مساحات الحركة بعد الدستور

ما هي مساحات العمل العام بعد إقرار الدستور ؟ مئات الآلاف و ربما الملايين من الشباب الآن محبط، بعد أن شاركوا في ثورة ٢٥ يناير، و لم يكن ليتصوروا أبدا ان تصير الأمور إلى ما نشهده اليوم من اقتتال في الشوارع و هجمات ارهابية بالتوازي مع بطش أمني.

علينا أن نفهم طبيعة الصراع، فلم يعد خفيا أننا أمام ثورة مضادة، و هذا لا ينحصر في مشهد عودة أنصار النظام الأسبق. فالثورة المضادة كانت حاضرة منذ ٢٥ يناير.انه صراع السلطة و من يملكها. هل الشعب له الحق في امتلاك مقدراته و التخطيط لمصيره ؟ ام اننا نقيم دولة من الأوصياء يدعون علمهم و فوقيتهم على الشعب و ينشئون شبكات المصالح و السلطة دون رادع او محاسبة ؟ هذا الصراع الدائر منذ قيام الثورة هو صراع حول السلطة و إن غلف مرة بصراع الهوية و أخرى بصراع الشرعية المفقودة.

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت هذه هي أضعف فترات تحكم مؤسسات الدولة في المشهد السياسي مقارنة بالوضع الحالي و ذلك بفضل ضغوط الشارع التي أجبرتهم على تسليم السلطة و اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. ناوشت المؤسسة العسكرية من أول يوم للحفاظ على وضعها مرة بجمع الأحزاب للتوقيع على وثيقة اتفاق و تارة أخرى بوثيقة السلمي ثم مع ازدياد الاستقطاب الاسلامي العلماني و انفراد المؤسسة العسكرية بالتيار الاسلامي، استطاعت المؤسسة العسكرية تمرير ما لم تستطع من قبل في دستور ٢٠١٢ ثم تلا ذلك استئثارها بالتيار المدني و تحسين وضعها أكثر في دستور ٢٠١٣.

هذا التدافع نراه ايضا مع وزارة الداخلية و التى انخفض اداءها في فترات بدعوى انهيارها ثم نراها مرة اخرى تنزل في ٣٠ يونيو في المظاهرات و اخيراً يطلق يدها لتقتل و تقمع دون رادع. لا يختلف أداء الهيئات القضائية عن أداء باقي مؤسسات الدولة، فتخرج احكام هنا و هناك تغير المسار السياسي بين الحين و الآخر إلى أن قامت الهيئات القضائية بتعديل وضعها في دستور ٢٠١٣. ألا هل فهمنا الآن طبيعة الصراع ؟ لا أحد يريد ان يبني دولة حديثة يكون الشعب فيها هو الحكم الحقيقي. و بناءاً عليه علينا ان نفكر في اي المساحات من الممكن ان يتحرك الشباب فيها في ظل بيئة سياسية خانقة؟

بعد الدستور سنكون أمام شرعية جديدة مستندة الى الصناديق و ان اختلفنا مع منتجها. سيكون هناك مساحات للعمل السياسي و لكن بحدود. فلن يسمح بتغيير معادلة مؤسسات الدولة في مقابل سلطة الشعب سواء بتعديلات دستورية او بتشريعات لهيكلة او تنظيم إلا بعد نضال شعبي و قانوني طويل المدى.

و كي نحقق تغيرات جذرية و نغير من المعادلة فأمام الشباب تحدي طويل المدى و هو معركة رفع الوعي. فلقد ذهبنا الى الصندوق للاستفتاء ثلاث مرات في ثلاث سنوات لنوافق على دساتير متباينة. و ما كان مرورها رغم اختلافها الا لمشكلة في الوعي و اختلاف مفهوم الدولة التي نريدها. فعلى الشباب العمل على أنفسهم اولا من تثقيف و تدريب و الاشتباك مع الناس لرفع الوعي و تعريف الناس بحقوقهم و واجباتهم و مفهوم الدولة الذي يكون فيها الشعب هو الحكم.

و على المدى القصير فهناك معارك التوحد و الاصطفاف و إقامة البديل السياسي و هي التحديات الأصعب و لكنها ليست مستحيلة. فلقد فشل التوحد من قبل عند أول اختبار لصراع حول السلطة في حد ذاتها و رغبة فصيل الإستئثار على حساب الفصائل الاخرى و لم يكن أبدا صراع لتمكين الشعب بتنوعه. لذلك بناء اصطفاف شبابي حول فكرة تمكين الشعب من مقدراته و تحديد مصيره هو واجب المرحلة بعيدا عن الأيديولوجيات و الاطر الفكرية و التاريخية.

السياسة هي فن خلق مساحات للتحرك وفق الظروف دون الإخلال بالمبادئ. فالتحرك من خلال تنظيمات سلمية تعمل في العلن هو واجب. فلا شيئ أقوى من السلمية و الشفافية الكاملة و العمل الجماعي فهي ضمانات الحماية عند التضييق، سواء كانت هذه التنظيمات حزبية أو جمعيات أهلية أو حتى حكومية. بالتوازي مع العمل الجماعي يكون التحرك الفردي فهو مطلوب في كل وقت. فلا يمكن السيطرة على مئات الآلاف من الشباب يتحركون بشكل غير مركزي في المجتمع و يتواصلون لحظيا بفضل الانترنت، فهم بلا قيادة او تنظيم و يتشابكون مع المجتمع بشكل فعال و منتج فيجعل قمعهم مواجهة مع المجتمع و ليس مع أشخاصهم.

نطاق التحرك في المجتمع يكون بشكل مركزي لمن يقدر التشبيك مع الآخرين على مستوى المحافظة و الجمهورية اما التحرك على المستوى المحلي فهو مفتوح للجميع. فالعمل على مستوى القرية خارج التنظيمات و من خلال التركيز على القضايا المحلية يقوي المجتمع و يجعله قادرا على الصمود في ظل بيئة حريات محدودة، فالعصبية و القبلية تغلب أي سلطة أو انتماء تنظيمي و توحد الناس أكثر من أي شيئ.

أما عن طبيعة الاشتباك مع الناس بعيدا عن فكرة مواجهة السلطة الأمنية، هناك التخصص الفني و تقديم البديل و الحلول. فعلى الأطباء الاجتهاد في مجالهم و أن يضيفوا إلى عملهم الخاص جزءا للعمل العام مع المجتمع من خلال مهنتهم و كل في تخصصه سواءا مهندسين، محاميين أو زراعيين، و أن يتداخلوا في العمل النقابي بتنوعه.

هذه هي مساحات الحركة و أولوياتها في المرحلة المقبلة: رفع الوعي، الاصطفاف و إقامة البديل، العمل الجماعي السلمي العلني بالتوازي مع العمل الفردي اللامركزي المستمر، الملفات الفنية. توحدوا و اصطفوا
د أحمد شكري – موقع مصر العربية