حافظوا على المجال العام

في مثل هذه الأجواء المغلقة التي نعيشها لا أنكر أنني أتسائل أحياناً عن جدوى العمل السياسي في ظل كفر الناس بالسياسة و السياسيين، و لكنني في النهاية أسترجع حقيقة أن الاستسلام لهذا الشعور هو مراد أي سلطة تريد أن تستأثر بالحكم.

غاية أي سلطة غير رشيدة هو تأميم المجال العام و غلق كل مسارات الحوار و التنوع.

المجال السياسي هو فضاء لتعبير المجتمع عن أفكاره و طموحاته من خلال تنظيمات سياسية تعمل تحت الدستور و القانون بشكل سلمي و علني و تتنافس فيما بينها بالأفكار و الأطروحات لخدمة المواطن، أي محاولة لتضييق هذا المجال من خلال الترهيب و القمع و التشويه لكل من يعمل في السياسة، أو من خلال خلق نظام الحزب الأوحد، يدفع بتلك الأفكار تحت الأرض و إلى حال المظلومية و يزيد من التوتر و حالة التربص بين المتصارعين على السلطة.

كذلك في المجال الديني، فيأمم الحديث بإسم الدين من خلال الخطب الموحدة و الرقابة على المنابر و التضييق على الجمعيات الدعوية، و هو ما ثبت فشله منذ التسعينات إلى الآن لضبط الخطاب و مواجهة الأفكار المتطرفة.

تأتي فكرة احتكار الحديث بإسم الدين من خلال مؤسسات الدولة الرسمية سواء كانت الكنيسة أو الأزهر و تداخلهم و تماهيهم مع السلطة بتغير توجهاتها في مقابل مواجهة أذرع سياسية كحزب الحرية و العدالة، النور و البناء و التنمية لجماعات دعوية بأذرع دعوية كجماعة الإخوان و السلفيين و الجماعة الإسلامية.

أي أن السلطة تواجه تداخل الدين في السياسة بنفس السبل التى أودت بنا إلي حالنا اليوم من خطاب إقصائي و رجعى و متطرف أحياناً من الجميع.

الجمعيات  والمؤسسات الأهلية هي أُطُر لتنظيم المجتمع المدني و تفعيله و إشراكه في العمل العام و هي أحد أهم الدعائم للعمل الخيري و الاجتماعي و الاقتصادي في كل الدول، التضييق عليها و محاولة تأميمها من خلال جمعيات تابعة للدولة مدعومة و محتكرة ، يفسد المجتمع و يجعله ينسحب من ذلك المجال ليصبح مفعول به و ليس طرفاً فاعلاً.

و ما ينطبق على المجال الديني و السياسي و المجتمعي ينطبق على الإعلام و النقابات و كل مجال يعبر فيه المجتمع عن نفسه.

نحن بحاجة إلى فتح المسارات و فضاء الأفكار و الحوار و النقاش بشكل مستمر، نحن بحاجة إلى تحسين بيئة التنافس و تنظيمها بدلاً من إغلاقها أو إحتكارها.

لذلك أعود دائماً لأجاوب على نفسي عن جدوى العمل السياسي في ظل مجال مغلق: استمرار الحوار السياسي و نقاش الأفكار هو السبيل  لتمكين هذا المجتمع و تغييره، أما الصمت و الإنطواء على النفس و الإنشغال بحياتنا الفردية دون الإنشغال على التوازي بمجتمعنا هو غاية أي سلطة جاهلة، فلا تساعدوهم من أجل مجتمعنا و من أجل مستقبل أولادنا.