الضمانات للحد من التسريبات والشائعات

أثار انتباهي ردود الأفعال المتباينة حول تسريبات المكالمات التليفونية و لكن سرعان ما تأكد لدي بعد هدوء العاصفة ان لكل منا قناعة لا يغيرها و ان بت تؤذن في أذنه ليلة كاملة بكل دلائل الحق.

من كان يريد ان يسمع و يطرب أذنيه بنغمة العملاء و الممولين فقد نال مراده. و من يعرف حقيقة الأمور و ان التدليس و التلفيق و التجسس هي مهنة الضعفاء و مرتزقة الفضائح و الكذب، لم يصدق و ربما لم يستمع للمكالمات احتراما لنفسه قبل اي شيء.

بدأ الأمر بتسريبات مرسي و الحوار الذي اجري معه. ثم تلا ذلك تسريبات السيسي و الذي الى الآن لم ينفها او لم نسمع تحقيق فيها، و هذا حقنا ان نعلم كيف يتم تسريب لقاء بين قادة الجيش ؟ كما انه كيف يتم تسريب لقاء صحفي للسيسي؟ الذي يفصح فيه عن رغبات عميقة للسلطة و الشغف بها و يصل الى احلام عقله الباطن ليصور لنا مشهدا خياليا لبطل بسيف احمر. و مع ذلك فهذا التسريب لم يغير قناعة أحد، من أراد ان يصدقه فقد صدقه و من رأه تلفيقا فقد رأه تلفيقا.

التسريبات و الشائعات و ما أكثرها ؟ “الهرم سيتم بيعه” في عهد مرسي، “السيسي مات” في عهد عدلي أكثر من مرة، إلى اخر هذه الشائعات التي دائماً ما تجد من يصدقها. العالم كله ملئ بالشائعات و التسريبات و لكن لديهم من الضمانات ما يحجم من تأثيرها.

لدى مؤسسات الدول المتقدمة حد أدنى من الشفافية و ضوابط للإعلان و الإعلام. فنرى مثلا موقع وزارة دفاع الولايات المتحدة يصدر بيانا عن مكالمة دارت بين السيسي و وزير دفاعها فيعلم الشعب المصري من الانترنت قبل ان تصدر وزارتنا بيانا كهذا و ان صدر. تعلم الشعوب من صوت من نوابها ضد القوانين و من ساندها بينما لا نعرف نحن كيف من أصدر القانون، و من وراءه.في الدول المتقدمة تكون بيانات الموازنة العامة و مؤشرات النمو و الدين و الإحصاء و التعداد كلها بيانات متاحة بشفافية كاملة لمن يريد. الوثائق التاريخية و الرسمية للدولة و المؤسسات و العاملين بها كلها بيانات متاحة للجميع و فق قانون ينظم ذلك كله بينما نحن في مصر لازلنا نبحث عن معلومات دقيقة تخص حروبنا الاخيرة و التي مضى على اخرها ٤٠ عاما. أما عن التسجيل و التوثيق فحتى ثورة يناير لم توثق الى الان بشكل علمي، و هذه ليست بمفاجأة لان البعض يحارب كي يمحوا هذا التاريخ.

اما عن دولة القانون فحدث و لا حرج. ففي اي دولة في العالم نجد اجهزة الدولة تتنصت على من تشاء متى تشاء و يتم تسريب المكالمات و اذاعتها على شاشات التلفاز ؟ قد يحدثني البعض ان الولايات المتحدة تنصتت على ميركل.نعم هذا يدخل في إطار التجسس و يحدث بين اجهزة ضد اجهزة و بقانون و ليس من دولة ضد شعبها بدون اذن او قانون كما ان الاتحاد الأوروبي يتخذ إجراءات في الوقت الحالي لعدم تكراره. بل و نسمع في مصر عن بلاغات ضد من سربت لهم و لفق لهم و ليس استدعاء من سرب. يتعين وجوب حزمة من التشريعات تنظم إتاحة المعلومات و توثيقها و إعلانها بشفافية، بالاضافة إلى وجود قانون لمحاسبة كل من يشيع او يدعى على الآخر بغير وجه حق و يجرم التجسس و التنصت و انتهاك حرمة المواطنين.

رفع الوعي و محو الأمية هي الضمانة الثالثة لوضع حد لتأثير التسريبات و الشائعات. فمجتمع يستيقظ كل يوم على شائعة جديدة و يعيش على التسريبات و يتغذى على انتهاك الحرمات الشخصية هو مجتمع اللادولة و هو مجتمع أصبح فيه الجاهل عالما و الدجل و السحر طبا. فتلك التسريبات تضر المجتمع و تقصمه، ذلك لأن أغلبها يخرج عن بيئة غير سوية تنقل خبر أو معلومة مشوهة لغرض التشويه أو التشتيت.

اخيراً و ليس آخراً، وجود إرادة سياسية لتفعيل القانون و الدستور هو الضمانة الحقيقية لإقامة مجتمع متعلم، تقوم ركائزه على العلم، يحترم فيه خصوصيات و حرية المواطن، تتاح فيها المعلومة الدقيقة و يحاسب فيها المدلس. فلا تلفتوا إلي هؤلاء الكاذبين و توحدوا حول حلم لوطن يسع الشرفاء.