معبر التحرير

هدوا الجدار و أقاموا بوابة حديدية تفتح و تغلق وفق تعليمات أمنية صارمة في مشهد عبثي و كأننا ننشأ حدودا جديدة داخل العاصمة. فسارت نكتة بين الشباب, من سيشرف على البوابات, مصلحة الجوزات أم حرس الحدود؟

معبر رفح هو المعبر المصري إلى قطاع غزة, يفتح و يغلق وفق تعليمات سيادية عليا و مع ذلك تحفر الأنفاق رغم قصفها و تغريقها بالمياه كل يوم. يعيش الفلسطنيون في قطاع غزة و الضفة الغربية وفق ظروف صعبة, تتناحر السلطة في فلسطين و ينقسم الشعب على نفسه بينما العدو الحقيقي هو اسرائيل.

بوابات التحرير ليست صدفة أو حدث عابر, فهي تعبر عن منهج تعامل للمرحلة. فمنذ قيام ثورة 25 يناير و الشوارع تغلّق بالأحجار و الحوائط الاسمنتية و بدلا من أن نتباحث في أسباب قيام الثورة أغلقنا الشوارع المؤديه لميدان التحرير و صفينا عيون مريديه.

بدلا من محاسبة من قتل 74 شابا في مدرجات بورسعيد أوقفنا الدوري و عاقبنا النادي المصري. بدلا من اصلاح الداخلية التي ثار عليها الناس في 25 يناير غيرنا اسم أمن الدولة إلى الامن الوطني و هددنا الشباب و تنصتنا على مكالماتهم. يذكرنى ذلك بقرار وزارة الداخلية بمنع دخول تليفونات المحمول إلى الأقسام لمنع التصوير بدلا من منع التعذيب. هي سياسة المواجهة الأمنية بدلا من الحلول السياسية, هي سياسة المسكنات بدلا من الحلول المستدامة.

“التحرير”: اسم لميدان عبر عن لحظة سيذكرها التاريخ على انها لحظة تحرر حقيقية للمصريين. تحرر من الخوف و السلطة المستبدة, تحرر من الطبقية, التحرر من الانتماءات الفكرية سوى الانتماء للوطن. و تأتي تسمية بوابات التحرير “معبر التحرير” كتسمية و وصف دقيق للحظة التي نعيشها. هي محاولة لخنق فكرة و السيطرة عليها, و ستظل فكرة “التحرير” تطل علينا من جديد سواء في ميدان التحرير أو في غيره من الميادين. ليس بالضرورة بالحشد فيهم, فهذه آلية قد فقدت بريقها و تأثيرها في الوقت الحالي, و إنما بالتعبير عن فكرة التحرير من خلال تحرك الشباب في المجتمع و داخل مؤسسات الدولة.

أقم مسار ديمقراطي سليم, تستطيع أن تفتح التحرير. حقق الاستقلال الوطني تستطيع أن تفتح التحرير. حقق دولة القانون تستطيع أن تفتح التحرير. هذه شعارات قد يراها البعض عامة و لكنها مبادئ يتبعها اجراءات لتحقيقها. في اللحظة الراهنة قد تكون النصائح التالية للسلطة بداية لحلحلة الموقف السياسي و فتح مسار ديمقراطي كبداية لاستكمال الشرعية.

أفتح الاعلام الرسمي للدولة ليعبر عن الشعب كله وليس اتجاه واحد. افتح القنوات الخاصة المغلقة بأمر اداري. أفرج عن الطلبة و السيدات قيد التحقيق. ضع حد أقصى مقبول للحبس الاحتياطي. أوقف القبض العشوائي و تلفيق التهم. حرك القضايا الحقيقية أمام النائب العام. أوقف تدخل المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي. حاسب كل مسؤول بالدولة يتورط في الانحياز لمرشح بعينه بالانتخابات الرئاسية أو النيابية. أبدأ الآن في مسار العدالة الانتقالية من فترة حكم مبارك حتى يومنا هذا. أقم حوار حول القوانين المنظمة للانتخبات و اعلم انه لا حياة سياسية بدون أحزاب, فهي الوسيلة الوحيدة للراغبين في الانخراط بالعمل السياسي المنظم و السلمي.

ابدأ باصلاحات حقيقية بوزارة الداخلية من تدريب و تأهيل و تسليح مناسب بالاضافة إلى التحقق من أن اجراءات التفتيش و القبض و الحبس تعلى من كرامة المواطن فوق كل شيء. ناقش بشكل جدي تعديل اتفاقية كامب ديفيد كي تسمح بتواجد قواتك بشكل فعلي في سيناء لحماية حدودك و القضاء على الارهاب. امنع تدخل المؤسسات الدينية كالازهر و الكنيسة في الشأن السياسي و التفصيلي و الخاص بتحزبات او خيارات انتخابية و ليس خيارات عامة تخص الوطن بأجمعه. هذه بعض النصائح أوجها لمن بيده السلطة الأن.

سيأتي يوما تفتح فيها شوارع مصر, و سيسير الرجل و بناته من الهرم إلى التحرير و المرأة و ابنها من مدينة نصر إلى التحرير و هم يأمنون على حياتهم من الارهاب و تسلط السلطة بغير حق. يوما ما ستقام دولة العدل و القانون. هذا الكلام كنت اظنه من ثلاث سنوات صرح من خيال كاتب عايش الاحتلال بفلسطين و لا يعيش بمصر الآن يحلم بزوال معبر التحرير.