هل ضيع الشباب الوطن ؟

تتعالى الأصوات وتتهم جيل ثورة ٢٥ يناير بأنهم غير أمناء على الوطن و انهم تعاركوا على السلطة و الظهور الإعلامي و السفر للخارج و الحديث باسم الثورة و انهم ضيعوا مصر بقلة الخبرة و التشرذم و أخيرا تم اتهامهم بالعمالة و تخوينهم.

لا اعرف عن أي سلطة يتحدثون ؟ ما هي المناصب التنفيذية التي حصل عليها شباب الثورة بعد ٢٥ يناير ؟ لا شيئ , فالمنصب الوحيد الذي حصلوا عليه كان تعيين مساعدا لوزير الشباب و ذلك بعد الثلاثين من يوينو و بدون صلاحيات حقيقة, كما أفصح صاحب المنصب نفسه. و الحديث عن السلطة هنا ليس طلبا فيها و إنما ردا على من يقول ان الشباب قد اخذوا الفرصة, فدعونا نديرها نحن الخبراء الأقوياء.

على العكس تماماً, لم يسعى شباب الثورة كما يلقبهم الإعلام الي المناصب بل رفضوها كلها، و طالبوا بتطبيق مبدأ ثاروا من اجله و هو تمكين من يستحق و إقصاء غير المؤهلين و القضاء على المحسوبية في التعيينات و المساواة بين الموطنين, فجاءت التعيينات مخيبة للآمال سواء بتعيين الجنزوري و مجموعة من الوزراء المنتمين للنظام السابق او تعيين مجموعة من اللواءات السابقين كوزراء و كمحافظين.

اثناء الثورة تشكل ائتلاف شباب الثورة و هو تكتل لمجموعة من الشباب يمثلون تيارات مختلفة تجمعوا حول أهداف جامعة ثم قاموا بحل ذلك الائتلاف حين رأوى ان دوره قد انتهى، و هي خطوة موفقة و محسوبة و تعد نضجا سياسيا و يستحقون التحية عليها.

انخرط قطاع اخر عقب الثورة مباشرة في العمل السياسي المؤسسي و كنت جزءا من احد التجارب في انشاء حزب العدل و هو اول حزب لا ينتمي لجماعة دعوية بعد الثورة فجاء تأسيسه بعد الحرية و العدالة و النور مباشرة. كما شاركت مجموعات اخرى بالإضافة إلي ائتلاف شباب الثورة في تشكيل قائمة الثورة مستمرة، حقق العدل مقعدا واحدا و تخطى حاجز النصف في المئة كما حققت الثورة مستمر ٧ مقاعد، الاول كان لمصطفي النجار و الأخرين كانوا بفضل تواجد الدكتور غنيم في الدقهلية (٤ مقاعد). 

الشاهد ان الشباب شكلوا أحزابا و ترشحوا على القوائم و خاضوا التجربة الأصعب بخوض الانتخابات على المقاعد الفردية و مارسوا السياسة من خلال أدوات ديمقراطية منضبطة سعيا للبناء و ليس كما يتهمهم الكثيرون بأنهم دعاة هدم فقط. اثناء حكم المجلس العسكري و ابان أحداث محمد محمود الأولى شن الاعلام ضدهم حملة شيطنة إعلامية قادتها نفس القنوات التي تمارس العهر الإعلامي اليوم. كما أنهم واجهوا حزبي النور و العدالة كأكبر حزبين على الساحة آنذاك و تعرضوا للقذف و التشويه من على منابر المساجد و الساحات و كنت شاهدا بنفسي في تجربتي بدائرة شربين حين خضت
 الإعادة ضد مرشح الاخوان و حصلت على أكثر من 100 الف صوت وسط تخوين و تدليس و ترهيب من المنافس الي ان وصل الأمر بإشاعة خطف زوجتي و أبنائي قبل الانتخابات بيوم. رغم عدم توفيقي و عدم تحقيق الشباب النجاح المأمول الا أنهم حاولوا و واجهوا كل التحديات سواء كانت ضعف التنظيم أو التمويل و العمل ضد موروث ثقافي كبير يفتقد الثقة في قدرة الشباب على التغيير و الرغبة في انتخاب اصحاب وجوه مألوفة او مرشح يتمسح بالدين. بل انني أزعم ان الشباب قد خاضوا الانتخابات ببرامج حقيقية و قدموا نماذج في الممارسة السياسية النظيفة و مع ذلك لم يختارهم الشعب 

معظم الحملات الرئاسية كان قوامها الشباب و خاصة حملتي الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح و حمدين صباحي، فهؤلاء قاموا باقتطاع الوقت و المال من قوتهم الضئيل للمساهمة في بناء وطن حلموا به، و حين لم يوفق مرشحيهم قاموا بتأسيس التيار الشعبي و حزب مصر القوية، حتى أنصار الدكتور البرادعي رغم عدم خوضه المعركة الا انهم أسسوا حزب الدستور و اجبروا البرادعي للانخراط في العمل المؤسسي. 

لازلت ابحث عن اجابة سؤال، هل ضيع الشباب فعلا البلد ؟ استفتاء ١٩ مارس دخل الشباب معركة عنيفة للحشد بلا للدستور كي يكتب دستورا جديدا بدلا من اجراء تعديلات, و بعيدا عن المسار الذي خرج عن ذلك كله الا انهم ضغطوا مجددا من اجل تسليم السلطة في موعدها و اجراء انتخابات رئاسية و هو ما تم بالفعل و يعد نقطة تحول فارقة. كل ذلك يثبت ان الشباب لديهم رؤية و نظرة للمستقبل. 

هل معنى ذلك ان الشباب لم يخطأوا في الثلاث السنوات الاخيرة ؟ نعم اخطأنا جميعا و نحتاج إلى المراجعة و اعادة ترتيب الأوراق و بحث سبل جديدة لتوصيل معاني الثورة الي أعماق المجتمع و دواليب الدولة. و لكننا لم نضيع البلد كما يحب ان يردد البعض، من ضيع الوطن هم من قدموا مصالحهم الشخصية على مصلحة شعب بأكمله و يظنون ان مصلحة الوطن يجب أن تمر من خلالهم, يريدون ان يحكموا بالحديد والنار و ينتظروا استقرارا و نهضة, ألا يتعلمون من التاريخ القريب ؟ التغيير قادم لا محالة.