مستقبل أحزاب التيارات الاسلامية

منشور بجريدة الشروق ١٤/٨/٢٠١٣

ما هو مستقبل أحزاب التيارات الإسلامية فى مصر؟ وكيف سيتم إدماج أنصارهم ومؤيديهم فى الحياة السياسية مرة أخرى؟

فى ظل دستور يحترم الشريعة الإسلامية كمرجعية للدولة المصرية تقع كل الأحزاب باحترامها للدستور تحت نفس المظلة. ولكن بدلا من أن نتخطى أزمة الهوية التى تعصف بنا، انجرفنا الى هوة سحيقة انعكست على علاقتنا الاجتماعية وأصاب المجتمع كله هوس التصنيف الفكرى وبات الحكم بالمظهر أساس حكم البعض على الآخر.

ويأتى تصنيف الأحزاب من قبل بعض الإعلاميين وبعض الساسة والكتاب الى أحزاب «إسلامية» فى مواجهة الأحزاب «المدنية» تصنيفا غير دقيق. فلا يوجد مصطلح سياسى اسمه «أحزاب مدنية».

ومصطلح «أحزاب مدنية» تستخدمه بعض الأحزاب للحيلولة دون ذكر كلمة أحزاب «علمانية» سواء بمفهوم العلمانية الجزئية بفصل الدين عن الدولة وليس فصل الدين عن الحياة، أو بمفهوم العلمانية الشامل.

نفس مصطلح «الأحزاب المدنية» تطلقه أحزاب الحرية والعدالة والنور وغيرها من الأحزاب على نفسها وهى الأحزاب التى تنتمى إلى تيارات إسلامية وجماعات دعوية كجماعة الإخوان المسلمين أو الدعوة السلفية وكلٌ له شيوخه ومُفتُوه.

كذلك تصنف الأحزاب الوسطية نفسها كأحزاب مدنية وهى التى تكتفى بوجود المرجعية الإسلامية فى الدستور وتؤمن بالدين الإسلامى كمصدر للتشريع ولا تضع نفسها كمرجعية له، إنما يسعى أعضاؤها ونوابها من خلال اجتهادهم واستئناسهم باجتهاد المجتمع والمؤسسات الدينية كالأزهر وغيره فى تشكيل رؤيتهم فى تطبيق الشريعة وليس من خلال جماعة دينية تابعة للحزب.

●●●

الكل يستخدم كلمة مدنية ويطوعها على هواه وهناك خلاف سياسى واضح حول طبيعة علاقة الدين بالسياسة وبالحياة. فهناك فريق يؤمن بشمولية الدين وأنه يشمل كل مناحى الحياة ولكنه لا يفرق بين الدين وفهمه للدين وأن البشر يختلفون فى تفسيره ويرى أن هناك سلطة دينية فوق الدولة (كوضع الأزهر فى باب مقومات الدولة فى الدستور وهيئة كبار العلماء كمرجع تشريعى). وفريق آخر لا يرى شمولية الدين فى الحياة أو السياسة، ولا يتخذه كمرجع شخصى له فى كل أموره وإنما يراه تقويما للأخلاق ومقصورا فى العبادات. وفريق ثالث لا يجد فى الدين شيئا ينفعه وهم قلة فى مجتمعنا. أما الفريق الأخير فهو يؤمن بشمولية الدين وأنه يشمل ما فيه من الأخلاق والعبادات والعلاقات ويتخذه كمرجع شخصى له فى حياته وبوصلة له ولكنه لا يتحدث باسم الدين ولا يسعى لفرض سلطة دينية على المجتمع وإنما يؤمن بحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والإبداع ويرى وجوب اجتهاد الناس فى إعمار الأرض بنية لله دون ادعاء العصمة أو العلو، مدركا أن الكل يجتهد، يصيب ويخطئ.

يجب عدم منع أى حزب من أن تكون مرجعيته مرجعية دينية إن شاء. فكل من يعمل تحت مظلة الدستور فهو مدنى سياسى بمعنى أنه غير عسكرى وكذلك ليس حزبا دينيا بمعنى عدم قصر عضويته على أصحاب دين واحد أو اشتراط الانتماء لجماعة دينية. ولكى نخرج من دوامة المصطلحات وهوس التصنيف والمرجعيات علينا أن ننظم العلاقة بين الدين والسياسة على عدة مستويات، حفظا للدين والمجتمع أولا والسياسة ثانيا.

على المستوى الدستورى يجب نقل المادة رقم ٤ الخاصة بالأزهر من فصل المقومات السياسية فى باب مقومات الدولة والمجتمع الى الباب الرابع الخاص بالهيئات المستقلة، فالأزهر يجب ألا يوضع فى مكان المؤسسات السياسية. كما يجب إلغاء النص بأخذ رأى هيئة كبار العلماء فى الأمور الخاصة بالشريعة الاسلامية لأن النص فيه تحديد لأخذ رأى هيئة دينية بعينها مما يغلق باب الاجتهاد الدينى من جهات أخرى ويفتح باب تسييس الهيئة ويفتح شبه إلزام مجلس النواب برأى الهيئة وهو ما يهدد بوجود دولة دينية أو دولة داخل دولة. كما يجب إلغاء المادة رقم ٢١٩ والتى تنص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة» والاكتفاء بالمادة رقم ٢ والتى تنص على «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع» مع الاعتداد بتفسير المحكمة الدستورية السابق لها كمرجعية للدولة المصرية، حيث إن المادة ٢١٩ تحصر الاجتهاد وتحدده.

على المستوى التنظيمى يجب تقنين وضع أى جماعة دينية أو سياسية ووضع ميزانيتها ومصادر تمويلها تحت رقابة الجهاز المركزى للمحاسبات كما لا يمكن السماح لها بأى علاقات خارجية أو نشاط داخل بلدان أخرى إلا تحت تنظيم القانون وإعلام الجهات المختصة وبالتنسيق الرسمى مع حكومات الدول الأخرى وبشفافية كاملة.

على مستوى الممارسة السياسية والإعلام يجب وضع قانون لمنع الخطاب التكفيرى أو الحض على الكراهية والطائفية بكل أنواعها وحظر استخدام الشعارات الدينية فى الانتخابات.

●●●

أخيرا، على كل الأحزاب المصرية الانتقال من مرحلة الشعارات مثل الإسلام هو الحل أو دولة مدنية أو العدالة الاجتماعية الى الممارسة الحقيقية وتقديم برامج واقعية تمس حياة الناس اليومية. ويبقى الخطر الأكبر فى تصدير شعارات دينية ثم يثبت فشل الممارسة معانى الشعارات، فتصد عن الدين بغير علم، فلا نفعت الناس ولا دينا أقامت.

هناك فرصة جديدة لإدماج أحزاب التيارات الإسلامية بمراجعة ممارساتها والاعتراف بالأخطاء واحتوائها تحت مظلة الدستور. وبالقانون يكون الجميع سواء وتصبح المنافسة والاجتهاد سياسيا بدلا من صراع الهوية فيعلو التنافس على تيسير مصالح الناس وحياتهم وإقامة العدل بينهم.

تحطيم الأصنام بين الإتباع و التفكر

ما أكثر حاجتنا اليوم إلى تحطيم الأصنام بداخلنا . فكلما سمعت نشرة أخبار الراديو في وسط زحام القاهرة تذكر كلمات “الرئيس السابق” أو “محاكمة حسني مبارك” و بعد أن رأينا الجماهير التي خرجت في ٣٠ يونيو، يقفز إلى ذهني قصة سيدنا إبراهيم مع الأصنام.

لقد خرجت الجماهير في صبيحة ٢٥ يناير رافعة شعار “عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية” و مع نزول الشمس كان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” قد تبلور و أصبح الشعار الهادر و الأسير للمرحلة و باتت هذه الجماهير الغفيرة هي إبراهيم هذا العصر.

و الصنم هو كل ما ورثناه أو تعلمناه من أفكار نظن أنها حقائق و هي غير ذلك أو زعامات أو شخصيات نظنهم لا يخطئون و هم بشر يأكلون و يمشون في الأسواق.

لقد عشت أكثر من ثلاثون عاما أحلم بزوال الاستبداد و حكم مبارك و ما ظننت أنني سأشهد هذا اليوم. و كثير من الأفكار و الأحلام قبل الثورة و التي ظننا أنها دربا من الخيال نراها تتحقق و تتغير، بل إن كثير من الأشخاص و الزعامات و الذين كنا نعدهم من الأخيار قد ساروا في أعيننا صغار و لا نحسب لهم وزنا.

و لكننا لم نتعلم الدروس القاسية التي سالت من أجلها الدماء: أن لا حقيقة في الحياة سوى الموت و أن العدل الرحيم الجبار المنتقم هو الله و أن كل فرد فينا سوف يحاسب وحده و يسأل عما فعل و تكلم و اتبع و أن كل الزعامات إلى زوال و أن علينا ألا نخاف سوى الله و أن الظلم و الظالم إلى زوال و لو بعد حين.

في مجتمع مليء بالتنوع و جماعات و أحزاب تشكلت على مسطرة فكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و زعامات سياسية و اجتماعية يسعى كل منها توجيه الرأي العام و جذب مناصرين لفكره و لرؤيته يتخبط المواطن بين الإتباع و التفكر. فتجد من أعطى صك الطاعة لرئيسه أو لزعيمه و من رفض الإتباع أو الانتماء لأي كيان مجمع سياسي أو اجتماعي.

تدخل مصر تحديا جديدا فنحن على شفا إقتتال أهلي بسبب جماعة أتت إلى الحكم بمندوب لها في الرئاسة فاستبدلت الأسماء و لم تغير السياسات، بل أتبعت سياسة تعميق الاختلاف و فتح جبهات المواجهة بين كل فصيل مختلف.

التحدي الأكبر في هذه المرحلة الحرجة هو إعلاء التفكر على الإتباع، فتحطيم الأصنام هو واجب كل وقت، سواء كانت هذه الأصنام أفكار تربينا عليها أو شخصيات نستمع إليها دون مراجعة لها أو تفكير فيما يقولون، فمن ينتمي إلى حزب أو جماعة عليه أن يعلم أن رأي الجماعة و الحزب و إن كان ديمقراطيا ليس بالضرورة هو الأصوب في قضايا قد تمس حياة الناس و دماءهم و عليه أن يفكر و يستشير قبل الإتباع الأعمى. فليس كل ما يقوله زعيمك أو رئيسك حقيقة مجردة مسلم بها، فكل فرد يخطئ و قابل للمراجعة والرد.

أما من لا ينتمي إلى حزب أو جماعة فوجب تذكيره بأن كونه مستقلا، ليس بالضرورة هو الأصوب، فالتفكير الجماعي عادة ما يخرج لنا منتجا فكريا أفضل، فعليه السؤال و الاستشارة ثم التوكل على الله فيما أختار من طريق.

حين يتحدث أحد الزعامات السياسية كالبرادعي أو أبوالفتوح أو حتى مرسي، يتبارى معظم المؤيدون في التبرير و التأييد بينما يرد مؤيدي المنافس بهجوم لاذع متصيدين أخطائه ولا يدرك هؤلاء جميعا أن التيارات الفكرية و الأحزاب لا تصنع من تصريح أو تغريدة على الإنترنت و لا تتكون في يوم أو أسبوع و إنما تحتاج إلى مجهود مضني و عمل مخلص لسنوات. لا يدرك مؤيدي كل هؤلاء أن الفتنة لا تؤمن على الحي و أن من مات هو من أغلق كتابه و صح إتباعه إن أصلح أم من هو حي فهو بشر، قابل للمعاتبة و المراجعة و التصحيح، فلا تجعلوا منهم أصناما.

إن ما نشهده في الميادين هو خلاف سياسي، و السياسة لا صنم فيها و لا جمود. و لا سبيل إلى استكمال ثورتنا إلا بالسلمية و الإبداع و التفكر و أن نعلم أن قوة كل فرد فينا في ذاته في استقلاليته في تفكيره و اخلاصه لخدمة وطنه بعيدا عن الزعامات و الأفكار المصمتة و سواء كنت من مدرسة الإتباع أو التفكر أو الجمع بينهما، فاعلم أن قتل النفس حرام في كل دين و أنها أغلى من زعيمك و من حزبك و جماعتك. فحطم الأصنام و تحرر.