نقابة الأطباء كنقطة انطلاق

لم تكن جمعية الأطباء العمومية جمعية عادية، فهي الأكبر منذ سنوات وأحد أكبر التجمعات الاحتجاجية منذ ٢٥ يناير 2014، وتزداد أهميتها كونها تأتي كفعل اعتراضي على تجاوزات جهاز الشرطة الذي دخل في معارك عديدة مع قطاعات مختلقة ولم يستطع أي منها إثبات تجاوزات الجهاز، بدءًا من أحداث ثورة يناير مرورًا بقضية ترحيلات أبو زعبل إلى شيماء الصّباغ والمختفيين قسريًا وذلك لسبب بسيط، أن من يجمع الأدلة لا يمكن أبدًا أن يسلم نفسه!

 
قوة عمومية الأطباء في أنها تمثل شريحة عريضة من المجتمع المصري تتمتع بالاحترام وحد أدنى من الثقافة، ولدى كل فرد فيها دوائر واسعة من التأثير، أضف إلى ذلك أنه تمت إدارتها بشكل مهني واحترافي بامتياز، سواء على مستوى الإعداد أو أثناءها وما تلاها من قرارات، فقد كان القرار باستقبال الشخصيات العامة والأحزاب والمتضامنين من خارج النقابة قبل بدأ فاعليات الجمعية ‏قرارًا موفقًا، فأوصلت رسائل التضامن وفي نفس الوقت فوتت الفرصة على من يريد استغلال الحدث خارج إطاره وعلى من يريد التشويش على الحدث بإلصاق به ما ليس فيه.

كانت قرارات الجمعية ناضجة وموجهة فقد استمعت الأصوات الشابة المطالبة بالإضراب لكلمة النقيب بأن يوجه اللوم لمن أخطأ فخرج القرار مفاجاة كما أراد النقيب، بالامتناع عن تقديم خدمة العلاج بأجر بعد أسبوعين من الجمعية، حكمة القرار أنه يفوت الفرصة على كل من يريد أن يصطاد في المياه الراكدة، ويرسل رسالة بأن كرامة الأطباء فوق قوتهم وأن مهنتهم سامية ولا يمكن أن يُضار فيها مريض أبدًا. 

لم يكن من المقبول أن تمر الجميعة بهذه النجاحات مرور الكرام وهي التي استبقها قرار إخلاء سبيل الأمناء وتصوير الأمر على أن الأطباء هم المعتدون، فخرج الإعلام ومؤيدو السلطة يروجون أن الإخوان والنشطاء قد استغلوا الحدث، والملتحين قد ملأوا سلم النقابة بل وأن مجلس النقابة ذو ميول إخوانية! ولم يكتفوا بذلك وقرروا أن يصوبوا سهامهم تجاه أخطاء الأطباء، وهو خلط مخل، فلا أحد ينكر أخطاء الأطباء ولكن اعتداء الأمناء لم يكن بسبب الأخطاء وإن حدث فسيظل الاعتداء جريمة. 

إلى الآن لم تتلق النقابة ردًا من الحكومة، سواء من الداخلية أو رئيس الوزراء وأيًا كان ردهم فنحن أمام نقابة قوية يتمتع نقيبها بشعبية حقيقة وسمعة طيبة، وأدار مع مجلسها الجولة الأولى بنجاح وتماسك وهو ما غاب عن جمعيات سابقة عقب الثورة واستطاعت الجمعية بهذا الحشد الغفير توصيل رسالة “الكرامة فوق القوة”. 

في ظل موت السياسة والاستماتة من السلطة بقتلها، سواء بالترهيب الإعلامي أو الأمني تصبح أي محاولة لتنظيم المجتمع وتقويته بشكل سلمي تجربة لابد من دعمها والتعويل عليها لكسر جمهورية الخوف وإحياء المجتمع، شرفت بالمشاركة في الجمعية العمومية للأطباء كطبيب على سلم النقابة وليس كسياسي ولم ألتقِ مجلس النقابة كمتضامن، لترسيخ معنى عدم تحزيب النقابات وهو ما عانت منه النقابات قبل الثورة ووقعت في فخه بعد الثلاثين من يونيو.  

هل من الممكن أن تصبح نقابة الأطباء كنقطة انطلاق للإصلاح من النقابات؟ هل من الممكن الانطلاق من النقابة لإصلاح القطاع الطبي المهم؟ فأمام النقابة والمجلس الشعب مشاريع قوانين كثيرة تمس قطاع الصحة، التأمين الصحي، التدريب الإلزامي، المستشفيات الجامعية كما توجد معضلات صحية كبيرة تواجه الأطباء كالتدريب، الأجور، تأمين المستشفيات وأخطاء الأطباء.

وكي يتحقق ذلك لابد من التركيز على الملفات المهنية وخلع عباءات التنظيمات والانتماءات على سلم النقابة، كما يجب إدراك أن معركة تمكين المجتمع هي معركة طويلة وبالنقاط، لأنها المعركة التي تخشاها أي سلطة مستبدة.

منشور في موقع مصر العربية 28 2 2016

الرحمة المفقودة

أسوأ ما أصاب المجتمع منذ قيام الثورة هو الاستقطاب الأعمى المبني على جهل المعلومة، سواء جهل الموضوع المتكلم فيه أو جهل بالطرف المتحاور معه.

وأخطر أنواع الاستقطاب هو استقطاب الكرهاء المبني على مشاعر الكره سواء كان ذلك مبررًا بظلم من طرف أو جهل عن الآخر، وكلا النوعان يؤديان إلى الفُجر في الخصومة اللفظية، وهو ما يعقد المشهد أكثر أو يؤدي إلى التغيير باليد، واليد هنا هو كل فعل قوة على الطرف الآخر خارج القانون أو بقانون فاسد.

لعل ظواهر تفشي هذا الاستقطاب البغيض في مجتمعنا الآن صارت كثيرة، بل أن كثير من الناس قد وقعوا في هذا الغي ولو في لحظة من اللحظات العصيبة التي مرت على وطننا منذ قيام ثورة 25 يناير.

دعونا نمر سريعًا على بعض المشاهد الدالة التي سكت كثير منّا عنها فصار طبيعيًا أن تتكرر وتصبح معتادة فيكون إدراكنا لواقعنا المقيت معدومًا.

– معركة الجمل كأحد أول مشاهد اعتداء مواطنين على مواطنين مصريين آخرين والجمهور والسلطات يشاهدون الناس تُقتل على التلفاز ولا أحد يتحرك إلا بعد انتهاء المعركة، انظر إلى اللفظ “معركة”، بين من؟ بين مصريين ومصريين.

– مشهد دهس مدرعة لمواطنين أقباط وتحريض من التلفزيون ولا أحد يحاسب، بل أن بعض الناس للأسف يرونهم مواطنين من درجة ثانية يستحقون الموت لمجرد حديثهم عن حقوق مستحقة.

– فض اعتصام التحرير بالقوة وسحل “ست البنات” في الشارع وتساؤلات، ماذا ترتدي؟ وما الذي ذهب بها إلى هناك؟.

– هدم خيم المعتصمين أمام الاتحادية ثم تدافع الناس أمام القصر ومناشدة الإخوان لأنصارهم للدفاع عن الرئيس الأسبق وهو تكرار لفتنة الشعب واستغلاب بعضه على بعض.

– التحريض المقيت من منصات رابعة والنهضة والتحريض المضاد في الفضائيات بالإبادة والقتل ثم بالتنفيذ الفعلي للفض بهذا الشكل المتوحش وسط رقص المؤيدين وغنائهم.

– استمرار التحريض اليومي من الإعلام المعارض والمؤيد لأحداث ٣ يوليو وتقبل القتل من الأطراف كلها بصدور رحبة ومنتشية.

بعد ذلك كله لم يكن مستغربًا أن يصبح موت شخصية عامة حدثًا يتسبب في لعن الناعي والمنعي لمجرد التضامن الإنساني، هذه اللحظات الحرجة التي تمر بها البلاد تتطلب منّا إعلاء صوت العقل والرحمة والإنسانية مهمة اختلفنا سياسيًا، بل إنني على المستوى الشخصي لا أستطيع أبدًا إلا أن أسأل الله الرحمة والمغفرة في لحظة موت أي إنسان.

وأسأل كل مخالف بأقل القليل بأن يتحلى بالصمت عند عجزه عن المغفرة في هذه اللحظة.  

إن تدافع الأفكار المتضادة أمر طبيعي وضروري لتقدم الإنسانية ولكن حين ينعدم الحوار ويسود الجهل والكراهية فإننا نصير في عالم الأحجار والتراب، فعالم الوحوش أرحم من كثير منّا.