نريدها مدنية

‫#‏نريدها_مدنية‬

إن ما تشهده الساحة السياسية الآن هو العبث بعينه تحت مسمى «المدنية». عن أى دولة مدنية يتحدثون؟ وفيها وزير دفاع يدعو للاحتشاد والتأييد الشعبى للتفويض ضد مواجهة الإرهاب وكأننا استدعينا مشهد تبرير بوش الابن لضرب العراق أمام العالم وأمام شعبه. عن أى إرهاب يتحدثون؟ أليس الجيش منوطا بحامية البلاد وسلامة أراضيها بنص الدستور؟ أليست الشرطة مسئولة عن حماية جميع المواطنين وتكفل لهم حق التظاهر السلمى؟

لا يستقيم أن يدعو «وزير الدفاع» الشعب للاحتشاد، فمقاومة الإرهاب لا تحتاج إلى تفويض، واستمرار انحياز المؤسسة العسكرية والشرطة جريمة فى حق الشعب. وما هو «المدنى» فى مشهد رئيس وزراء مشارك فى تفويض «وزير دفاعه» ورئيس مؤقت يدعو للحشد تأكيدا على كلام الوزير؟

وعلى الطرف الآخر ما هو «المدنى» فى تحويل الصراع الى صكوك دخول الجنة والنار؟ ما هو «المدنى» فى التحريض والتهديد بالسحق والدماء؟ ما هو «المدنى» فى خطاب اقصائى لأطراف سياسية بل وطائفى على اساس الدين؟ ما هو «المدنى» فى حيازة السلاح لتأمين التظاهرات وعمل كتائب «للردع»؟ ردع من؟ مواطنين أم سلطة؟ حق استخدام القوة بالقانون هو حق لمؤسسات الدولة العسكرية والشرطية وحدهما وأى خروج على ذلك يعد مخالفا للقانون ووجود أسلحة فى أى تظاهرة يرفع عنها غطاء السلمية ويعرضها للخطر ويسقط مطالبها حتى وإن كانت السلطة ظالمة ومستبدة.

ما هو المدنى فى التوحش غير الاخلاقى فى خلافنا السياسى؟ صراع سياسى بين فصائل مختلفة يتحول إلى صراع وجودى، يقتل الأخ أخاه ويتمنى البعض زوال واختفاء جمع أو حشد فى الميدان المعارض له؟ ما هو المدنى فى الدفع بجماعات مسلحة وبلطجية ضد الشعب؟ ما هو المدنى فى تقبل أخبار سقوط ضحايا بدم بارد وكأنها سارت جزءا من حياتنا اليومية 

●●●

قد يقال إن النزول يوم ٢٦ يوليو للرد على اتهامات الغرب ولهؤلاء أقول: يهمنى الانسان وعدم ارتكاب جرائم أو إرهاب أو خروج على القانون تحت أى مسمى أو من أى سلطة أو معارضة أو باسم أى شرعية.

الجيش والشعب يجب أن يكونا «إيد واحدة» ولكن فى الميدان الصحيح، ميدان المعارك الحقيقية، فى مواجهة الإرهاب فى سيناء والجماعات المسلحة وليس ضد مواطنين. الجيش مؤسسة وطنية قوامها من الشعب وفى خدمته والشعب سندا لها تحت قيادة مدنية حقيقة.

على الإدارة السياسية الحالية «المدنية» للدولة أن تتحمل المسئولية كاملة وتتخذ إجراءات لوقف أى اعتداءات ومحاسبة الجانى فى المجزرة التى شهدها وقد يشهدها مجددا ميدان رابعة وفى شتى الميادين عقب «التفويض» المزمع، وأن تتحرك لتجبر الجميع للجلوس على مائدة التفاوض المباشر دون وسيط، فإن لم تستطع فلتواجه الشعب ولتعلن عجزها وتتقدم باستقالتها.

على المؤسسة العسكرية وهى الحاكم الفعلى فى هذا المشهد «المدنى» العبثى أن تتعلم من الفترة الماضية، أن إدارة المشهد بشكل منفرد واتخاذ «المدنيين» ستارا لن ينفعها، وأن نزول الناس فى الميادين لإعطاء التفويض هو تفويض مؤقت، أعطاه من قبل الشعب بصمته لمبارك حتى فاض به الكيل ثم أعطاه للمجلس العسكرى بشكل مؤقت حتى سلم السلطة تحت الضغوط فأعطاه لمرسى وانتزعه مجددا فى ٣٠ يونيو وما تبعها فلا تغتروا بالملايين التى نزلت الشوارع فعقارب الساعة لا تعود الى الخلف.

●●●

الحل السياسى يجب أن يكون فوريا لوقف الدماء. وقد يكون عمل استفتاء على خارطة الطريق، بين انتخابات رئاسية مبكرة وخارطة الجيش حلا سريعا للعودة لاحتكام الصناديق وللشعب بدلا من الحشد والحشد المضاد. بالإضافة الى إقالة وزير الداخلية ووقف أى ملاحقات استثنائية، التعهد من قبل وزير الدفاع بحامية المتظاهرين فى كل الميادين، تسليم السلاح الذى فى الميادين من المدنيين، اعطاء صلاحيات مطلقة لرئيس الوزراء الحالى أو التوافق على شخصية لا تحسب على تيار بعينه.

مدنية الدولة تعنى أن تكون مؤسسات الدولة مستقلة وتحت رقابة شعبية، يعامل المواطنون فيها سواء أمام القانون. حفظ الأمن هو دور الدولة وحق للمواطن فى الدستور دون تفويض أو تفريط ودون استبداد ويكون هذا الدور تحت سلطة سياسية مراقبة ومأمورة من الشعب دون وسيط أو تأثير للخارج أو دولة داخل دولة. هذا الجيل يعرف ماذا يريد ولن يتنازل عن الدولة التى يحلم بها مهما ظهر فى الأفق من غيوم.

 

أحمد شكري – جريدة الشروق ٣١/٧/٢٠١٣

ازدراء الشعب المصري

هذا شعب جاهل، هؤلاء هم عبيد، لاحسي البيادة، نتنابذ بالألفاظ حين نختلف و نتهم بعض بأبشع التهم و الحقيقة أنهم فاشلون و الشعب هو المعلم..
حشدت القوي المدنية كل قواها من شخصيات عامة و اعلام مرئي و مقروء لإقناع الشعب المصري بقول لا في استفتاء ١٩ مارس إلا أنها لم تحصل إلا على ربع أصوات الناخبين ، فسارعوا باتهام الشعب بالجهل و التغييب. مع أن السبب في هذه النتيجة الهزيلة هو فشل تلك القيادات و أحزابهم في بناء ثقة و تلاحم مع الجماهير طوال عقود سابقة من التجريف السياسي.

جاءت انتخابات مجلس الشعب لتؤكد فشل القوى المدنية مجددا في توجيه خطاب مقنع للشعب و عدم قدرة أحزابها في استيعاب الجماهير ممي أدي إلي تكرار النتائج الضعيفة في الانتخابات.

بدأت نتائج القوى المدنية تتحسن مع الانتخابات الرئاسية و ذلك ليس لتحسن أداءها و إنما لسوء و فشل أداء قوى الاسلام السياسي، لترسل رسالة واضحة أن خطاب الاسلام السياسي لم يعد يقنع سوي نصف المجتمع و ربما أقل، حيث أن القوي الثورية هي من رجحت كفة مرسي في معركة الجولة الثانية

تمكنت قوي الإسلام السياسي من تمرير دستور ٢٠١٢ و لكن هذه المرة بنسبة أقل من استفتاء ١٩ مارس، و ذلك لرواج دعاوى الاستقرار الوهمي و دوران عجلة الإنتاج، و هو ما قلل من فرصة رفض الدستور

مع كل حراك سياسي عقب استفتاء مارس ٢٠١٢ خسرت قوى الإسلام السياسي كل يوما قطاعات جديدة من الجماهير، بداية من رفع الأذان في مجلس الشعب و دعاوات سطحية مثل منع المواقع الإباحية و تبرير الربا بمصاريف ادارية بالاضافة إلي الكذب البين لكثير من قياداته.
أكد ذلك الفشل أداء مرسي الضعيف و الفاشل و عدم وفاءه بأي عهد فهو لم يصارح الشعب بحجم التحديات و وعده بحلول بعد مئة يوم من حكمه و لم يلتزم بها بل و روج بالكذب عن الإنجازات في مؤتمر احتفالي في الاستاد، و وعد بمشروع النهضة الذي اصبح سخرية من الجميع مع اعتراف جماعته بعد ذلك بأنه غير موجود فاصبح “فنكوش العصر”
لم يسعي الرئيس إلي بناء توافق حقيقي و طرح الدستور للاستفتاء قبل حل الأزمة السياسية ثم اصدر بعد ذلك الاعلان الدستوري دون مناقشة نائبه أو حتي وزير العدل أو احد مستشاريه والذي اختارهم بنفسه. ثم فتح كل الجبهات مع القضاء و الشرطة و المثقفين و أحرج مصر دوليا بمؤتمر “الكيت كات” الذي دعا فيه المعارضة إلي لقاء سري مذاع علي الفضائيات و ذكرنا بالفيلم العربي. فأصبح الفشل هو سيد المرحلة.

بعيدا عن حركة تمرد و أحاديث عن من يساندهم أو من انضم من فلول الوطني للشارع باحثا عن فرصة جديدة للحياة و بعد ان أعلنت الشرطة أنها في صف من نزل ضد مرسي في ٣٠ يونيو، إلا أن الأعداد التي نزلت تفوق التي نزلت في اي فعالية في تاريخ مصر، فهي بمثابة موجة ثورية امتدادا لثورة ٢٥ يناير، و قد جمعت الموجة الثورية كل طوائف الشعب حتي أن كل من سار في مسيرة يومها رأي بعينيه أن مصر في هذا اليوم قد أخرجت كل ما في بطنها من ناس علي مختلف توجهاتهم و طبقاتهم و إن إنخفضت نسبة من ينتمون إلى تيار الاسلام السياسي.

الفشل هو سبب نتائج الكتلة المدنية في كل الاستحقاقات الانتخابية الماضية كما أن الفشل هو السبب الأول في نزول الجماهير بهذه الاعداد للشوارع في ٣٠ يونيو و ليس لأنهم “لاعقي البيادة”، فقد فشل مرسي في تحقيق مطالب الشعب الحياتية، و فشل في تحقيق توافق سياسي،كما فشل في السياسة الخارجية فتعرض أمننا القومي للخطر سواء للإعتداءت المتكررة في سيناء و إختطاف الجنود أو تهديد منابع النيل.

فالندرك أن الفشل هو السبب الرئيسي في نزول الجماهير الي الشارع و هو نفس السبب الذي يحدد اختيارها في الصناديق فهي تعرف ماذا تريد ومن لا يلبي مطالبها فسيلقى مسير حكامها المخلوعين و المعزولين
فلا تزدروا الشعب المصري أيها الفاشلون فأبداً لن يكون هذا الشعب عبدا لاحد و لا لاحسا لقدم سلطة اي كانت، هذا الشعب خد خرج ليهد حصون الجبارين وزلزل قصور المستبدين و سيظل في ثورة حتي ينتزع إرادته الحرة

ثورة مستمرة

هل كان يستطيع الجيش القيام بهذا التدخل دون نزول الملايين المؤيدة لعزل مرسي ؟ بالطبع لا. إن ما حدث في ٥٢ كان انقلابا أيده الشعب، و ماحدث في ثورة ٢٥ يناير و ما تلاه من ١٨ يوم هي ثورة شعبية بمعني الكلمة، تلاها تدخلا عسكريا بمباركة الشعب لإدارة شئون البلاد بشكل مؤقت و لولا ضغط الشعب المستمر لما تطورت الثورة و ما سلم الحكم لسلطة منتخبة من الشعب.

٣٠ يونيو هي موجة ثورية جديدة و ليست الأخيرة، خرجت لتصحح المسار ثم انتهت بتدخل عسكري و مباركة مؤسسات الدولة الرسمية كالشرطة و القضاء وسط مساندة حقيقية من الشارع و الجماهير. لقد خرجت الجماهير بالملايين ليستردوا السلطة مرة أخرى بعد أن منحتها لمن أساء استخدامها و قسم الشعب و سقطت شرعيته منذ مقتل المصريين علي يد مصريين آخرين بفضل إجراءات استبدادية اتخذها

إن “السيادة للشعب يمارسها و يحميها و يصون وحدته الوطنية و هو مصدر السلطات و ذلك علي النحو المبين في الدستور” هذا ما جاء بنص الدستور، و من يكتب الدستور هو الشعب.

إن الدستور و المؤسسات المنتخبة و القوانين، كلها آليات و إجراءات لتفعيل مبدأ السيادة للشعب، فإن فشلت هذه الإجراءات وجب تغييرها بشكل سلمي كي تصبح أكثر تعبيرا عن الشعب و ملبية لطموحاتها و آماله.

و لكن يبقي السؤال من الذي وضعنا في هذا الموضع المعقد ؟ إنه الرئيس و جماعته و الذين طالبناهم دوما بأن عليهم الإنصات لمطالب الشعب و لم ينفذوها حتي وصل قطاعات كبيرة من الشعب إلي قناعة كاملة بحتمية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة للخروج من هذا الانسداد السياسي و هو ما دفعنا أيضا للتحذير من أن عدم أقدام الرئيس بنفسه لحل الأزمة سيؤدي بالتأكيد إلي تدخل جيش أو فوضى عارمة و هو ما يحدث الآن.

لقد خرجت الجماهير للمطالبة بالانتخابات رئاسية مبكرة و هو ما يجب أن نمضي نحوه في أسرع وقت. الثورة مستمرة حتى نحقق مطالب الثورة، حكم مدني ديمقراطي دون إقصاء، إتاحة الحريات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، تمكين الشعب المصري من أدواته و صيانة كرامته و تنميته و رفض أي استبداد باسم الدين أو القمع أو القانون.
عاشت مصر للمصريين و بالمصريين
أحمد شكري ٦/٧/٢٠١٣

تحطيم الأصنام بين الإتباع و التفكر

ما أكثر حاجتنا اليوم إلى تحطيم الأصنام بداخلنا . فكلما سمعت نشرة أخبار الراديو في وسط زحام القاهرة تذكر كلمات “الرئيس السابق” أو “محاكمة حسني مبارك” و بعد أن رأينا الجماهير التي خرجت في ٣٠ يونيو، يقفز إلى ذهني قصة سيدنا إبراهيم مع الأصنام.

لقد خرجت الجماهير في صبيحة ٢٥ يناير رافعة شعار “عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية” و مع نزول الشمس كان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” قد تبلور و أصبح الشعار الهادر و الأسير للمرحلة و باتت هذه الجماهير الغفيرة هي إبراهيم هذا العصر.

و الصنم هو كل ما ورثناه أو تعلمناه من أفكار نظن أنها حقائق و هي غير ذلك أو زعامات أو شخصيات نظنهم لا يخطئون و هم بشر يأكلون و يمشون في الأسواق.

لقد عشت أكثر من ثلاثون عاما أحلم بزوال الاستبداد و حكم مبارك و ما ظننت أنني سأشهد هذا اليوم. و كثير من الأفكار و الأحلام قبل الثورة و التي ظننا أنها دربا من الخيال نراها تتحقق و تتغير، بل إن كثير من الأشخاص و الزعامات و الذين كنا نعدهم من الأخيار قد ساروا في أعيننا صغار و لا نحسب لهم وزنا.

و لكننا لم نتعلم الدروس القاسية التي سالت من أجلها الدماء: أن لا حقيقة في الحياة سوى الموت و أن العدل الرحيم الجبار المنتقم هو الله و أن كل فرد فينا سوف يحاسب وحده و يسأل عما فعل و تكلم و اتبع و أن كل الزعامات إلى زوال و أن علينا ألا نخاف سوى الله و أن الظلم و الظالم إلى زوال و لو بعد حين.

في مجتمع مليء بالتنوع و جماعات و أحزاب تشكلت على مسطرة فكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و زعامات سياسية و اجتماعية يسعى كل منها توجيه الرأي العام و جذب مناصرين لفكره و لرؤيته يتخبط المواطن بين الإتباع و التفكر. فتجد من أعطى صك الطاعة لرئيسه أو لزعيمه و من رفض الإتباع أو الانتماء لأي كيان مجمع سياسي أو اجتماعي.

تدخل مصر تحديا جديدا فنحن على شفا إقتتال أهلي بسبب جماعة أتت إلى الحكم بمندوب لها في الرئاسة فاستبدلت الأسماء و لم تغير السياسات، بل أتبعت سياسة تعميق الاختلاف و فتح جبهات المواجهة بين كل فصيل مختلف.

التحدي الأكبر في هذه المرحلة الحرجة هو إعلاء التفكر على الإتباع، فتحطيم الأصنام هو واجب كل وقت، سواء كانت هذه الأصنام أفكار تربينا عليها أو شخصيات نستمع إليها دون مراجعة لها أو تفكير فيما يقولون، فمن ينتمي إلى حزب أو جماعة عليه أن يعلم أن رأي الجماعة و الحزب و إن كان ديمقراطيا ليس بالضرورة هو الأصوب في قضايا قد تمس حياة الناس و دماءهم و عليه أن يفكر و يستشير قبل الإتباع الأعمى. فليس كل ما يقوله زعيمك أو رئيسك حقيقة مجردة مسلم بها، فكل فرد يخطئ و قابل للمراجعة والرد.

أما من لا ينتمي إلى حزب أو جماعة فوجب تذكيره بأن كونه مستقلا، ليس بالضرورة هو الأصوب، فالتفكير الجماعي عادة ما يخرج لنا منتجا فكريا أفضل، فعليه السؤال و الاستشارة ثم التوكل على الله فيما أختار من طريق.

حين يتحدث أحد الزعامات السياسية كالبرادعي أو أبوالفتوح أو حتى مرسي، يتبارى معظم المؤيدون في التبرير و التأييد بينما يرد مؤيدي المنافس بهجوم لاذع متصيدين أخطائه ولا يدرك هؤلاء جميعا أن التيارات الفكرية و الأحزاب لا تصنع من تصريح أو تغريدة على الإنترنت و لا تتكون في يوم أو أسبوع و إنما تحتاج إلى مجهود مضني و عمل مخلص لسنوات. لا يدرك مؤيدي كل هؤلاء أن الفتنة لا تؤمن على الحي و أن من مات هو من أغلق كتابه و صح إتباعه إن أصلح أم من هو حي فهو بشر، قابل للمعاتبة و المراجعة و التصحيح، فلا تجعلوا منهم أصناما.

إن ما نشهده في الميادين هو خلاف سياسي، و السياسة لا صنم فيها و لا جمود. و لا سبيل إلى استكمال ثورتنا إلا بالسلمية و الإبداع و التفكر و أن نعلم أن قوة كل فرد فينا في ذاته في استقلاليته في تفكيره و اخلاصه لخدمة وطنه بعيدا عن الزعامات و الأفكار المصمتة و سواء كنت من مدرسة الإتباع أو التفكر أو الجمع بينهما، فاعلم أن قتل النفس حرام في كل دين و أنها أغلى من زعيمك و من حزبك و جماعتك. فحطم الأصنام و تحرر.

سد العقول

منشور بجريدة الشروق بتاريخ ١٩/٦/٢٠١٣

يركب المترو وينزل فى كل محطة حاملا مشروعه لوطننا، أقرئى يا بلادى، فقد أيقن شادى أن ثورة بلا معرفة كناطحة سحاب دون مصعد، حسب تعبيره. فبعد عامين من ثورة تعلمنا أن وعى الشعوب يحدد قراراتها وفى دولة تخطو أولى خطواتها للديمقراطية نستدعى ذلك الوعى مع كل قرار تصويتى أو اختيار بين أفضلين أو بين أسوأ الخيارين.

شادى عبدالسلام كاتب مصرى شاب أطلق مبادرة للحث على القراءة فهو يعلم جيدا أن القراءة والمعرفة هما أساسا تشكيل وعى الأمة بشكل سليم، ولذلك قرر أن يقوم هو بدور المؤلف والناشر لكتابه ويتنازل عن الأجر ويبقى على جزئية التوزيع للموزع خاصة مفترشى الطرقات، فهدفه ليس الربح وإنما الوصول بحملته إلى كل ربوع مصر.

تذكرت شادى وأنا أشاهد راقصى فرقة الأوبرا للباليه وهم يؤدون رقصة زوربا أمام اعتصام وزارة الثقافة فى الشارع. فذلك هو حال الثقافة الذى يجب أن يسود بعد الثورة، الانفتاح على الناس والمبادرات الفردية والجماعية والإيجابية. فلا يجب أبدا أن يظل جمهور الأوبرا مقصورا على فئة معينة من رواد المدينة الكبرى ولا يقبل بعد الثورة أن يكون عدد زوار دار الوثائق والكتب والمتاحف المصرية بالعشرات ولا نقبل أبدا أن يكون تعيين قيادات الثقافة بمصر طبقا لهوى الحزب الحاكم.

نحن أمام أزمة حقيقية، ففى واقع الأمر ليس مشروع النهضة المشئوم الخاص بالإخوان أو سد النهضة الإثيوبى هى عوائق التقدم أو عمل نهضة حقيقية، سد النهضة هو سد العقول عن العلم والتفكير بحرية وإتاحة المعلومات ومنع تدفقها.

●●●

هناك وقائع عديدة توضح حجم الأزمة التى وصلنا إليها أولها واقعة عدم التعامل مع مشروع سد النهضة بشكل علمى ممنهج واستباقية وشفافية بالإعلان عنه والمصارحة المبكرة للشعب وأولى التخصص والعلم.

الواقعة الأخرى هى واقعة الصراع المحتدم حول جامعة النيل، وهو صراع حول الأرض والمبانى فليته صراع على بحوث علمية أو صراع أفكار وإنسانيات.

ومنذ أيام فوجئنا بقطع جائر لأشجار البلوط المطلة على حديقة الحيوان والتى يتجاوز عمرها المائة عام بحجة الخوف من سقوطها. ولكن المطالع لعملية البطش يستطيع أن يرى وبوضوح الجور الشديد وعدم التعامل مع الشجر بعلم بأن تقطع الفروع الميتة أو أن تقلم بدلا من القطع الكلى.

ولا نستطيع أن ننسى مذابح الخنازير والتى قتلت معظم خنازير مصر فى ساحات القمامة أثناء أزمة إنفلونزا الخنازير وذبح كل الدواجن التى وقعت أيديهم عليها أثناء إنفلونزا الدواجن وهو ما تم إدانته بعد ذلك من مؤسسات الصحة العالمية وأسباب ذلك هى نقص العلم والشفافية.

تلك الوقائع توضح أن سد النهضة الحقيقى الذى يحول بيننا وبين التقدم هو سيادة الجهل ومنع تدفق العلم، سواء كان هذا المنع بقمع الحريات الشخصية، مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو بانعدام الشفافية وحرية الحصول على المعلومات والبيانات أو أى منتج علمى.

ثم يأتى صراع المثقفين مع وزير الثقافة الجديد لندخل معركة بين فصيل يريد بالتأكيد أدلجة وزارة الثقافة ويروج أنه يحارب الفساد، والذى تفشى فى مؤسسة سادها الركود لاستمرار وزير ما قبل الثورة بها لأكثر من عشرين عاما، وبين فصيل متنوع من المثقفين منهم من يقصر صراعه مع الوزير فى نطاق الصراع السياسى ومنهم من يرى وجوب تطهير وزارة الثقافة كأى مؤسسة أصابها العطب قبل الثورة. يؤمن المثقفون بضرورة طرح سياسات ثقافية بديلة تجعل مؤسسة الثقافة وظيفتها تقديم خدمات ثقافية للشعب فى كل ربوع مصر بدلا من أن تصبح أداة للحزب الحاكم فى توجيه الوعى وتغييبه أو مؤسسة تقدم الخدمات لذوى القربة أو المحسوبية.

●●●

نحن أمام تحدٍ كبير لإعادة بناء الوعى المصرى على أسس سليمة، أولها إصلاح التعليم الأساسى والعالى وإتاحة الحرية والاستقلالية لمؤسساته وإصلاح المؤسسات الدينية والخطاب الدينى، ثانيها إعادة النظر فى دور وزارة الثقافة وإلغاء وزارة الإعلام وإنشاء هيئة مستقلة بديلة، ثالثا إطلاق حرية الإبداع والابتكار والاختراع وحمايتها، بعمل حزمة من القوانين منها قانون حرية المعلومات وقوانين حماية الملكية الفكرية وقانون الجمعيات الأهلية لتعزيز مشاركة المجتمع المدنى.

إن التفكير العلمى الممنهج بالتوازى مع خلق مناخ حر وقوانين داعمة، يشجع على الابتكار والإبداع والتعامل الصحيح مع أى مشكلة تواجهنا على المستوى الفردى أو المؤسسى أو على مستوى الدولة.

نحن أمام تحدٍ حقيقى ولكننا قادرون على تجاوزه بالعلم والعمل والاجتهاد، فافتحوا القنوات للعقول.