الاشتباك

مع انطلاقة حزب مصر القوية الجديدة و استكمال بنائه الداخلي بانتخابات قاعدية بدأت من شهور وصولا إلي المؤتمر العام و انتخاب هيئته العليا و أخيرا انتخاب المكتب السياسي، ينظر إلينا كثير من الناس باستغراب شديد، هل تظنون ان هناك سياسة الآن ؟ هل حقا تصدقون انفسكم ؟ و على الجانب الآخر يسعى كثيرون لتمييع فكرة العمل السياسي و تسفيه الحاجة الي الاحزاب و السياسة و على رأسهم السلطة الحالية.

أولوياتي و أنا على رأس المكتب السياسي أمران، الاشتباك مع المجتمع و تمكينه.

أولا الاشتباك: هو أن ينساب أعضاء الحزب بشكل طبيعي و تلقائي في المجتمع فهم مواطنون و لهم حق في ثروات البلاد و مؤسساتها، و هم أزواج و آباء و جيران و زملاء عمل قبل ان يكونوا أعضاء في الحزب، هم نقابيون و أعضاء جمعيات عمومية و أهلية و مؤسسات مجتمع مدني ، هم في أجهزة الدولة و القطاع الخاص و العام، هم الفلاحون و العمال و الطلاب، هم جزء من المجتمع المصري و خيط من نسيجه.

و قد سئلت هذا الأسبوع حول مشاركة طالب في معسكر يتبع الوزارة و عن مشاركة نقابي في تدشين حملة مناهضة لإسرائيل و هل يشاركون باسم الحزب ام بصفتهم الشخصية، و كان ردي واحدا، اذا كانت الدعوة بصفتك الشخصية غير الحزبية فلتذهب بصفتك المدعو بها، نقابي كنت أو طالب، فلتشتبك بشكل تلقائي مع المجتمع، بلا تكلف أو تزيد، إنحيازاتك الحزبية جزء منك و قد يختلف رأيك في بعض المسائل السياسية غير المبادئية مع الحزب و هو أمر طبيعي و مطلوب، فلسنا نسخة واحدة و لا نؤمم أعضاءنا، نحن ننشد كياناً حر و منفتحاً على المجتمع بشكل علني و شفاف. نستقبل النقد بصدر رحب بل نؤسس لكيان ينقد ذاته بشكل صريح و يقيم نفسه دوريا و يعترف بالخطأ و يثمن ما نجح فيه و من نجح منه و يكبّره.

و هل يتداخل العمل الطلابي و النقابي مع العمل الحزبي ؟ الطالب في جامعته و معهده جزء من مجتمع الطلاب له حقوق و عليه واجبات، لديه خطوط عريضة من الانحيازات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية يمارس عمله الطلابي وفق هذه الخطوط العريضة و لكنه داخل الجامعة طالب قبل ان يكون عضواً بالحزب، و كذلك النقابي الطبيب فهو داخل النقابة يخلع رداءه الحزبي و لكنه لا يخلع انحيازه الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي كخطوط عريضة تحكم فهمه لحقوق الأطباء و المجتمع، و كذلك عضو هيئة التدريس و العامل في المصنع.

اذا فالاشتباك مع المجتمع هو جزء طبيعي من حياة العضو، أم عن العمل الخيري، فلست مع ربط العمل الحزبي بالعمل الخيري المباشر فتلك وظيفة الجمعيات الخيرية و الأهلية و بالتوازي لست ضد مشاركة أعضاءنا كمشاركة طبيعية في مجتمعاتهم من خلال الجمعيات و المؤسسات.

المشاركة السياسية ليست بالضرورة مشاركة في الانتخابات النيابية القادمة في ظل قانون مشوه و مجلس مهدد بالحل و بيئة سياسية مغلقة و حريات محدودة لا تسمح بعقد مؤتمر في الشارع. المشاركة السياسية بالأساس تبدأ من المحليات، الاشتباك مع القضايا المحلية، القرية فالمدينة فالمركز. التفاعل مع مجتمع الحي أو القرية كنقطة بداية لرفع واقع حقيقي و بناء تصور واقعي عن المشاكل و كيفية حلها.

المشاركة تكون عبر بناء تصور حزبي مركزي تدرجي يطرح رؤى سياسية أولية بانحيازات اقتصادية و سياسية و اجتماعية واضحة للملفات الأساسية كالطاقة و الصحة و التعليم و الإصلاح الاداري للدولة، ليس بالضرورة وجود برامج تفصيلية في ظل غياب معلوماتي كامل  لكن مهم وجود رؤية و حلم لشكل الدولة و انحيازاتها الاقتصادية و الاجتماعية و مقوماتها و علاقة السلطة بالشعب وعلاقة الدين بالحكم و التشريع فيها و علاقاتها الخارجية و تموضعها الإقليمي.

هذا الحلم إن تبين في أذهاننا رأي الشمس في الظهيرة، و القمر في الظلمات، وصار تحقيقه على بُعد خطوات من التخطيط و الصبر و الإرادة.

هذا عن الاشتباك أما عن تمكين المجتمع ففي المقال التالي