من يسقط الدولة ؟

الدولة، أمة و أرض لها حدود جغرافية، تعرف ككيان سياسي واحد، بها مؤسسات مستقلة، لها حكومة واحدة، لها الحق الوحيد في تنفيذ القانون و حمل السلاح، تحفظ أمن الشعب و تحميه، لها حق التمثيل الرسمي في الخارج. تقوم على أمور الشعب و تيسرها و تدير البلاد في خدمته، تساوي بين المواطنين و تعدل بينهم بالقانون وفق عقد إجتماعي واحد متوافق عليه من الشعب و هو الدستور.

من يسقط الدولة ؟

الحقيقة أن الدولة في مصر تعرضت للتآكل تدريجياً عبر العقود الأخيرة و خاصة في الأعوام القليلة الماضية.

فأي قتل خارج القانون من قبل مؤسسات الدولة يسقط الدولة، غياب الثقة في منظومة العدالة يسقط الدولة و كل ما يؤجج صراع بين فصيل و آخر أو يغلب طبقة على طبقة دون إدارة هذا الصراع وفق آليات سلمية و ديمقراطية يسقط الدولة، و أخيراً كلما زادت المظالم فانتظر سقوط الدولة.

المستبدون الحالمون بالزعامة قد يكونوا جاهلين فيرتكبون أي شيء من أجل الحفاظ على أنفسهم و على مجدهم و من ضمنها إسقاط الدولة.

أما الأخطر أن يكون اسقاط الدولة ممنهجاً و عن اقتناع فكري (ديني متطرف أو فكر شمولي سلطوي)، كالذي لديه تصور مختلف عن شكل الدولة الحديثة بمؤسساتها المدنية المستقلة المنتخبة و المراقبة من الشعب.

هؤلاء يسقطون الدولة و على إقتناع أنهم يقيمونها.

ممارسات الإخوان و مناصريها قبل الثلاثون من يونيو في أحداث الاتحادية و تقاتل الناس في الشارع وسط غياب أجهزة الدولة، هي إحدى خطوات إسقاط الدولة. الخطاب التحريضي و الطائفي على المنصات و تمني إنشقاق الجيش هي دعوات لإسقاط الدولة، تبني العنف هو إسقاط للدولة. كذلك انتهاكات النظام الحالي الحقوقية و ممارسات السلطة التنفيذية و تخطيها للدستور و القانون هو إسقاط للدولة.

قد عارضت الدستور الحالي في الاستفتاء الأخير لبعض مواده، أما الحديث عن تغيير الدستور الآن بعد أن وافق عليه وفق أرقام الدولة المصرية 98 % من الناخبين و بعد عام من الاستفتاء يعد من العبث و نوع من إسقاط الدولة. ليس لتغييره و إنما من أجل الفكر الذي وراء هذا التغيير، فهو نمط ممنهج لإسقاط الدولة.

فالراغبين في تعديل الدستور هم أول من داسوا على الدستور بإطلاق القوانين المخالفة لها ناهيك عن عدم تطبيقه من الأساس فبالتالي الموافقة على تعديل الدستور(المعترض عليه سابقاً) الآن وفق منهج السلطة الحالية يعد الخبل بعينه.

لم تكن مصر في حاجة إلى دستور جديد بالكلية، إلا من بعض التعديلات البسيطة من أجل وضع أول خطوة على الطريق الصحيح، و الحقيقة أن مصر تحتاج إلى إرادة سياسية لتطبيق الدستور و القانون أولاً و ليس تغييره.

إن التمسك بالدستور و القانون هو السبيل لوقف هدم الدولة أما الحديث عن أن القوانين تغل يد الإنتاج أو أن الدستور حائلٌ بيننا و بين التقدم هو من سبيل الدجل من أجل إقامة دولة مشوهة في مخيلتهم.