حرية يقومها المجتمع

اثار الفيلم السينمائي عن نبي الله نوح جدلا واسعا بين المؤسسات الدينية و في مقدمتها الازهر و بين المثقفين و المدافعين عن الحريات و الابداع. الفيلم يجسد نوح عليه السلام و هي ليست المرة الأولي التي تجسد فيها السينما للأنبياء, فقد سبق ان جُسد موسى و عيسى عليهما السلام و عرض فيلم المسيح في السينمات المصرية عام ١٩٩٤ و اثار جدلا محليا و دوليا. كما ظهر الصحابة من قبل في فيلم الرسالة عام ١٩٧٧ و مجددا مع مسلسل عمر و الذي تم عرضه على فضائيات مصرية و عربية.

فكرة الاحتجاج على عرض فيلم او تجسيد شخصيات دينية موجودة في العالم كله و ليس في مصر فقط، و كثيرا ما نسمع عن منع فيلم او مظاهرات مناهضة له خاصة في العالم الاسلامي. 

الحديث عن منع فيلم يستوجب مناقشة القضية من ناحيتين، امكانية منعه و الرأي الديني. دعونا ننظر الي بعض الارقام، هناك اكثر من مليار زائر لموقع يوتيوب شهريا، اكثر من ٦ مليار من الساعات تشاهد شهريا و ١٠٠ ساعة من المحتوى الجديد تحمل كل دقيقة على الموقع، و أكثر من ٨٠ ٪ من زوار ذلك الموقع من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. مصر بها الأن اكثر من ٣٥ مليون مستخدم للإنترنت منهم حوالي ١٦ مليون على الفيس بوك طبقا لآخر التقريرات الصادرة، كما ذكر ايضا في احد التقارير الصادرة عن موقع “سوشيال بيكر” ان مصر جاءت في المركز الثاني بعد البرازيل في نسبة المشاركات على الصفحات على رغم من عدد مستخدمي الانترنت في البرازيل أضعاف مصر. الشاهد اننا امام عالم جديد متصل و المجتمع المصري جزء و شريك مستهلك في ذلك العالم الافتراضي.

يعرض التليفزيون تقريرا عن فيلم نوح و الأزمة و المثارة فيأتي بمقطع من الفيلم، يبحث المشاهد عن الفيلم على الانترنت فربما يجده قبل عرضه في السينما متاحا بنسخة النقاد او اثناء عرضه فيجد نسخة تكون عادة رديئة لانها مصورة من داخل شاشة العرض،  او بعد طرح الفيلم على الشاشات و وسائل الميديا المتعددة بشكل رسمي فيجد نسخة بجودة عالية. هذه هي دورة الفيلم الأصلي او المسروق. لا يوجد شيئ اسمه منع او حجب في هذا العصر، فيلم الميدان شاهده مئات الآلاف على الإنترنت و شاهدناه يوم طرحه في مصر على الانترنت.

لسنا بصدد الحديث هنا عن تحريم او قياس الذنب فلا خلاف في أحقية الازهر في إصدار رأيه في فكرة تجسيد الأنبياء و الدعوة برأيه، اما المنع فهذا شان آخر.

العام الماضي صدر قرارا من النائب العام بتنفيذ حكما قضائيا بمنع المواقع الإباحية و هو ما أثار لغطا أيامها، اولا لأن حجب المواقع للإباحية قد يؤخذ كذريعة او كباب خلفي لحجب مواقع اخرى سياسية او حركية، ثانيا لأن الحجب بات من الصعب في ظل التقدم التكنولوجي لمروجي تلك المواقع و الباحثين عنها في ذات الوقت. على السلطة التشريعية ان تصدر قانون يفرض على شركات خدمات الانترنت توفير امكانية الحجب لمن يريد ان يطبق ذلك اما ان تفرض السلطة التنفيذية نفسها كأب واصي فذلك امر مرفوض.

كذلك بالنسبة للفيلم، يجب إعادة هيكلة اداء الرقابة لتصبح هيئة لتصنيف الأفلام على أساس عمري طبقا لاحتوائها على مشاهد او ألفاظ او حتى أفكار، فليس دورها هو المنع و إنما التنظيم و التصنيف طبقا لقانون واضح و غير مطاط, فتفرض اشتراطات على بعض التصنيفات كأن تعرض في أماكن أو في أوقات معينة و تحدد الحد الأدنى العمري للمشاهد بان يكون في بعض الأفلام اكثر من ١٨ عاما على سبيل المثال. يكون المنع في اضيق الحدود عبر بلاغ للنيابة العامة من قبل المعترضين و يصبح المجتمع هو المحدد لحدوده و المشكل لوعيه. القوانين تصدر عن سلطة منتخبة و تكون محددة في نصوصها كسب الذات الإلهية أو الأنبياء و تجسيدهم أو العري البين و يسمح بالطعن أمام القضاء عند المنع و يكون الحكم خلال مدة زمنية محددة و قصيرة.

دور الازهر و الكنيسة و المؤسسات الدينية هو الدعوى و إصدار الفتاوى و توجيه المجتمع بالرفق و الإقناع، اما المنع او الحجب فذلك يحدده حكم القضاء وفقا للقانون و طبقا للدستور. المجتمع هو الذي يرفض او يقبل الذهاب لمشاهدة الفيلم، كما انه من حق من يعترض على عرض الفيلم التظاهر بسلمية و التعبير عن رأيه و إقناع غيره. ذلك التدافع السلمي للأفكار هو الذي يطورها و يجعل المجتمع هو المحدد لحدوده.

دور السلطة التنفيذية هو توفير مناخ حر و أدوات للنشر او العرض او الانتاج و إتاحة الفرص للمبدعين في كل أنحاء مصر بشكل عادل. دور الشرطة هو حماية المتظاهرين و حماية المنشئات، اما العنف او الحديث عن ترهيب او تهديد او تحريض ولو بالكلام من أي طرف فهذا امر مرفوض و يعاقب عليه القانون.  دور القضاء هو المنع وفقا للقانون و ليس دور الرقابة.

على المجتمع ان يعبر عن رأيه بالكتابة او الرسم او الغناء او السينما او باي شكل من أشكال الفنون بكل حرية.