الثورة المضادة

لا اعرف من هو صاحب صك لقب الفلول في الإعلام بعد الثورة ؟ و كان يقصد بهم أعضاء الحزب الوطني. ثم تطور المعنى بعد ذلك ليشمل أصحاب المصالح مع النظام السابق, فتضمن أشخاص من قطاعات مختلفة كالإعلام و رجال الأعمال و القضاء, ليراد بالفلول كل من يقف ضد الثورة.

حارب الفلول ذلك اللقب بكل قوة و بدأ الناس يرددون “لا معنى لكلمة فلول” و أن هناك ناس أجبروا على العضوية بالحزب و أنه ليس كل من كان عضوا كان قاتلا أو فاسدا. ثم جاءت موجة 30يوينو ليرتد الأمر على الإخوان ليلقبوا بالفلول قبل أن ينعتوا بالإرهابيين من قبل السلطة الحالية و من قبل المنعوتين بالفلول الأوائل.

“الثورة المضادة” هو المصطلح الأدق في وصف كل من يقف ضد مبادئ الثورة. ولكن ما هي مبادئ الثورة بالأساس ؟ فقد بدت الآن لكثير من الناس معاني غير مفهومة. أرى أن مبادئ الثورة واضحة و ثابتة و هي شعار الهدم “الشعب يريد إسقاط النظام”, النظام بفساده باحتكار ثرواته بظلمه و قمعه و انتهاك كرامة المواطن. و شعار البناء”عيش, حرية, عدالة اجتماعية, كرامة إنسانية” و هي مبادئ يقوم عليها الوطن المأمول. فقد تشكل هذا الوطن في مخيلة كل من شارك في الأيام الأولى في ميادين التحرير. و لكنهم لم يطرحوا أسئلة ما بعد التحرير, ما هي آليات التفكيك و البناء و ما هي التحديات ؟

انصرف كثير من الشباب في يوم 11 فبراير ظنا منه أنه اسقط النظام و أن معركة البناء قد بدأت و بدا ذلك في المشهد الرومانسي بكنس التحرير عقب فض الاعتصام صبيحة 12 فبراير. و لكن مع كل استحقاق انتخابي أو خطوة للهدم أو البناء أدرك الثوار أن التحديات أعمق و أقوى من توقعاتهم و بدا مصطلح الثورة المضادة أكثر وضوحا.

الثورة المضادة تتمثل في كل مستفيد من عدم تطبيق القانون. و هو مبدأ استبدادي بامتياز, فتعلى من المحسوبية و تمكن لأهل الثقة و تقصي أهل الخبرة و أصحاب الرأي و تجعل أسافل المجتمع و الجهلاء هم علية القوم. الثورة المضادة هي استخدام القوة للحصول على غير حقك بالسلاح و العنف و ليس بقوة القانون. الثورة المضادة هي التجارة في ثروات الشعب و احتكارها دون مراقبة أو محاسبة. الثورة المضادة هي الحرص الدائم على تجهيل الشعب و إلهائه بتوافه الأمور حتى ينشغل عن محاسبة من ظلموه و أهدروا كرامته. و هي التفريط في استقلال الوطن للحصول على مكاسب مادية و من أجل الحفاظ على البقاء في السلطة مقابل عدم المسائلة. الثورة المضادة هي دويلات داخل الدولة, لا تخضع للقوانين العادية وإنما تحركاتها و امتيازاتها و اعفاءتها كلها استثناءات و خروق للقوانين. الثورة المضادة هي الحد من التفكير و التعبير عن الرأي باسم الدين أو باسم الحفاظ على النظام السياسي. اختصارا الثورة المضادة هي كل ما يقف ضد تمكين الشعب المصري من أدواته و ثرواته و قدراته.

و رغم كل التحديات فإن معارك الثورة تنضج و تتضح يوما عن يوم و يصبح الثوار أكثر عزما على تحقيق أهداف الثورة و التمسك بمبادئها. فلقد شاهد الثوار و عايشوا وطن حلموا به و رأوا أجزاء منه رأي العين من تعايش مشترك و احترام متبادل و تشارك في اللقمة والتأمين برغم اختلاف الانتماءات و الأفكار و الطبقات. و هذا الواقع و ذلك الحلم البعيد لن يتنازلوا عنه و لو تطلب الصبر و التخطيط و التحقيق و لو بعد حين.
منشور في موقع مصر العربية