

أما مؤيدي مرسي والشرعية فسؤالهم : لماذا انتخابات رئاسية إذا كان هناك رئيس شرعي؟ أما معسكر المؤمنين بالديمقراطية فأصبح لديهم شكوك حول جدوى الانتخابات فقد خاضوا ذلك التمرين من قبل مرارًا، ولديهم تساؤلات مشروعة حول من يشرف ومن يحمي الصناديق؟

الشاهد الآن هو زيادة ضيق النظام الحالى بالسياسة والسياسيين، فبعد عاميين من خارطة الطريق لازلنا ننتظر انتخابات مجلس النواب، قوانين مكبلة للحريات كقانون التظاهر ومد الحبس الاحتياطي وتأييد المجتمع المدني بقانون الجمعيات الأهلية ومحاولات فرض الحراسة على النقابات وتشويه إعلامي لكل صوت مخالف.

بعد ثلاث سنوات لن يكون الحال أفضل كثيرًا وسط استمرار تحالف المؤسسات الأمنية والقضاء والإعلام، ولكن مع ذلك يتعين العمل على إيجاد مرشح أو ربما أكثر للتغيير، وتوسيع الكتلة الحرجة المؤمنة بالديمقرطية. فمعركة التغيير طويلة وستكون بالنقاط والانتصارات الصغيرة وليست بالقاضية، من خلال الاشتباك مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية و بناء بديل بشكل متدرج ومن خلال كسر تدريجي لكل سلطوية وفتح فتاحات صغيرة في جدار الاستبداد.     

التغيير عبر الصندوق واستمرار النضال السلمي هو سبيلنا للانتقال للدولة الحديثة التي تسع الجميع وليس عبر العنف أو التغيير الجذري. فلا يمكن الحديث عن تغييرات ثورية في ظل غياب لمفهوم الثورة وتصور واضح لدى الكثيرين حول شكل الدولة التي تجمعنا، مع غياب كامل لأي فرص للتوافق بين التيارات المختلفة في الوقت الحالي. 

ستظل السياسة هي ملاذنا لايجاد حل لأزمتنا و يبقي السؤال الأهم من “ماذا بعد السيسي ؟ ” هو “ما هو شكل الدولة و نظامها المأمول ” سواء الآن أو بعد السيسي وإحداث التوافق عليه وتكوين الكتلة الحرجة المؤمنة بالديمقراطية.