الرواية الثالثة

الدكتور عمرو الشوبكي أحد أهم الكتاب و المنظرين لهذا الجيل و دائما ما تحظى مقالاته بالنقاش الواسع و الاهتمام. لذا لم يكن مستغربا أن اتناول مقالاته المنشورة بالمصري اليوم بعنوان “الرواية الثانية” و “بين روايتين”. هو استاذ و فخر لي ان اعرفه عن قرب. فهو ليس بكاتب فحسب بل عضو مجلس شعب سابق خاض تجربة عملية ناجحة على الأرض. 

كتب الدكتور عمرو عن  اختلاف التوصيف لما حدث بعد 30 يونيو و تسائل عن مستقبل الرواية الثانية التي تتبناها اقلية معارضة ليس لديها سوى صوت احتجاجي او تخريبي في مقابل رواية السلطة و اغلبية على حد وصفه.

ثم يضرب الكاتب امثلة من مجتمعات و دول مختلفة عن فكرة الروايتين لنفس الحدث و يضيف الصراع العلماني الاسلامي كجزء من اختلاف الرويات. اشار بعدها الي الصراع الدائر في مصر بين ما سماه قوى مدنية و اسلامية تتبنى الأخيرة رواية آخرى مخالفة للتاريخ منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي و بناء الجمهورية على يد جمال عبد الناصر.

في النهاية تحدث عن مفهوم الرواية الثانية بمعنى رفض ما حدث في 3 يوليو و اهمية وجود البديل السياسي لتبني الرواية الثانية و انهم قد يحكموا مصر خلال 8 سنوات إذا التزموا بالمدنية و الديمقراطية و الايمان بالدولة الحديثة.

نحن امام استخدام مصطلح “الرواية الثانية” مرة لوصف المعارضين لاجراءات ما بعد 3 يوليو و مرة لوصف رواية “المشروع الاسلامي” او المنتمين للتيارات الدعوية. و بعيدا عن الاستخدام المزدوج و الذي يكاد يضع الجميع في سلتين بشكل مبسط, فهناك رواية ثالثة.

الرواية الثالثة تنطلق ايضا منذ عهد محمد علي, فترى ما انجزه محمد علي من نهضة صناعية و زراعية و جيش قوي و لكنها ترى ايضا الآلاف الذين قمعوا و ربما قتلوا لاقامة هذه الدولة, و اشير هنا لمقال الدكتور خالد فهمي “هيبة الدولة” المنشور بجريدة الشروق بتاريخ 23 اغسطس 2013 و الذي تحدث فيه عن جيش محمد علي “بعد أن أمضيت سنوات طويلة فى دراسة تاريخ هذا الجيش معتمدا على وثائقة الرسمية، وخاصة خطابات محمد على نفسه، خَلُصت إلى أن سبب هزيمة المشروع النهضوى هو أنه لم يكن مشروعا نهضويا ولا يحزنون، بل كان يهدف لتحقيق أطماع الباشا الأسرية. نجح الباشا فى مشروعه ولكن ليس قبل أن يذل المصريين ويقهرهم، الأمر الذى علق عليه الإمام محمد عبده بالقول إن محمد على «كان تاجراً زارعاً وجندياً باسلاً ومستبداً ماهراً لكنه كان لمصر قاهراً، ولحياتها الحقيقية معدماً”.

جمال عبد الناصر هو مؤسس الجمهورية كما ذكر الدكتور عمرو,  و ان انصار الرواية الثانية يرون فيه انه سجن الاسلاميين, و لكن هناك رواية ثالثة ترى انه لم يسجن الاسلاميين فحسب بل سجن كل صوت معارض و اسس لجمهورية الخوف. كانت هناك صناعة و توزيع للثورة و لكن كانت هناك هزيمة و فساد, كانت هناك عزة للخارج و ذل خلف السجون. فوأد الحريات كفيل بأن يقتل الابداع و غلق المسارات السياسية يقتل التطور و النهضة.

انصار الرواية الثالثة يرون ان الشعب قد سئم من الاخوان و خرجوا مع الشعب ضدهم في 30 يوينو و لكنهم يرون ما حدث في 3 يوليو انقلابا, و يرون ما حدث في رابعة مذبحة و لكنهم يرون الارهاب و يرفضون أي تعدي علي الجيش او الشرطة او أي مدني من أي فصيل. انصار الرواية الثالثة يريدون ان يحافظوا على الجيش بابعاده عن السياسة, يريدون ان يحافظوا علي الدين بابعاد النشاط الدعوي عن السياسة يريدون نهضة تقوم بارادة الشعب لا بحاكم مستبد, يريدون نهضة على أسس علمية لا على التلاعب بمشاعر الشعب على غرار علاج الايدز, يريدون نهضة تحافظ على الحقوق و الحريات بالتوازي مع مفهوم الامن الشامل.

ذكر حزب مصر القوية كجزء من مشروع الرواية الثانية و صنفه الدكتور عمرو كجزء من التيارات الاسلامية و أنه اسير الاحتجاج و البكائيات و ان الحزب لم يرى الرواية الأولى و التي ترى ان قادة الاخوان و وجود مسلحين ضمن الاعتصامات هم المسؤولون عن زيادة عدد الضحايا.

خطاب الحزب منذ تأسيسه مبني على أن الصراع العلماني الاسلامي مبالغ فيه و أن التيار الرئيسي المصري لا ينتمي إلي كتلة علمانية تحاول ان تتوارى خلف “مدنية” و لا ينتمي إلي مجموعات دعوية مارست السياسة تحت ما يسمى بالاسلام السياسي. لا يتمسك اعضاء مصر القوية برواية احادية بكائية, فليس اكبر من ذلك دليل على  تمسك الحزب بقيم الديمقراطية و الدولة الحديثة حين رفض الاعلان الدستوري الذي أصدره مرسي و نزل في الشارع ضده و رفض دستور 2012 ثم مشاركة حزب مصر القوية في تظاهرات 30 يونيو. و على الرغم من رفض تدخل المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي ذهب رئيس الحزب لمقابلة الرئيس المؤقت لمحاولة العودة مرة أخرى الي الاحتكام للشعب و الصندوق. اراد الحزب أن يمارس دوره السياسي المنوط به و المشاركة في الاستفتاء حاشدا للتصويت بلا, و هو ما أدى الي الواقعة الشهيرة بالقبض على اعضائه بتهمة التحريض بلا ضد الدستور.

و أخيرا الرواية الثالثة هي رواية الديمقراطية و تمكين الشعب من حقوقه و امكنياته و مقدراته لجعله أمينا و عاملا و مراقبا و محاسبا عليها.

هذه هي روايتي الثالثة و هناك العديد من الرويات, و لكن الأمر الأكيد الذي اتفق مع الدكتور عمرو فيه هو أهمية وجود بديل سياسي. ذلك البديل السياسي في ظني  يحمل رؤية و خطابا يصل إلي التيار الرئيسي المصري الغير المنتمي للمعسكر العلماني او معسكر الاسلام السياسي و هذا ما نسعى إليه فأسعوا معنا.

أحمد شكري

وصلات للمقالات المذكورة:

مقال د خالد فهمي :

:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?id=e1bcec83-b1ef-44f5-abe8-a4a85988a834

مقال د عمرو الشوبكي الرواية الثانية:

http://www.almasryalyoum.com/news/details/413827

مقال الدكتور عمر الشوبكي بين روايتين:

http://www.almasryalyoum.com/news/details/415897