الخروج الآمن لمصر 2

الخروج الآمن لمصر يعني كيف تخرج الدولة المصرية من عثرتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية مع الحفاظ على تماسكها الاجتماعي وتماسك مؤسساتها وبأقل الخسائر.

 
عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير تسلم المجلس العسكري إدارة شئون البلاد حسب تفويض حسني مبارك وهو ما أدخل المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع الشعب وتجلى ذلك في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود والعباسية.

في الثالث من يوليو فضلت المؤسسة العسكرية التواجد الفعّال في الخلفية وعدم التصدر في الواجهة مع تولي رئيس المحكمة الدستورية منصب رئيس الجمهورية، ولكنها كثفت تواجدها في الشارع وعززت من مكتسباتها في دستور 2012 وزادت عليها في دستور ٢٠١4 وصدرت قوانين تحميها وتحمي أفرادها ووسعت من المحاكمات العسكرية، وكلها تعديلات وقوانين رفضناها وحذرنا منها آنذاك.

على مستوى الاقتصاد والمجال العام تعاظم دور الجيش وتم إسناد المشاريع له في كافة المجالات والذي لم يكن ليكبر بهذا الشكل لولا تولي أحد قياداته السابقين منصب الرئاسة. كل ذلك يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع الناس ومشاكلهم اليومية وفي خضم السياسة وتغيراتها وتجعلها محسوبة على طرف سياسي متحملة اخطاء لا ترتكبها وهي في الأصل مؤسسة ملك للشعب بأكمله لها هدف محدد وهو الدفاع عن أرض الوطن.

الخروج الآمن لمصر يتضمن خروج السيسي من السلطة وبأقل خسائر للوطن، لأنه جزء من الأزمة، فهو وزير دفاع مرسي، وقد طالبنا في الثلاثين من يونيو بانتخابات رئاسية مبكرة وحذرنا من تدخل المؤسسة العسكرية، وفي الثالث من يوليو رفضنا تدخلها في السياسة.. عقب ذلك خاطب السيسي الشعب ودعا لتفويض متخطيا كل مؤسسات الدولة، ومنذ ذلك التاريخ وحتى إعلان ترشحه ببدلته العسكرية بعد اجتماعه مع المجلس العسكري، وكل الأجهزة الأمنية والإعلامية تسانده وتشوه كل غريم معارض مما جعل الانتخابات الرئاسية مسرحية معروف نهايتها.

خروجه لأنه المسؤول الأول عن التردي الأمني في سيناء ناهيك عن أنه كان قبل ذلك مسؤولا عن المخابرات الحربية وبعدها وزيرا للدفاع، مسؤول عن الفشل الاقتصادي وإنشاء مشاريع كبري ضيعت المليارات وفرص استثمارية وتنموية بديلة، ومسؤول عن سياسات نقدية ومالية أوقفت التصنيع وأضرت بالتصدير وهوت بالجنيه المصري إلى غير رجعة، مسؤول عن الفشل السياسي بإصدار القوانين وتهيئة البيئة التي أخرجت مجلس النواب بهذا الشكل المعيب، مسؤول عن الانشقاق الاجتماعي بسبب انتهاكات أمنية متكررة وغياب تام للعدالة.. هو المسؤول لأنه يختار وزراءه ويجلس معهم يوميا على حد قوله.

خروجه لأنه يمثل رأس المشروع الذي لم ينجح في النهوض ببلد أيا كانت، لعدم تخصص المؤسسة العسكرية في إدارة العملية السياسية لأنها عكس طبيعتها التي تقتضي الطاعة المطلقة والفرق بين الخط الأبيض والأسود وهو المطلوب في مهامها.

هذا الخروج يجب أن يصحبه تفهم داخل المؤسسة نفسها بخطورة هذا التداخل الخطير بين الجيش والسياسة، ويجب أن يكون وفق إجراء دستوري وسلمي. يتبع تلك الخطوة إعادة النظر في العلاقات المدنية العسكرية بوجه كامل وبشكل متدرج، يحفظ للمؤسسة هيبتها والاستفادة من دورها الأصيل وقوامها الصلب وهو الدور الذي نقدره ونجل تضحيات جنودنا على الحدود.

هذا الانتقال السياسي يقتضي خفوت الصوت المتعجل غير الممنهج ويبدأ بفتح حوار مجتمعي حقيقي، وقد تكون الاستقالة أو انتهاء فترة الرئاسة الأولى فرصة لبدء تأسيس الجمهورية الجديدة.