ماذا بعد السيسي ؟ لماذا و متى و كيف ؟

جاء مقال الرؤية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والذي طرح فيه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتفويض صلاحيات رئيس الجمهورية إلى رئيس وزراء كالحجر في مياه السياسة الراكدة بل كقطرة مياة في أرض يابسة.
فالحقيقة أن السياسة قد ماتت منذ مجيء السيسي إلى الحكم بفضل إرادة واضحة لقتل الحياة السياسية في مصر وبفضل أداءات الأحزاب العالقة بأطراف ثياب السلطة.

تأتي أهمية الرؤية ليس في طرحها للانتخابات المبكرة بقدر طرح حتمية التفكير في سؤال: ماذا بعد السيسي؟

السيسي عند الكثيرين هو بطل أطاح بالحكم الديني وحمى مصر من انهيار الدولة، وقد أيده الكثيرون دون حتى الاستماع إلي برنامجه الانتخابي، وحين استمعوا اليه وجدوا له ألف مبرر لعثراته وأفكاره غير الواضحة. فأيدوا مشروع عبد العاطي رافعين شعار “أنتم لا تحبون الخير لمصر” ضد كل من حاول نقده ولو موضوعيًا.

كان الشعب في أشد الحاجة إلي مشروع يعطيه الأمل في الاستقرار والنمو الاقتصادي، فاستطاع مشروع قناة السويس أن يجمع 60 مليار جنيه في أقل من عشرة أيام على الرغم من عدم وجود دراسة جدوى معلنة، وجاء المؤتمر الاقتصادي بأرقام اقتصادية براقة ووعود وتعهدات زادت من ثقة المؤيدين في المستقبل.

إلا أنه ومع كل هذه النجاحات الاقتصادية في نظر المؤيدين، مع مرور الوقت طُرحت وستُطرح العديد من الأسئلة الموضوعية. كيف ظهر ومن حاسب المسؤولين عن مشروع علاج الفيروسات؟ أين مشروع عرب تيك؟ بعد فض عقد العاصمة الجديدة.. كيف تتم ترسية العقود دون دراسات ودون أي مراقبة؟ ما هي تكلفة الفرصة البديلة لمشروع التعميق وتفريعة قناة السويس (60 مليار جنيه)؟ كم من الوقت سيصبر المصريون حتى يجنوا ثمار كل تلك المشاريع الكبرى ومن أين سيأتي التمويل وسط عجز كبير للموازنة؟ 

حسب الدستور المصري.. أمام السيسي ثلاث سنوات لاستكمال المدة الأولى وأربعة أخرى إذا نجح لفترة ثانية، ولكن سيظل السؤال مطروحًا.. ماذا بعد السيسي وإن كنت من المؤيدين؟.

على الجانب الآخر فالسيسي هو المسؤول الأول عن إزاحة مرسي مستندًا إلى تظاهرات 30 يونيو، وهو الذي أعلن ترشحة ببدلته العسكرية من خلال التليفزيون الرسمي. السيسي كان المسؤول الأول عن الأمن من بعد الثالث من يوليو أي أنه مسؤول عن مقتل أكثر من ألف مواطن مدني مصري جراء فض الاعتصامات وما سبقها من مواجهات أمنية كما أنه المسؤول عن وجود عشرات الآلاف بالمعتقلات واختفاء المئات. السيسي عند هذا المعسكر هو أساس الأزمة.

 وسط هذا الاستقطاب و عدم الاستقرار السياسي لا يمكن إحداث تقدمًا اقتصاديًا حقيقيًا، فسيظل الإرهاب سيفًا على السياحة والاستثمارات الخارجية، كما أن وجود كل تلك المظالم وتضاؤل الثقة في منظومة العدالة يزيد من الاحتقان المجتمعي والعنف الأهلي في محاولات لأخد الحق باليد بدلًا من اللجوء للدولة.

متى وكيف يرحل السيسي؟

أولًا: باتفاق داخل المؤسسة العسكرية بضرورة رحيله حين يصبح وجوده في مؤسسة الرئاسة عبئًا عليها كما حدث مع مبارك، فالقوات المسلحة لم تنحاز إلي الشعب إلا بعد ضغط من الشارع. ومع مرور الوقت يزداد تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والبنية الاقتصادية للدولة، وهو ما يحملها المسؤولية أمام الناس في حال تدهور الأوضاع. وهذا السيناريو يعد بعيدًا على المستوى القريب، على الأقل، وهو مسار معطل للديمقراطية ولن يخرجنا من الدائرة التي نحن فيها. 

ثانيًا: عن طريق الصندوق الانتخابي، عبر انتخابات رئاسية مبكرة، وهو الطرح البعيد عن التنفيذ في الوقت الحالي في ظل كفر كل التوجهات بالصندوق، فالمؤيدين للسيسي ليس لديهم أدنى مشكلة مع النظام الحالي الذي أزاح الإخوان ويحمي الدولة ويحارب الإرهاب مع غياب تام لأي بديل قادر على جمع المصريين.

أما مؤيدي مرسي والشرعية فسؤالهم : لماذا انتخابات رئاسية إذا كان هناك رئيس شرعي؟ أما معسكر المؤمنين بالديمقراطية فأصبح لديهم شكوك حول جدوى الانتخابات فقد خاضوا ذلك التمرين من قبل مرارًا، ولديهم تساؤلات مشروعة حول من يشرف ومن يحمي الصناديق؟

الشاهد الآن هو زيادة ضيق النظام الحالى بالسياسة والسياسيين، فبعد عاميين من خارطة الطريق لازلنا ننتظر انتخابات مجلس النواب، قوانين مكبلة للحريات كقانون التظاهر ومد الحبس الاحتياطي وتأييد المجتمع المدني بقانون الجمعيات الأهلية ومحاولات فرض الحراسة على النقابات وتشويه إعلامي لكل صوت مخالف.

بعد ثلاث سنوات لن يكون الحال أفضل كثيرًا وسط استمرار تحالف المؤسسات الأمنية والقضاء والإعلام، ولكن مع ذلك يتعين العمل على إيجاد مرشح أو ربما أكثر للتغيير، وتوسيع الكتلة الحرجة المؤمنة بالديمقرطية. فمعركة التغيير طويلة وستكون بالنقاط والانتصارات الصغيرة وليست بالقاضية، من خلال الاشتباك مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية و بناء بديل بشكل متدرج ومن خلال كسر تدريجي لكل سلطوية وفتح فتاحات صغيرة في جدار الاستبداد.     

التغيير عبر الصندوق واستمرار النضال السلمي هو سبيلنا للانتقال للدولة الحديثة التي تسع الجميع وليس عبر العنف أو التغيير الجذري. فلا يمكن الحديث عن تغييرات ثورية في ظل غياب لمفهوم الثورة وتصور واضح لدى الكثيرين حول شكل الدولة التي تجمعنا، مع غياب كامل لأي فرص للتوافق بين التيارات المختلفة في الوقت الحالي. 

ستظل السياسة هي ملاذنا لايجاد حل لأزمتنا و يبقي السؤال الأهم من “ماذا بعد السيسي ؟ ” هو “ما هو شكل الدولة و نظامها المأمول ” سواء الآن أو بعد السيسي وإحداث التوافق عليه وتكوين الكتلة الحرجة المؤمنة بالديمقراطية.