جراحون لا جزارون

قيادة المرحلة تحتاج إلى جراح ماهر يستأصل الورم بأقل خسائر راجيا العلاج و الشفاء بإذن الله واضعا قاعدة طبية و فقهية نصب عينيه “لا ضرر و لا ضرار”. لا نحتاج إلى جزار يقتل الأم ليعيش الجنين أو العكس و لا نحتاج بالتأكيد إلى أن نقتل الجميع كي يبقى مبنى المستشفى دون أذى. مع كامل الاحترام لمهنة الجزارة فهي واجبها الذبح.

من المسئول عن مقتل ١٦ جنديا مصريا في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي ؟ هل هما وزير الدفاع السابق محمد طنطاوي و رئيس المخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي ؟ الأول تم تكريمه بقلادة و الثاني بترقيته. من عين وزير الداخلية محمد إبراهيم ؟ محمد مرسي. ماذا قال الإخوان يوم الاتحادية عن الشرطة ؟ أنها خذلت مرسي. ماذا فعل مرسي بمحمد إبراهيم ؟ أبقى عليه و قال أن الشرطة عبرت العبور الثالث. من عزل مرسي ؟ قطاع عريض من الشعب، فانقلب عليه الجيش و الشرطة و انحاز إليه الإعلام و القضاء. ماذا فعل قطاع من الشعب يوم ٢٦/٧ ؟ فوض عبد الفتاح السيسي للحرب على الإرهاب. ماذا حدث بعد التفويض ؟ قتلت الداخلية المئات أثناء فض الاعتصامات و زادت الاغتيالات و التفجيرات و انتقلت للعمق. تم إعلان أن جماعة الإخوان إرهابية بدون حكم قضائي و التي ينتمي إليها الرئيس الذي عين السيسي وقت أن كان رئيس المخابرات الحربية. و بهذا الإعلان يصبح في مصر مئات الآلاف من الإرهابيين و يتم رصد أموال أكثر من ١٠٠٠ جمعية خيرية بعشوائية فيها إدانة واضحة لوزارة التضامن عبر عقود لعجزها عن مراقبة كل هؤلاء الإرهابيين. بماذا تمت إدانة مرسي ؟ الهروب من السجن و التخابر حين كان السيسي وزيره و قبلها رئيس المخابرات الحربية. ماذا بعد ذلك ؟ يترشح السيسي و يفوز لتكتمل قصة خيالية واقعية.

الإخوان مسؤولون ايضا لما وصلنا إليه من احتراب أهلي. فرفضهم للحلول السياسية و عدم إدراكهم لحجم الرفض لهم و سعيهم المستمر لمواجهة أجهزة الدولة و تبنيهم خطاب يصور معركة السلطة على أنها حربا على الاسلام بل و استخدام خطاب طائفي مقيت ظهر في بيانهم الأخير تعليقا على إغلاق الجمعيات الخيرية و الذي جاء فيه “وبعد هذه الحملة الشعواء على الجمعيات الخيرية الإسلامية انفتح الباب على مصراعيه أمام المنظمات التبشيرية التنصيرية لإخراج فقراء المسلمين من دينهم” كما جاء في البيان تعليقا على الحكومة “أم تريد من أثرياء المسلمين ألا يفعلوا خيرًا قط حتى يرضى عنهم أهل الغرب والكارهون للإسلام والمسلمين.” بالإضافة إلي خطاب لا يستنكر الهجوم على مؤسسات الدولة بل و يحرض على انقسام الجيش و الترحيب به في مواطن آخرى، كل ذلك يعطى غطاءا واسعا لكل العمليات التفجيرية و المواجهات الشعبية المسلحة.

تأتي لحظة الاستفتاء كلحظة فارقة بغض النظر عن النتيجة. لابد من الاتجاه للصندوق لوضع حد لصراع الشرعية الغائبة و تمتع الاستفتاء القادم بنزاهة كاملة هو مطلب أساسي لأي جراح سياسي ماهر يريد أن يخرج الوطن من عثرته. فلا يمكننا أن نقيم الاستفتاء ثم نطنطن بعد ذلك بنزاهته بعد أن نزوره، فالسياسة لا تؤخذ عنوة. فضبط الجناة في التفجيرات و مصادرة الأموال و صدور أحكام ثم يتلوها إعلان من هو الإرهابي هو التسلسل الطبيعي و ليس العكس.

مطلوب استكمال خارطة الطريق المعلنة بكل بنودها. فهناك بنود سقطت كميثاق الشرف الإعلامي و العدالة الانتقالية و المضي قدما نحو انتخابات برلمانية قبل الرئاسية كما تم الإعلان من قبل، فتكون هناك سلطة مشرعة و مراقبة قبل انتخاب الرئيس الذي يعطي له الدستور الجديد صلاحيات مطلقة. و في ظل الوضع الأمني تجرى الانتخابات بنظام القائمة النسبية المغلقة على كل الدوائر على مستوى المحافظات و يسمح للمستقلين بتشكيل قوائم كما يشترط وضع شاب أقل من ٣٥ سنة و امرأة في أول ٤ أماكن في القائمة. صدور قانون ينظم الدعاية الانتخابية و منع الشعارات الدينية و التحريض و حد أقصى للإنفاق و منع استخدام دور العبادة و مؤسسات الدولة في الدعاية الانتخابية. صدور قانون بمنع الجمع بين منصب حزبي و عضوية مجالس إدارة الجمعيات و المؤسسات الخيرية.

كي نحارب الإرهاب لا يمكن أن نمنع أي صوت مخالف لرأي السلطة. فكما أشرت أن الجراحة لا يجب أن تؤذي في سبيل القضاء على المرض. يجب فتح القنوات الإعلامية لأصوات المعارضة السياسية. كما يجب فتح القنوات الدعوية التي أغلقت لإرسال رسائل طمأنينة للمجتمع و إن كانت قنوات فضائية تبث من خارج مصر تتبنى الكذب فلا يجمح الكذب و يدحضه إلا الصدق و المهنية.

هذه لحظة جنونية لا يريد أحد أن يسمع و يكرر الجميع نفس الأخطاء و يبدوا أننا نسير نحو الهوية بسرعة مذهلة. حفظ الله مصر و حفظ شعبها.