الرحمة المفقودة

أسوأ ما أصاب المجتمع منذ قيام الثورة هو الاستقطاب الأعمى المبني على جهل المعلومة، سواء جهل الموضوع المتكلم فيه أو جهل بالطرف المتحاور معه.

وأخطر أنواع الاستقطاب هو استقطاب الكرهاء المبني على مشاعر الكره سواء كان ذلك مبررًا بظلم من طرف أو جهل عن الآخر، وكلا النوعان يؤديان إلى الفُجر في الخصومة اللفظية، وهو ما يعقد المشهد أكثر أو يؤدي إلى التغيير باليد، واليد هنا هو كل فعل قوة على الطرف الآخر خارج القانون أو بقانون فاسد.

لعل ظواهر تفشي هذا الاستقطاب البغيض في مجتمعنا الآن صارت كثيرة، بل أن كثير من الناس قد وقعوا في هذا الغي ولو في لحظة من اللحظات العصيبة التي مرت على وطننا منذ قيام ثورة 25 يناير.

دعونا نمر سريعًا على بعض المشاهد الدالة التي سكت كثير منّا عنها فصار طبيعيًا أن تتكرر وتصبح معتادة فيكون إدراكنا لواقعنا المقيت معدومًا.

– معركة الجمل كأحد أول مشاهد اعتداء مواطنين على مواطنين مصريين آخرين والجمهور والسلطات يشاهدون الناس تُقتل على التلفاز ولا أحد يتحرك إلا بعد انتهاء المعركة، انظر إلى اللفظ “معركة”، بين من؟ بين مصريين ومصريين.

– مشهد دهس مدرعة لمواطنين أقباط وتحريض من التلفزيون ولا أحد يحاسب، بل أن بعض الناس للأسف يرونهم مواطنين من درجة ثانية يستحقون الموت لمجرد حديثهم عن حقوق مستحقة.

– فض اعتصام التحرير بالقوة وسحل “ست البنات” في الشارع وتساؤلات، ماذا ترتدي؟ وما الذي ذهب بها إلى هناك؟.

– هدم خيم المعتصمين أمام الاتحادية ثم تدافع الناس أمام القصر ومناشدة الإخوان لأنصارهم للدفاع عن الرئيس الأسبق وهو تكرار لفتنة الشعب واستغلاب بعضه على بعض.

– التحريض المقيت من منصات رابعة والنهضة والتحريض المضاد في الفضائيات بالإبادة والقتل ثم بالتنفيذ الفعلي للفض بهذا الشكل المتوحش وسط رقص المؤيدين وغنائهم.

– استمرار التحريض اليومي من الإعلام المعارض والمؤيد لأحداث ٣ يوليو وتقبل القتل من الأطراف كلها بصدور رحبة ومنتشية.

بعد ذلك كله لم يكن مستغربًا أن يصبح موت شخصية عامة حدثًا يتسبب في لعن الناعي والمنعي لمجرد التضامن الإنساني، هذه اللحظات الحرجة التي تمر بها البلاد تتطلب منّا إعلاء صوت العقل والرحمة والإنسانية مهمة اختلفنا سياسيًا، بل إنني على المستوى الشخصي لا أستطيع أبدًا إلا أن أسأل الله الرحمة والمغفرة في لحظة موت أي إنسان.

وأسأل كل مخالف بأقل القليل بأن يتحلى بالصمت عند عجزه عن المغفرة في هذه اللحظة.  

إن تدافع الأفكار المتضادة أمر طبيعي وضروري لتقدم الإنسانية ولكن حين ينعدم الحوار ويسود الجهل والكراهية فإننا نصير في عالم الأحجار والتراب، فعالم الوحوش أرحم من كثير منّا.

37

اليوم اتم عامي السابع و الثلاثون، ليست مناسبة هامة للناس كي اكتب عنها و لكني احاول ان أواصل عادة بدأتها العام الماضي في كتابة ذكريات و خواطر العام المنصرم و آمال للعام المقبل، شهادة للزمن و حجة عليّ للتشجيع و المحاسبة. فأنا المعني بهذه الكتابة بالأساس.

الحمد لله حمدا كثيرا الذي أبقانا على الارض و أعطانا من النعم ما تعجز عنه الألسنة بالحمد لها.

يمر العام كلمح البصر، فلا نشعر بمروره الا حين نمضي في دائرة الحياة فنرى شجرة الخلق مرة اخرى تكبر كعلامة على الطريق بعد ان تركناها العام الماضي في نفس التوقيت اصغر و اقل نضجا.

في مايو الماضي اتخذت قرارا سياسيا صعبا، و هو انضمامي لحزب مصر القوية، فمايو بالنسبة لي و ما يتبعه من شهور الصيف يظلوا اشهر التغييرات الكبرى في حياتي في الأعوام الماضية.

و بعد ان كنت أخذت هدنة من السياسة مع نهاية عام ٢٠١٢ حتى منتصف ٢٠١٣، عدت في فترة من اعقد الفترات في تاريخنا الحديث، فكانت الأشهر الستة الاولى مليئة بالأحداث، ٣٠ يونيو و ٣ يوليو و فض الاعتصام و حظر التجوال ثم الدستور في شهر يناير. تطلب ذلك تفاعل و تفكير و مشاركة في الأحداث و اتخاذ قرارات سياسية صعبة في محاولات مع زملائي لترشيد المشهد و إنقاذ الوطن. و تدرجت من عضوا جديدا إلى ان صرت عضوا بالهيئة العليا و المكتب السياسي.

صادقت العشرات و تعرفت على المئات من الأصدقاء الجدد في كل محافظات مصر، و اكثر ما اقدره هو علاقتي بأصدقائي الجدد من أعضاء حزب مصر القوية و خاصة أعضاء المكتب السياسي، فكنا ندير اصعب النقاشات في جو من الود و الاحترام يسمح بتبادل الأفكار و تدافعها في بيئة صحية لم اشهد مثلها من قبل.

في هذا العام قتل و اعتقل الآلاف من المصريين، فلا توجد أسرة لم تصاب او تعرف من أصيب بهذا الامر الجلل، لم يتخيل احدا بعد ١١ فبراير ٢٠١١ ان نصل الي ما وصلنا اليه و بهذه السرعة.

أقر بان أهداف ٢٥ يناير تتشكل معانيها و افهمها يوما بعد يوم و مع مرور الأيام يتعمق فهمي و أدرك أهمية التدرج و الصبر و العمل الدؤوب للوصول للوطن الذي نحلم به.

في هذا العام واجهت مرة اخرى بعد الانتخابات التشويه المعنوي و الأدبي في واقعة بث التسريبات و لكنني تعلمت معنى الصداقة و تعلمت ضريبة العمل العام و صرت اكثر تحملا بفضله و منته.

في هذا العام استمتعت بعملي كطبيب و سعدت بمواصلة تعلمي و حضوري مؤتمر عالمي لتخصصي و ذلك فضل و منة من الله.

كان ذلك العام هو عام الكتابة بالنسبة لي، بدأ بحماس الكتابة عن تجربتي الحزبية الماضية و مع انضمامي لمصر القوية ازداد حماسي، فعادتي ان افكر و اكتب و انظر لما اعمل كي افهم ما حولي و ما اريد. فتح لي باب الكتابة في جريدة الشروق و مع إغلاق الباب لظروف خاصة بمساحات النشر فتح لي باب الكتابة في موقع مصر العربية. استفدت جداً بالكتابة الدورية فهي تثقل القلم و كغيرها من الاعمال التي تتحول الي عادات تصبح سهلة و اكثر انتاجا.

في مطلع عام ٢٠١٤ وضعت أهدافا لتحقيقها في عادة مارستها و أنا دون العاشرة ثم تركتها بعد ذلك، تحقق منها البعض و الحمد لله و لازلت أسعى للباقي، ليس المهم ان نحقق كل ما نريد، و لكن المهم السعي و أن لا نحي غافلين، المهم ان نرضى و لا نعبأ بما هو خارج عن إرادتنا و قوتنا و الأهم ان ندرك ضعفنا و شهواتنا و ان نتصالح مع أنفسنا فلا نحملها ما لا تطيق فتكفر بنا.

لازلت في صراعي الأبدي بين المهنة و العمل السياسي و لكني أدركت ان ذلك التنازع امر طبيعي، فالإنسان ليس كآلة احادية تعمل ليل نهار في نفس العمل، بل دور الانسان اكبر من ان يكون دورا واحدا، فهو الأب و الابن و الزوج و الحبيب و الجار و الصاحب و الصديق و المعلم و المتعلم و القائد و التابع. التوازن بين الأدوار و الاستمتاع بالرحلة و الرضا هم سر الحياة و سعادتها.

اخيراً اسأل الله ان يحفظنا و يحفظ أهلنا و يرزقنا الرضا و السعادة في الدنيا و الآخرة و ان يقر أعيننا بوطن يعز فيه المسكين و العالم.

الحمد لله حمدا كثيرا و لا حول و لا قوة الا بالله

أحمد ١٣/٥/٢٠١٤

من يدفع الفواتير

حدثنا السيسي انه غير محمل بأي فواتير, إذا من سيدفعها ؟

الفاتورة الاولى

“من شهور ماضية قلت لهم ان هناك مشكلة في مصر و و سألت المساعدة و الاستشارة و النصيحة حيث انهم حليف و شريك استراتيجي”

“أمريكا لم تكن أبدا بعيدة عن ما يحدث هنا”

“كنا نطلب من المسؤولين الأمريكان أن يعطوا النصيحة للرئيس السابق كي يتغلب علي المشاكل”

“أين دعم أمريكا للاقتصاد المصري”

“المصريون يتطلعون للامريكان لا تخذلوا احلامهم لا تعطوهم ظهوركم”

كان ذلك نصا من حوار السيسي مع جريدة الواشنطن بوست في اغسطس الماضي.

حالة الفاتورة: جاري التسديد و ستدفع مصر الاشتراك بانتظام

الفاتورة الثانية

خرجت الملايين في الثلاثين من يونيو ضد محمد مرسي و سياساته في تظاهرات سلمية, ثم اسقط الرئيس و الدستور و مجلس الشورى في 3 يوليو باعلان السيسي. اصدر قانون التظاهر و اصبح التظاهر تهمة تلاحق الالاف في السجون.

حالة الفاتورة: تم تقطيع الفاتورة و على المتضرر اللجوء إلى الله

الفاتورة الثالثة

قطر و الامارات كانوا حاضرين بقوة عقب 3 يوليو ثم وقع الاختيار على الامارات و السعودية و الكويت, تدفقت المليارات و تم رد وديعة قطر.

“الملك عبد الله, ابو العرب, مصر تحتاج إلي تريليون جنيه للتنمية, ننتظر من الاشقاء العرب الكثير.” *

حالة الفاتورة: سيتم تسديدها تحت لافتة الحرب على الارهاب في ايطار اقليمي تحت رعاية خارجية

الفاتورة الرابعة

“اديك منين ؟ انت هتاكلوا مصر ؟ ” *

العمال و الفلاحين و الفقراء و المساكين عليهم ان يصبروا اكثر و لا يعبروا عن احتياجهم و لا يطالبوا به.

حالة الفاتورة: لما نقدر نسدد هنسدد.

الفاتورة الخامسة

اقحام الجيش في المشهد السياسي و ترتيب اوضاع الجيش داخليا قبل الترشح لصالح السيسي.

النتيجة الحتمية اضعاف الجيش و تشتيته.

حالة الفاتورة: مصر تدفع الثمن

الفاتورة السادسة

3000 جهادي يعودون من الخارج بعد توفيق اوضاعهم القانونية في ظل حكم المجلس العسكري, خبر منشور بجريدة المصري اليوم في 31 / 3/ 2011, و السيسي مديرا للمخابرات الحربية

حالة الفتورة: مصر تدفع الثمن

الفاتورة السابعة

غياب اي افق سياسي او بوادر لحل الازمة من جانب السلطة و تحالف دعم الشرعية

آلاف في السجون و مئات القتلى و الشهداء  من المدنيين و الجيش و الشرطة منذ الثالث من يوليو

غيات الاستقرار و السياحة و الاستثمار

حالة الفاتورة: مصر تدفع الثمن

حاولت ان امنع نفسي من الكتابة معلقا على حوار السيسي, فمع انتهاء الحوار ازداد المؤيديون تأييدا و المعارضون تأكدوا من اختيارهم. فهل يسمع أحد ؟ الزن على الاذن آمر من السحر كما يقولون و لكن قول الحقيقة في المقابل يرد السحر و لو بعد حين.

دكتور أحمد شكري

مصر العربية بتاريخ 8/5/2014

* حوار السيسي لقناة الCBC  و ONTV

مرشح الشرنقة و الديمقراطيون الجدد

الشَّرْنَقَة هي غشاءٌ واقٍ من خيوط دقيقة تنسجها الفراشات في طور التكوين حول نفسها, تذكرت الشرنقة و أنا أراقب المشير السيسي و هو ينسج لنفسه و ينسج له غيره شرنقة من حرير تحجبه عن الناس. و لا أعلم إن كان سيخرج منها أم انه سيظل بداخلها بعد نجاحه ؟

طوال أحداث الأزمة الحالية و الطامة الكبرى التي آلمتنا جميعا بأسوان و الاقتتال الدائر هناك لم نسمع للسيسي صوتا أو رأيا أو حتى زيارة للمنطقة من باب الدعاية الانتخابية.

الأستاذ هيكل و السيد عمرو موسى هما من أكثر الشخصيات التى تلتقى  بالسيسى, فالاول تجاوز التسعون عاما و الثاني قارب على الثمانون. هؤلاء هم أهم مستشاري مرشح الرئاسة في دولة ستون بالمئة من تعدادها من الشباب. اضف إلي ذلك ان السيد عمرو موسى كان رئيسا للجنة الخمسين التي كتبت الدستور و الذي سيترشح من خلاله المرشح الذي يسانده.

لا يلتقى السيسي بأعضاء هيئته الاستشارية بشكل مباشر بل من خلال مرسال و لم يستمع لمستشاريه حين نصحوه بان لا يعلن ترشيحه و هو يرتدي بدلته العسكرية, و اجتهد بشكل شخصي في خطابه المرتجل ذو الخلفية المثيرة للجدل.

اختيار منسق الحملة جاء عن طريق توصية السيد عمرو موسي لأنه يعرفه جيدا و تجمعه به علاقة طيبة, هكذا سيدير المرشح الدولة, بعقله الفز الذي لا يستشيرعادة و حين يستشير يكون الاختيار بناءا على الحب و الكره, و هي فطرة أولية لحاكم مستبد في طور التكوين.

لا تعلم الهيئة الاستشارية هوية الفريق المكلف باعداد البرنامج الانتخابي و سيكون دورها ابداء الملاحظات و فقط و لا يعلمون ان كان سيأخذ بكلامهم ام لا. و هذه هي طبيعة ادارة المؤسسات الهرمية كالجيش او المؤسسات المخابرتية و التي تجتمع المعلومات فيها عند أعلى نقطة فقط و هي طبيعة الخلفية العسكرية التي لا مانع فيها عند “الديمقراطيون الجدد”.

المؤتمرات الجماهيرية هي من المحرمات, فهو يؤتى ولا يذهب إلي أحد فالتحركات ستكون بحساب لاسباب امنية. هل رأيتم حاكما يخاف من شعبه ؟ بلا, فهل رأيتم مرشحا يخاف من شعبه ؟ فهذه سابقة لم يأتي بها احد من المرشحين.

و في نفس الاطار كُتاب و منظرون يتعجبون من من قد يتخذ موقفا بمقاطعة هذه المسرحية الهزلية, و يقولون لقد سئم الناس من الاحتجاج نريد ان نبني وطنا, نريد هيبة الدولة و قوتها ! و نفر آخر يتحدثون بكل جدية ان مرشح الدور الثاني هو مرشح الثورة, أي ثورة ؟ و هو القائل سابقا انه قد لا ينزل الانتخابات في حالة اتفاق القوى السياسية على السيسي و حديثه حول الحسن و الأحسن. حدثني عن المشير قائدا للثورة.

هؤلاء الكٌتاب و المنظرين و الساسة اسميهم “الديمقراطيون الجدد”, و الذين يجردون الديمقراطية من كل المعاني و يجعلونها ديمقراطية الاختيار الواحد تحت القمع الشرطي و القصف الاعلامي و انغماس مؤسسات الدولة كلها في السياسة. و يريدون مننا ان نشاركهم مسرحيتهم بل و يلوموننا !

هل اقحام المؤسسة العسكرية هو فعل ثوري و ديمقراطي ؟ هل الساكت عن القتل و الحبس و القمع ناهيك عن ان يكون مسؤولا و بدرجات متفاوتة في الثلاث الاعوام الماضية تنتظرون منه ان يقيم دولة العدل و الديمقراطية ؟

لسنا مجبرين بأن نمشي في طريقكم الذي اخترتموه طواعية و بارادتكم الكاملة, فلا تلوموا الا انفسكم بعد حين.

ليست المقاطعة فعلا سلبيا و لا عملا مجرما. المقاطعة هو خيار سلمي و رسالة احتجاجية و لن نجبر على المشاركة في مشهد عبثي ولن ندلس على شعبنا.

معسكر دعم الشرعية بتحركاته و تصريحات قياداته و تفاعل انصاره علي الانترنت عليهم مسؤولية مشتركة مع السلطة الحالية من كفر الناس بالساسة و الديمقراطية كلها, فهم اضاعوا انفسهم و اضاعوا الوطن.

لا الوم من يقول انه يرى في السيسي المرشح القوي الذي تحتاجه المرحلة في ظل الارهاب المحيط بنا من كل جانب. و إليهم اوجه سؤالي, ما الذي فعله السيسي بالتفويض ؟ هل حارب الارهاب ام ان الارهاب في زيادة ؟ عجز عن المواجهة الشاملة السياسية و الامنية لانشغال كل مؤسسات الدولة في نسج حرير الشرنقة.

احترم ارادة الشعب و احترم اختيارته و سأظل اعمل معه و اعلن رأي و إن كنت وحدي, إن بناء دولة حديثة ديمقراطية يسودها العدل و الحرية ليس من مسوغاتها اجراء انتخابات هزلية بين مرشح الشرنقة و مرشح الدور الثاني في ظل مباركة الديمقراطيون الجدد و شعب مروع تحت الارهاب.

من هو البديل ؟ اخلق مناخا ديمقراطيا حرا ينشأ لك ألف بديل.

الفراشات و الشرانق عمرها قصير و الشعوب تبقى

أحمد شكري

موقع مصر العربية