لماذا شاركت في 2011 و 2012 و غير مشارك في 2015 ؟

جاءت نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات 2005 و التى أشرف عليها القضاء مفاجأة للجميع فقد أظهرت النتائج تفوق جماعة الإخوان المسلمين مما جعل النظام يستخدم كل الطرق من أجل عدم وصول الأصوات للصندوق.

تعلم النظام الدرس فأجرى تعديلات دستورية و ألغى الإشراف القضائي و زور انتخابات المحليات و منع المرشحين. تصاعدت الأصوات الإحتجاجية و ظهرت حركة كفاية و إن ظل حضور وقفاتها لا يتعدى العشرات باستثناء وقفة أو اثنين.  في مطلع 2010 كان البرادعي حجر التغيير في المياه الراكدة و دعا إلي تغيير شروط اللعبة و مقاطعة الانتخابات.

منذ 2005 و أنا لم ابلغ سن الترشح قررت أن أخوض انتخابات 2010 و بالفعل بدأت التواجد في دائرتي (الموطن السياسي للعائلة بشربين) منذ 2009، إلا أن التحرك الفعلي بدأ مع مطلع 2010.

انطلقت وحدي باحثاً عن الشباب فتعرفت على مجموعة منهم عن طريق أحد زملائي الاطباء، و نشأت بيننا حوارات جادة حول أهمية التغيير و دور الشباب. كانت الفكرة الأساسية هي أن المشاركة الكثيفة في الانتخابات هي ضمانة عدم التزوير و أن الشباب هو وقود التغيير و أن علينا الحركة و ليس إدراك النتائج و أننا إذا استطعنا في حملتنا زيادة أعداد المؤمنين بالتغيير فقد حققنا هدفنا. (مقال عن فلسفة المشلركة آنذاك)

جاءت انتخابات الشورى في يونيو 2010 لتقطع أي امل في التغيير عبر الصندوق و مع تصاعد تفاعل المجتمع مع مطالب البرادعي أصبحت المشاركة في الانتخابات محل تردد بالنسبة لي.

جلست مع الشباب و كان الرأي الأغلب هو المشاركة بغض النظر عن النتيجة فقد كان الهدف واضحاً ، الاشتباك مع الناس و توعيتهم. و كتبت آنذاك مقالاً عن المشاركة.

في 2010 كان الناس و خاصة الشباب منهم على إستعداد لسماع صوت مختلف ينادي بالتغيير و إن ظلت العصبية القبلية (الانتماء للقرية أو الأسرة) أهم عامل في الاختيار بجانب الجوانب الشخصية ، الخدمات، المال و القدرات الشخصية.

شارك في الانتخابات كل الأحزاب (باستثناء حزب الجبهة الديمقراطي) بالاضافة لجماعة الاخوان المسلمين ثم قاطعوا بعد انتهاء الجولة الأولى و قبل الإعادة بعد التزوير الفج و سيطرة العنف على المشهد الانتخابي.

أزعم أن انتخابات 2010 كانت أهم اسباب قيام ثورة الخامس و العشرون من يناير و متأكد أن كل من شارك معى من الشباب في الحملة الانتخابية كان في ميدان التحرير و دون أي تنسيق، فهي مشاركة طبيعية بعد أن شعروا بالظلم و القهر في تجربتهم مع الصندوق.

 قامت الثورة و أسست بعدها حزب العدل مع مجموعة من الشباب كأول حزب مرتكز على الشباب و كأول حزب لا ينتمي لجماعة دعوية بعد الثورة. لم يكن تأسيس الحزب في هذه الفترة القصيرة سهلاً و لا سليماً من حيث التماسك الفكري و التنظيمي، فكان قراري في بادئ الأمر هو عدم المشاركة الانتخابية من أجل إعادة تأسيس الحزب من خلال جولات تنظيمية و فكرية في كل محافظات مصر. واجه قراري معارضة من الجميع كونها فرصة للمشاركة الانتخابية و البناء على “الارضية الشعبية” الموجودة منذ انتخابات 2010 فإذا كنت قد شاركت وسط التزوير فكيف لا أشارك حين تتوافر الظروف الملائمة؟

ترشحت في دائرة أكبر مساحة و عدداً من الدائرة القديمة بحوالي ثلاثة أضعاف، مئات القرى لا أعرف عنها شيئاً و لا يعرفني أهلها، بل أنني لا أعرف حتى أسمائها. انتهت الانتخابات و قد حققت 102000 صوتاً انتخابياً في جولة الاعادة أمام مرشح الاخوان الفائز ب 109000 صوتاً.

ما حققته كان بالتأكيد أكبر من توقع الجميع و لكنه أثبت أن الحركة و الاشتباك مع الناس يأتى بثمار و أن الناس في حاجة لسماع صوت شبابي مختلف.

توالت الأحداث  و استفتيَ على الدستور ثم حل البرلمان و انتخب الرئيس و أزيح الرئيس و علق الدستور، ثم استفتينا على دستور جديد و انتخب رئيس و الآن نحن بصدد إجراء انتخابات برلمانية مجددا.

و قد تركت حزب العدل في نوفمبر 2012 و شرحت الأسباب و انضممت لحزب مصر القوية و كتبت بيان يشرح في مايو 2013

بالتأكيد انتخابات 2010 ليست كانتخابات 2011 كما أن انتخابات 2015 ليست ككليهما.

فمصر تمر بأعقد ظرف سياسي و اجتماعي و اقتصادي و إقليمي منذ عقود و ربما خلال القرن الماضي، الأخطر فيه الانقسام المجتمعي.

آلاف المعتقلين في السجون بعد تمديد قانون الحبس الاحتياطي، مقتل المئات عقب إزاحة الرئيس محمد مرسي مما أوجد مظالم عند مئات العائلات من ذويهم و الآلاف و تضامن الملايين من أنصار معسكر “الشرعية” و المنحازون إلى حرمة الدم.  ضربات إرهابية موجعة أودت بحياة العشرات من أبناء الضباط و الجنود في الداخل و على الحدود و التى أوجدت ثأراً عند الملايين ضد جماعة الاخوان و التيار الاسلامي بصفة عامة بغض النظر عن مرتكب كل تلك الجرائم تحديداً، إلا أن المواطن ينظر إلى حدث ونتيجته، على رغم من أن عنف النظام أجده أهم أسباب زيادة العنف.

على صعيد الإرادة السياسية لإقامة مسار ديمقراطي، فهي معدومة. بدءاً من تأجيل الانتخابات البرلمانية مراراً بعد التأكد تماماً من ترزية القوانين من أن من سيلج إلى البرلمان محدد إسماً و موقفاً.

كثير من أبناء مصر قد كفر بالديمقراطية كوسيلة لإدارة الصراع السياسي بل و كوسيلة للحكم، و هو ما شهدناه في عدد المرشحين الضئيل و سنشهده في نسب المشاركة في التصويت.

و بناءاً عليه كان موقفي بعدم المشاركة في الانتخابات نابعا من احترامي للشعب، و اعتراضاً على وصاية النظام المتمثلة في هذه اللحظة في مؤسسة الرئاسة و التى كان بامكانها توفير بيئة سياسية افضل من ذلك كثيراً من خلال فتح المجال العام و الحريات و تغليب الحلول السياسية على الأمنية.

رغم عدم مشاركتي إلا أنني لدي إيمان بأن الأراء السياسية هي اجتهادات في النهاية، فلا المشارك خائن للمبادئ ولا المقاطع عميل، السياسة في النهاية آداة لخدمة الشعب، و الأدوات قد يحسن أو يساء استخدامها و كل حسب فعله و نيته و ليس لنا في النوايا من شيئ.

في النهاية، هناك العديد من المرشحين أتمنى أن أراهم تحت القبة لعلمي بكفاءتهم و لكنني مشفق عليهم من صيحات المنافقين تحت القبة للتشويش عليهم. (في مقال يناير 2015 رجحت آنذاك مشاركة المستقلين و إن تغير موقفي الآن) 

يبقى السؤال: ما هو نشاط الأحزاب في حالة عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ؟ و لهذا مقال آخر.