في نقد السياسات وليس الأشخاص

كتب الأستاذ عماد الدين حسين مقالا بجريدة الشروق تحت عنوان “ظهور علاء و جمال .. السياسات قبل الأشخاص” جاء فيه “علينا أن نتخلص من العادة الذميمة وهى التركيز على الأشخاص والقشور والشكليات.. علينا أن نجرب التركيز على القضايا وعلى السياسات” و طالب “إنه ينبغى علينا أن نقاتل جميعا من أجل ألا تعود سياسات مبارك أو السياسات التى كان يريد الإخوان تطبيقها”.

صراحة نحن في حزب مصر القوية نرى أن سياسات مبارك حاضرة و بقوة بل و أسوأ, أكثر من حال كونه قائم بنفسه بتلك السياسات.

فعلى مستوى السياسات الاقتصادية لازالت الحكومة و الرئيس يطبقان مطالب البنك الدولي بحذافيرها دون مراعاة للبعد الاجتماعي لهذه السياسات. مع موافقتي على أهمية إعادة توزيع الدعم إلا إن رفع الدعم تضرر منه بالأساس الطبقتان المتوسطة و الفقيرة مع زيادة في فواتير الكهرباء بشكل ملحوظ وفق سياسة و خطة لرفع الدعم عن الكهرباء بالكلية خلال خمس سنوات.

مؤتمر اقتصادي ارتكز بالأساس على قروض و منح الخليج 12.5 مليار دولار, 5,2 مليار دولار منح و قروض من المؤسسات الدولية و مشاريع تركزت في قطاع الطاقة و الإنشاءات و أخيرا مذكرات تفاهم تظل حبراً على ورق إذا لم تتابع لتنفيذها. مشاريع الطاقة أمر محمود و جيد و لكن يبقي أن الاستثمارات في الطاقة تكاليفها مرتفعة و هو ما يجعل العقود مجحفة و الفائدة الوحيدة لها هو أن تشتري الحكومة الطاقة لاحقا من الشركات وفق الأسعار العالمية ناهيك عن انحفاض عدد العمالة في هذه المشروعات. فلا توجد مشروعات صناعية و زراعية عملاقة تجعل الاستثمارات تحدث تنمية مستدامة.

أما عن مشاريع الإنشاءات فهي مشارع كثيفة العمالة و لكنها عمالة مؤقتة و لا تحدث تنمية مستدامة بجانب أن معظم هذه المشاريع استهدف الطبقات العليا من المجتمع . بالإضافة إلي المشروع الأكبر وهو العاصمة الإدارية الجديدة الذي صارت عليه علامات استفهام كثيرة منذ طرحه و لا تلقى أي إجابات من الوزير أو رئيس الوزراء أو الرئيس . إذ كيف تنشأ العواصم للبلدان دون أي حوار مجتمعي مسبق و كيف تنقل عاصمة مصر النيل إلي عشرات الكيلومترات بعيدا عنه. بالتأكيد عنصر المفاجأة و الغموض كان حاضرا بقوة في المشهد و هو من أهم سمات سياسات مبارك فضلا عن العناد الذي سنراه لاحقا و هي صفة مباركية بامتياز.

على مستوى السياسة الداخلية فلازالت مؤسسة الرئاسة تنظر بالاحتقار إلي الأحزاب  و السياسيين و السياسة بصفة عامة ؛ فما حاجة مصر للسياسة ؟! فهم قادرون على إدارة البلد من خلال علاقة مباشرة بين الرئيس و الشعب , فتكتب السيدة رسالة استغاثة على الفيس بوك فينظر إليها الرئيس بعين الرحمة و يأمر الوزير بالتنفيذ , فلسنا في حاجة إلي كل تلك المستويات البينية التي تشكل عبئا علي البلاد.

نقترب من انقضاء العام الأول منذ تولي الرئيس مسؤولية الحكم و لا يستطيع إلي الآن تنفيذ وعدة بإقامة مجلس نيابي منتخب, بل أنه فيما يبدو سعيدٌ بهذا , و لما لا ؟ فقد أصدر العشرات من القوانين و شرع في إقامة مشروعات تلتهم موازنات قادمة دون رقابة أو استشارة ؛ بل وقَّع إعلاناً مبادئياً مطاطاً يعطي الحق للإثيوبيين في بناء السد لأغراض اقتصادية وليست لتوليد الكهرباء فقط كما كان يردد من قبل ؛ و أعطى مهلة 15 شهرا لعرض تقرير اللجنة الثلاثية فيكون ساعتها المشروع مشيدا. بل إن الحديث عن الضرر في إعلان المبادئ جاء مطاطا  و لا يلزم بالتعويض المناسب و كل ذلك يأتي في إطار اتباع نهج مبارك في جعل الشعب كزوج عجوز منهك تعلمه زوجته أنها لم تبيت الأمس بالمنزل لاضطرارها للمبيت عند رجل آخر في سكون و رضا تام منه.

على مستوى الحريات فقد تم تمديد مدة الحبس الاحتياطي و أصبح من المعتداد أن تقرأ خبر الإفراج عن المئات بعد مضي أكثر من عام في السجون حيث تبين أنه لا يوجد دليل ضدهم ، و قانون ضد التظاهر و التعبير السلمي ، يسجن بسببه مئات الشباب في أحكام نهائية بينما قتلة الثوار و حارقي المساجين في عربات الترحيلات أحرار. حالات موثقة عن التعذيب في السجون و رد فعل من الداخلية بأنها وحمة في جسم السجين, شهيدة طلعت حرب و السبب حسب كلام الطب الشرعي أن جسدها نحيل هو السبب في إختراق الخرطوش لها و نائب عام يحيل القضية بسبب ضرب أفضي إلي موت.

على المستوى الأمني لازالت سيناء مرتعا للإرهاب بعد مضي حوالي عامين على تولي الرئيس الحالي و المشير السابق و نائب الرئيس و وزير الدفاع المسوؤلية الأمنية, فضلا عن كونه مديراً للمخابرات الحربية قبلها. لم نكن حتى أيام مبارك نشهد كل هذا الكم من التفجيرات و الاعتداءات على الجيش و الشرطة.

نحن نتحدث عن سياسات و لا نتحدث عن أشخاص, لا توجد أي رؤية سوى البحث عن زيادة الشرعية الشعبية و الدولية و هي الهاجس المسيطر على من في السلطة, من خلال اللهث وراء الاعتراف الدولي أو إحداث ضجة و حملات إعلامية متتالية حول مشروع جدلي جديد يخاطب أحلام الناس, بدءا من مشروع علاج الفيروس الكبدي “مشروع الكفتة” مرورا بالمليون شقة (بدأت التنفيذ في 60 ألف بعد أكثر من عام من الإعلان) , و إيهام الناس بأن لديهم مشروع لقناة سويس جديدة في حين أن الأمر لا يخرج عن توسيع و فرع صغير جديد لتقليل وقت مرور السفن (هناك فرص ضائعة لاستثمار 60 مليار جنيه مصري) و أخيرا المؤتمر الإقتصادي الذي نجح سياسيا بالأساس.

في النهاية نحن كحزب معارض للسياسات قبل الأشخاص سنسعى دائما إلي تقديم النصح و البديل , حتى و إن لم يتبق لنا من هذه الكلمات سوى ناقوس خطر ندقه من أجل حياة كريمة يستحقها شعبنا.