نظام الدولة وحتمية الكتلة الحرجة

تعثرت الثورة المصرية علي مدار السنوات الأربعة الماضية، فبعد أن أزاحت مبارك الذي ظل يحكمها ثلاثون عامًا لم تستطع أن تقيم ديمقراطية حقيقة رغم كثرة وتلاحق الاستحقاقات الانتخابية. صوّت الشعب المصري على ثلاثة دساتير ومجلسي شعب وشورى، وحكمه مجلس عسكري وثلاثة رؤساء في أقل من 4 سنوات.

في كل المراحل كان الاستقطاب الحاد هو المحرك الرئيسي للفعل السياسي سواء تمت صياغته حول ثنائية إسلامي / علماني أو ثورة / نظام قديم. إلا أنه في جميع المراحل لم تخل الصراعات من خلط الأوراق و إشاعة مبدأ المباريات الصفرية كالذي نشهده الآن بين داعمي دولة / لا دولة،  مناصري الإرهاب / مكافحي الإرهاب، إسلاميين / مدنيين ، عسكريتين / مدنيين ، ثورة / ثورة مضادة.. وكل يتمترس وفقًا لما يراه حقًا من هذه الثنائيات.

هكذا يستمر تأجيل مناقشة شكل الدولة ودورها المرجو، ويظل النموذج المأمول موضوع تقني لأغلبية الشعب المصري، فالدولة الحالية غير عابئة بالانسان وحقوقه، وترفع شعار الحرب على الإرهاب، والدولة فوق الجميع.. هي مناط تأييد الكثيرين، كما أن العديد من معارضي نظام الدولة الحالي يصورون النظام القائم باعتباره دولة تحارب الاسلام، وفي الحقيقة لم يكن حكم الاخوان أفضل كثيرًا حيث جاء غير مهتمًا باحتواء الآخرين وبإقامة دولة حديثة تشمل الجميع ويتم فيها تداول السلطة. 

الحقيقه التي يجب أن ندركها هي أننا لن نُرسي نظامًا ديمقراطيًا ولن نستطيع الحفاظ عليه إلا بتشكل كتلة حرجة من الفاعلين المؤمنين بضرورة هذه المهمة، وبضرورة مناقشة شكل الدولة التى نعيش فيها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

فنحن لازلنا نمر بذات المسلسل حيث يريد الطرف المسيطر فيها إقصاء الآخر والانفراد بالحكم. و قد تصل الرغبة عند البعض إلى إبادة الآخر و ليس اقصاءه فقط كما يوضح شعور الكثير من المصريين تجاه جماعة الإخوان المسلمين، والذي انعكس بالتالي على رد فعل مساندي الاخوان و سينعكس مستقبلًا في حال تصدرهم للمشهد مجددًا في المستقبل.

ولهذا يظل ضروريًا بناء هذه الكتلة الديموقراطية الحرجة، والتي يجب أن تمتد رأسيًا لتشمل قطاعات داخل الدولة من موظفين وقيادات ذات تأثير إلي إعلاميين وشباب وعمال وفئات مهمشة. كما أن وجود توافق من ممثلي التيارات السياسية الأساسية داخل قطاع أفقي قد يكون نواة لنجاح تلك الكتلة كالطلاب أو العمال على سبيل المثال.

ولا يمكن – ولو نظريًا – إغفال أهمية الجيش كداعم لهذا المسار من منطلق دوره الطبيعي كحامي للبلاد من العدوان الخارجي وليس كطرف اقتصادي أو كلاعب سياسي. هكذا يضاف إلي أهمية نواة الكتلة ضرورة اتساع قواعدها الاجتماعية والمؤسسية.

يبقى السؤال.. ماذا يمكن أن يدفع لتشكل مثل تلك الكتلة أو ما هو الظرف الذي يدفعها إلي الإسراع بالتشكل؟ الإجابة الواقعية هي للأسف أنه لا بديل عن مسار التجربة والخطأ، بمعنى آخر.. لابد من التسليم بأن طريق بناء الديمقراطية طويل وغير ممهد مسبقًا وأنه من المعتاد أن يتجرع البَعضُ بإرادتهم السم حتى يدرك أنه سيقتله.