فتح المسارات لا يعنى الإصلاح من الداخل

هناك جدل سياسي دائم بين فكرتي الإصلاح من داخل النظام أو مقاطعة النظام، فيلوم بعض المقاطعون للانتخابات المرشحين بأنهم يساعدون النظام على بقاءه بترشحهم، و يلوم بعض المشاركون المقاطعين بأنهم لا يتمتعوا بالحد الأدنى من المرونة السياسية.

علينا أولاً تفكيك كلمة النظام، فبعد ما يقارب الخمس سنوات من الثورة المصرية أدركنا أن النظام أعقد من فكرة تغيير رأسه كما أن النظام يقوم على مؤسسات تسانده و يحتاج إلى قطاعات شعبية مؤيدة كي يستطيع البقاء.

إذا أردنا تغيير النظام (بالمفهوم الواسع و ليس الرأس فقط) لابد من وضع ضوابط للاشتباك معه و أن نفرق بين الإصلاح من الداخل و فتح المسارات.

لدينا تجارب سابقة للإصلاح من الداخل كتجربة البعض كأعضاء في الحزب الوطني بعد 2005، فينتهي بهم الأمر بأن أصبحوا جزءاً من النظام و محسوبين عليه دون نجاح يذكر.

يتردد دائماً أن مقاطعة الانتخابات كي تكون مجدية يجب أن تكون واسعة قدر الامكان و مع ذلك هناك دائماً الراغبون في المشاركة، فلا توجد مثل تلك الحالة المثالية بأن يقاطع الجميع الانتخابات لتوصيل رسالة للنظام.

الترشح من أجل توصيل صوت مختلف و رؤى بناءة أمر مطلوب أحيانا و يعد فتحاً لمسار مع بعض القطاعات من الجماهير، قبل أن يكون مساراً مع النظام، أما الترشح من أجل تأييد النظام فذلك الإنبطاح بعينه.

هناك مسارات عديدة للترشح، فالأمر ليس مقصوراً على الإنتخابات النيابيه فقط، كإنتخابات النقابات و الطلاب و النوادي.

لاشك أن مقاطعة تيار الاسلام السياسي (باستثناء حزب النور) و  أحزاب محسوبة على الثورة (الدستور، مصر القوية) و مؤخراً قائمة “صحوة مصر” للانتخابات أمر يسعد النظام و قطاعات معارضة لهم من الشعب، إلا أن ذلك يشوب العملية الانتخابية و يخصم من مصداقيتها و يزيد من  القطاعات الجماهيرية الضاغطة على النظام للتغيير.

هناك أمثلة للإشتباك، المشاركة في أي كيان منتخب أو أن تكون موظفاً بجهاز الدولة فلا شيئ في هذا، أما المشاركة في الجهاز التنفيذي للدولة و خاصة السياسي منه كوزير أو مساعد وزير، فيكون مرفوضاً، لاستحالة إحداث أي تغيير في المنظومة دون وجود إرادة سياسية شاملة من النظام لإحداث ذلك التغيير.

المشاركة في الإدارات المحلية بالتعيين يكون حسب كفاءة الفرد و مدى قدرته على ممارسة انحيازاته في ظل نظام مغاير، أما المستوى الأعلى كالمحافظين و مساعديهم فأمر مرفوض للسبب نفسه.

المشاركة في معسكر يتبع وزارة الشباب للتدريب كمثال، أمر طبيعي فكل مواطن له حقٌ “متساوي” في مؤسسات الدولة و ثرواتها.

الحوار السياسي في أي وقت و بين جميع الأطراف واجب متى توفرت الجدية، فلهذا وجدت السياسة من أجل ترشيد الصراع على السلطة و نقله إلى مساحات سلمية.

تعدد المسارات الضاغطة من أجل التغيير مطلوب، سواء بالمشاركة و الاشتباك مع النظام أو مقاطعته أحياناً، إلا أن النقطة الأهم هي التنظيم.

تيار منظم و ضاغط من أجل تغيير سياسات و ليس فقط الأشخاص وعندما يكسر ذلك الجمود سواء بارادة النظام أو على غير إرادته، سواء كان نتيجة الفشل أو لاستحالة إدارة الدولة وحيداً، تبدأ مرحلة التعاون بين المتفارقين من أجل إحداث توافق و توازن سياسات.