هل ضيع الشباب الوطن ؟

تتعالى الأصوات وتتهم جيل ثورة ٢٥ يناير بأنهم غير أمناء على الوطن و انهم تعاركوا على السلطة و الظهور الإعلامي و السفر للخارج و الحديث باسم الثورة و انهم ضيعوا مصر بقلة الخبرة و التشرذم و أخيرا تم اتهامهم بالعمالة و تخوينهم.

لا اعرف عن أي سلطة يتحدثون ؟ ما هي المناصب التنفيذية التي حصل عليها شباب الثورة بعد ٢٥ يناير ؟ لا شيئ , فالمنصب الوحيد الذي حصلوا عليه كان تعيين مساعدا لوزير الشباب و ذلك بعد الثلاثين من يوينو و بدون صلاحيات حقيقة, كما أفصح صاحب المنصب نفسه. و الحديث عن السلطة هنا ليس طلبا فيها و إنما ردا على من يقول ان الشباب قد اخذوا الفرصة, فدعونا نديرها نحن الخبراء الأقوياء.

على العكس تماماً, لم يسعى شباب الثورة كما يلقبهم الإعلام الي المناصب بل رفضوها كلها، و طالبوا بتطبيق مبدأ ثاروا من اجله و هو تمكين من يستحق و إقصاء غير المؤهلين و القضاء على المحسوبية في التعيينات و المساواة بين الموطنين, فجاءت التعيينات مخيبة للآمال سواء بتعيين الجنزوري و مجموعة من الوزراء المنتمين للنظام السابق او تعيين مجموعة من اللواءات السابقين كوزراء و كمحافظين.

اثناء الثورة تشكل ائتلاف شباب الثورة و هو تكتل لمجموعة من الشباب يمثلون تيارات مختلفة تجمعوا حول أهداف جامعة ثم قاموا بحل ذلك الائتلاف حين رأوى ان دوره قد انتهى، و هي خطوة موفقة و محسوبة و تعد نضجا سياسيا و يستحقون التحية عليها.

انخرط قطاع اخر عقب الثورة مباشرة في العمل السياسي المؤسسي و كنت جزءا من احد التجارب في انشاء حزب العدل و هو اول حزب لا ينتمي لجماعة دعوية بعد الثورة فجاء تأسيسه بعد الحرية و العدالة و النور مباشرة. كما شاركت مجموعات اخرى بالإضافة إلي ائتلاف شباب الثورة في تشكيل قائمة الثورة مستمرة، حقق العدل مقعدا واحدا و تخطى حاجز النصف في المئة كما حققت الثورة مستمر ٧ مقاعد، الاول كان لمصطفي النجار و الأخرين كانوا بفضل تواجد الدكتور غنيم في الدقهلية (٤ مقاعد). 

الشاهد ان الشباب شكلوا أحزابا و ترشحوا على القوائم و خاضوا التجربة الأصعب بخوض الانتخابات على المقاعد الفردية و مارسوا السياسة من خلال أدوات ديمقراطية منضبطة سعيا للبناء و ليس كما يتهمهم الكثيرون بأنهم دعاة هدم فقط. اثناء حكم المجلس العسكري و ابان أحداث محمد محمود الأولى شن الاعلام ضدهم حملة شيطنة إعلامية قادتها نفس القنوات التي تمارس العهر الإعلامي اليوم. كما أنهم واجهوا حزبي النور و العدالة كأكبر حزبين على الساحة آنذاك و تعرضوا للقذف و التشويه من على منابر المساجد و الساحات و كنت شاهدا بنفسي في تجربتي بدائرة شربين حين خضت
 الإعادة ضد مرشح الاخوان و حصلت على أكثر من 100 الف صوت وسط تخوين و تدليس و ترهيب من المنافس الي ان وصل الأمر بإشاعة خطف زوجتي و أبنائي قبل الانتخابات بيوم. رغم عدم توفيقي و عدم تحقيق الشباب النجاح المأمول الا أنهم حاولوا و واجهوا كل التحديات سواء كانت ضعف التنظيم أو التمويل و العمل ضد موروث ثقافي كبير يفتقد الثقة في قدرة الشباب على التغيير و الرغبة في انتخاب اصحاب وجوه مألوفة او مرشح يتمسح بالدين. بل انني أزعم ان الشباب قد خاضوا الانتخابات ببرامج حقيقية و قدموا نماذج في الممارسة السياسية النظيفة و مع ذلك لم يختارهم الشعب 

معظم الحملات الرئاسية كان قوامها الشباب و خاصة حملتي الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح و حمدين صباحي، فهؤلاء قاموا باقتطاع الوقت و المال من قوتهم الضئيل للمساهمة في بناء وطن حلموا به، و حين لم يوفق مرشحيهم قاموا بتأسيس التيار الشعبي و حزب مصر القوية، حتى أنصار الدكتور البرادعي رغم عدم خوضه المعركة الا انهم أسسوا حزب الدستور و اجبروا البرادعي للانخراط في العمل المؤسسي. 

لازلت ابحث عن اجابة سؤال، هل ضيع الشباب فعلا البلد ؟ استفتاء ١٩ مارس دخل الشباب معركة عنيفة للحشد بلا للدستور كي يكتب دستورا جديدا بدلا من اجراء تعديلات, و بعيدا عن المسار الذي خرج عن ذلك كله الا انهم ضغطوا مجددا من اجل تسليم السلطة في موعدها و اجراء انتخابات رئاسية و هو ما تم بالفعل و يعد نقطة تحول فارقة. كل ذلك يثبت ان الشباب لديهم رؤية و نظرة للمستقبل. 

هل معنى ذلك ان الشباب لم يخطأوا في الثلاث السنوات الاخيرة ؟ نعم اخطأنا جميعا و نحتاج إلى المراجعة و اعادة ترتيب الأوراق و بحث سبل جديدة لتوصيل معاني الثورة الي أعماق المجتمع و دواليب الدولة. و لكننا لم نضيع البلد كما يحب ان يردد البعض، من ضيع الوطن هم من قدموا مصالحهم الشخصية على مصلحة شعب بأكمله و يظنون ان مصلحة الوطن يجب أن تمر من خلالهم, يريدون ان يحكموا بالحديد والنار و ينتظروا استقرارا و نهضة, ألا يتعلمون من التاريخ القريب ؟ التغيير قادم لا محالة.

ذكريات 25 يناير

لم أكن من الثلة الاولى التي دخلت ميدان التحرير في 25 يناير, فقد دخلته ليلا و بعد ان اعتصم الثوار بالميدان, يومها وجدت كل من اعرفهم الان من رجال بحق في وسط الميدان, مجموعة من الشباب يشكلون دائرة حول عبد الرحمن يوسف و مصطفى النجار و غيرهم من الشباب, رأني مصطفي و أول ما قال “تأخرت عن الثورة يا دكتور شكري”, تشكلت إذاعة الميدان بالجهود الذاتية و حضر بعض السياسيين لإلقاء الكلمات التحفيزية وشد أزر الشباب. بقيت في الميدان حتى منتصف الليل و رحلت قبل فض الاعتصام بدقائق و علمت بعدها بخبر القبض على النجار.

27 يناير ليلا, التقينا في منزل الدكتور البرادعي للحديث عن يوم 28 و ترتيباته, و كنت من ضمن الحاضرين مع السادة محمد أبو الغار, عبد الجليل مصطفى, عبد الرحمن يوسف, محمد سعد الكتاتني , عصام العريان, مصطفى النجار و عبد المنعم امام. كان رأي في تلك الجلسة أن من نزل في25 يناير لا يتبعوا أي تنظيم و ليس لأحد سلطان عليهم, قد يكونوا متافعلين مع دعوات الانترنت كالتي على صفحة كلنا خالد سعيد و لكن بالتأكيد غير منظمين و لكل منهم عقله الذي يحركه. كان الرأي الأغلب في الجلسة أنه لا يمكن التكهن بما سيحدث في اليوم التالي الجمعة 28 فمع قطع الاتصالات قد يزداد الغضب. و تكلم البعض عن فكرة تشكيل حكومة تقود في حالة سقوط النظام.

كان القرار بأن يصلي الدكتور البرادعي في مسجد الاستقامة و أن تكون نقطة التجمع قبل صلاة الجمعة أمام منزلي لقربه من المسجد. 28 يناير صباحا, حضر من حضر في اليوم السابق و قد تم القبض على قادة الاخوان ليلا, و زاد على الحضور بعض الشخصيات السياسية فكان من بينهم الكاتب ابراهيم عيسى. تحركنا مع قدوم البرادعي إلي مسجد الاستقامة, وقبل المسجد بمئة متر أغلق الأمن الطريق و ترجلنا للمسجد بعد تفاوض مع الأمن للمرور للصلاة وصت هتاف “عيش, حرية عدالة اجتماعية”. كانت ساحة المسجد ملأة بالمصلين, فافترشنا الأرض حول البرادعي و صلينا في الشارع. فور إنتهاء الامام من الصلاة ارتفعت الصيحات بشعار “الشعب يريد اسقاط النظام” تدافع الناس في اتجاه الامن إلا أن المياه و القنابل المسيلة للدموع اجبرت الشباب الملتف حول البرادعي إلي إدخاله داخل المسجد لحمايته. بقيت خارج سور المسجد و بدأ الكر و الفر مع الأمن, رأيت السيدات يلقين المياه للمتظاهرين و زجاجات الخل من النوافذ, رأيت الدكتور أبوالغار يجلس منهكا على الرصيف رأيت شبابا أعرفهم من الانترنت و التقيتهم لأول مرة في الميدان, كنت واثقا أن هناك الآلاف غيرنا في الميداين و أننا إذا صبرنا ساعة فحتما لن يصمد الأمن أمام كل تلك الجحافل من الشباب. كانت المعركة بين الشباب الذي يرفع الشعارات و الافتات بكل سلمية و الأمن الذي يمطرهم بالقنابل المسيلة للدموع كلما حاولوا التقدم, بقى الحال على ذلك حتى بعد صلاة العصر إلى أن فتحت الشرطة الحواجز عند الميدان.

كانت لحظة فارقة, رأيت الناس تسلم على أفراد الشرطة و نحن نمر من بينهم و يحيوهم و يهتفون “سلمية, سلمية, سلمية” ثم مررنا بجوار كنيسة الجيزة و إذ بمجموعة من الشباب يشكلون درعا بشريا مشبكين أيديهم حول اسوارها, مررنا بجوار السفارة الاسرائيلية و كنت متخوف من أن يتهور بعض الناس فتتشتت المظاهرة إلى غير ما خرجنا إليه و لكن الوعى الجمعي تفوق و مرت التظاهرات بسلمية جانب السفارة وبجانب مديرية أمن الجيزة, نظرت إلي الخلف فلم أرى إلا أناسا يملئون الأفق, و على مد البصر حتى ميدان الجلاء رأيت رجالا و نساءا و شبابا. وصلنا ميدان الجلاء و إذا بتمثال طه حسين غير مرأي من الناس, وجدت عربة شرطة محترقة وجدت مصابون محمولون قادمون من كبري قصر النيل ففهمت أن مقاومة الشباب كانت في كل الميادين, كان استقبال مسيرة الجيزة برتحاب شديد و كأنهم كانوا ينتظرون الغوث, وسمعتهم يقولون دوركم الأن ان تعبروا كوبري قصر النيل, مضينا على كوبري قصر النيل و صلينا المغرب عليه و استمر الكر و الفر بين الأمن و المتظاهرين إلي أن دخلنا ميدان التحرير عند صلاة العشاء و مع نزول الدبابات إلي الشوارع أدركت أن دوري في هذا اليوم قد انتهى و عدت إلي المنزل لتبدأ مصر مرحلة جديدة و تبدأ الثورة معاناتها.

منشور بالمصري اليوم 24/1/2014

ثورة ستنتصر

يريدون ان يطفئوها و لكنها عالية يريدون ان يكذبوها و لكنها ظاهرة و يريدون ان يطموسها و لكنها ثورة واحدة و ما تبعها و ما سيتبعها الا موجات لها. اشتعلت شرارتها في ٢٥ و تجلت في ٢٨ يناير ٢٠١١و لا يمكن وصفها لمن لم يحضرها في أيامها الأولي، هي كسر الخوف في نفوس المصريين و اخراج أجود و أفضل ما فيهم في ميادين التحرير. لم تكن أبدا حلما انتهى او مؤامرة كما يدعون، بل هي رأي العين و عين اليقين، شاركت فيها كغيري من المصريين الذين خرجوا تحت شعارات عبقرية، “الشعب يريد إسقاط النظام” و “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

الشعار الأول عبر عن رغبة الشعب في فك النظام و إسقاطه و الثاني عبر عن إنحيازات الثورة في البناء، هي لحظات تتجلى فيها الشعوب و تبلور مطالبها في أهداف واضحة و موحدة. لم تنجح الثورة إسقاط النظام كما انها لم تنجح في البناء و لكنها حققت نجاحات جزئية في كلاهما و حققت ما هو اعظم من ذلك و هو بناء الحلم في مخيلة جيل و هدم الكثير من المحرمات في عقولهم، و خلقت لحظات من توحد إرادة المصريين حول أهداف جامعة، تعلي من كرامة المواطن فوق أي سلطة و تؤكد انتماءتنا لهذه الأرض رغم اختلافاتنا و تنوع مشاربنا الفكرية.

تتعرض الثورة الآن لهجمة شرسة على جميع الأصعدة, زادت وتيرتها عقب الثالث من يوليو فيما يعد انتقاما من من خرجت عليه الثورة من الأساس في 25 يناير, فشاهدنا جميعا حملات التشويه لكثير من الشباب الذين ارتبطت اسماءهم بثورة يناير و محاولات التشكيك في ارادة شعبية حقيقية خرجت لتعبر عن نفسها بالملايين خاصة في ٢٨ يناير من خلال تصويرها على انها مؤامرة خارجية او عمل تخريبي. و لكن الحدث الأخطر في مسار الثورة هو محاولات تقييدها بالقانون و الدستور و تحوير مطالبها و عرقلة تقدمها.

فمنذ الثالث من يوليو و يد القبضة الأمنية مطلوقة على الجميع, بل هي مطلوقة على المسالمين أكثر من الارهابيين, فلم نشهد تقدما ملموسا على صعيد محاربة الارهاب و جل ما شهدناه كان الاعلان عن جماعة الاخوان كجماعة ارهابية و اصدار قانون التظاهر و القبض على الكثير من الشباب المسالم و منهم المؤيد للثلاثين من يوينو, بالإضافة إلى مقتل الطلاب داخل الحرم الجامعي و القبض العشوائي على الكثير من المواطنين المسالمين في بيوتهم و وصل الأمر إلي القبض على الفتايات و السيدات و ضربهم و تصوير أي صوت مخالف يمارس حقه الديمقراطي برفض الدستور في الصندوق على أنه خائن و عميل.

الأخطر من الاجراءات الاستثنائية هو وضع مواد في دستور ٢٠١٤ ضد جوهر ثورة يناير, فإذا كان الاخوان قد كتبوا دستورا كاد أن يفتح باب السلطة الدينية فوق الشعب فإن دستور ٢٠١٤ يؤكد و يزيد على دستور ٢٠١٢ قي هدم مفهوم الدولة المدنية في مقابل العسكرية و يضع مفاهيم فضفاضة للعدالة الاجتماعية و يحد من الحريات.

قد تكون الثورة انهزمت في معاركها الأخيرة و لكنها لم تمت و لن تموت, فاحجام الناس عن المشاركة طبقا للاحصائيات الرسمية لدستور ٢٠١٢ و ٢٠١٤ و التي تراوحت نسبة المشاركة فيهم حول ثلث الناخبين بالإضافة إلى إحجامم الشباب عن المشاركة فإنما هي رسائل واضحة بأن الشباب و هم يمثلون أكثر من نصف التعداد السكاني غير راضي عن شكل الدولة التي كان يحلم بها.

أمام الشباب تحديات كبيرة يأتي أولها بالتماسك و عدم الانهزام و الاستسلام لمحاولات التشويه و التشكيك في ثورته العظيمة, ثانيا بناء تنظيم حقيقي يعبر عن انحيازات الثورة و يشتبك مع الناس في حياتهم اليومية, و أخيرا أن نتحلى بالنفس الطويل فثورتنا ستنتصر و لو بعد حين, فتماسكوا و توحدوا و أرفعوا رؤسكم فأنتم جيل 25 يناير.

أولويات الحركة

كي نحقق تغيرات جذرية و نغير من المعادلة فأمام الشباب تحدي طويل المدى و هو معركة رفع الوعي. فلقد ذهبنا الى الصندوق للاستفتاء ثلاث مرات في ثلاث سنوات لنوافق على دساتير متباينة. و ما كان مرورها رغم اختلافها الا لمشكلة في الوعي و اختلاف مفهوم الدولة التي نريدها. فعلى الشباب العمل على أنفسهم اولا من تثقيف و تدريب و الاشتباك مع الناس لرفع الوعي و تعريف الناس بحقوقهم و واجباتهم و مفهوم الدولة الذي يكون فيها الشعب هو الحكم.

و على المدى القصير فهناك معارك التوحد و الاصطفاف و إقامة البديل السياسي و هي التحديات الأصعب و لكنها ليست مستحيلة. فلقد فشل التوحد من قبل عند أول اختبار لصراع حول السلطة في حد ذاتها و رغبة فصيل الإستئثار على حساب الفصائل الاخرى و لم يكن أبدا صراع لتمكين الشعب بتنوعه. لذلك بناء اصطفاف شبابي حول فكرة تمكين الشعب من مقدراته و تحديد مصيره هو واجب المرحلة بعيدا عن الأيديولوجيات و الاطر الفكرية و التاريخية.

السياسة هي فن خلق مساحات للتحرك وفق الظروف دون الإخلال بالمبادئ. فالتحرك من خلال تنظيمات سلمية تعمل في العلن هو واجب. فلا شيئ أقوى من السلمية و الشفافية الكاملة و العمل الجماعي فهي ضمانات الحماية عند التضييق، سواء كانت هذه التنظيمات حزبية أو جمعيات أهلية أو حتى حكومية. بالتوازي مع العمل الجماعي يكون التحرك الفردي فهو مطلوب في كل وقت. فلا يمكن السيطرة على مئات الآلاف من الشباب يتحركون بشكل غير مركزي في المجتمع و يتواصلون لحظيا بفضل الانترنت، فهم بلا قيادة او تنظيم و يتشابكون مع المجتمع بشكل فعال و منتج فيجعل قمعهم مواجهة مع المجتمع و ليس مع أشخاصهم.

نطاق التحرك في المجتمع يكون بشكل مركزي لمن يقدر التشبيك مع الآخرين على مستوى المحافظة و الجمهورية اما التحرك على المستوى المحلي فهو مفتوح للجميع. فالعمل على مستوى القرية خارج التنظيمات و من خلال التركيز على القضايا المحلية يقوي المجتمع و يجعله قادرا على الصمود في ظل بيئة حريات محدودة، فالعصبية و القبلية تغلب أي سلطة أو انتماء تنظيمي و توحد الناس أكثر من أي شيئ. 

أما عن طبيعة الاشتباك مع الناس بعيدا عن فكرة مواجهة السلطة الأمنية، هناك التخصص الفني و تقديم البديل و الحلول. فعلى الأطباء الاجتهاد في مجالهم و أن يضيفوا إلى عملهم الخاص جزءا للعمل العام مع المجتمع من خلال مهنتهم و كل في تخصصه سواءا مهندسين، محاميين أو زراعيين، و أن يتداخلوا في العمل النقابي بتنوعه. 

هذه هي مساحات الحركة و أولوياتها في المرحلة المقبلة: رفع الوعي، الاصطفاف و إقامة البديل، العمل الجماعي السلمي العلني بالتوازي مع العمل الفردي اللامركزي المستمر، الملفات الفنية. توحدوا و اصطفوا

من مقال #مساحات_الحركة_بعد_الدستور

 

طبيعة الصراع

لم يعد خفيا أننا أمام ثورة مضادة، و هذا لا ينحصر في مشهد عودة أنصار النظام الأسبق. فالثورة المضادة كانت حاضرة منذ ٢٥ يناير.انه صراع السلطة و من يملكها. هل الشعب له الحق في امتلاك مقدراته و التخطيط لمصيره ؟ ام اننا نقيم دولة من الأوصياء يدعون علمهم و فوقيتهم على الشعب و ينشئون شبكات المصالح و السلطة دون رادع او محاسبة ؟ هذا الصراع الدائر منذ قيام الثورة هو صراع حول السلطة و إن غلف مرة بصراع الهوية و أخرى بصراع الشرعية المفقودة. 

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت هذه هي أضعف فترات تحكم مؤسسات الدولة في المشهد السياسي مقارنة بالوضع الحالي و ذلك بفضل ضغوط الشارع التي أجبرتهم على تسليم السلطة و اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. ناوشت المؤسسة العسكرية من أول يوم للحفاظ على وضعها مرة بجمع الأحزاب للتوقيع على وثيقة اتفاق و تارة أخرى بوثيقة السلمي ثم مع ازدياد الاستقطاب الاسلامي العلماني و انفراد المؤسسة العسكرية بالتيار الاسلامي، استطاعت المؤسسة العسكرية تمرير ما لم تستطع من قبل في دستور ٢٠١٢ ثم تلا ذلك استئثارها بالتيار المدني و تحسين وضعها أكثر في دستور ٢٠١٣.

هذا التدافع نراه ايضا مع وزارة الداخلية و التى انخفض اداءها في فترات بدعوى انهيارها ثم نراها مرة اخرى تنزل في ٣٠ يونيو في المظاهرات و اخيراً يطلق يدها لتقتل و تقمع دون رادع. لا يختلف أداء الهيئات القضائية عن أداء باقي مؤسسات الدولة، فتخرج احكام هنا و هناك تغير المسار السياسي بين الحين و الآخر إلى أن قامت الهيئات القضائية بتعديل وضعها في دستور ٢٠١٣. ألا هل فهمنا الآن طبيعة الصراع ؟ لا أحد يريد ان يبني دولة حديثة يكون الشعب فيها هو الحكم الحقيقي. و بناءاً عليه علينا ان نفكر في اي المساحات من الممكن ان يتحرك الشباب فيها في ظل بيئة سياسية خانقة؟

بعد الدستور سنكون أمام شرعية جديدة مستندة الى الصناديق و ان اختلفنا مع منتجها. سيكون هناك مساحات للعمل السياسي و لكن بحدود. فلن يسمح بتغيير معادلة مؤسسات الدولة في مقابل سلطة الشعب سواء بتعديلات دستورية او بتشريعات لهيكلة او تنظيم إلا بعد نضال شعبي و قانوني طويل المدى.

من مقال: #مساحات_الحركة_بعد_الدستور

 

مساحات الحركة بعد الدستور

ما هي مساحات العمل العام بعد إقرار الدستور ؟ مئات الآلاف و ربما الملايين من الشباب الآن محبط، بعد أن شاركوا في ثورة ٢٥ يناير، و لم يكن ليتصوروا أبدا ان تصير الأمور إلى ما نشهده اليوم من اقتتال في الشوارع و هجمات ارهابية بالتوازي مع بطش أمني.

علينا أن نفهم طبيعة الصراع، فلم يعد خفيا أننا أمام ثورة مضادة، و هذا لا ينحصر في مشهد عودة أنصار النظام الأسبق. فالثورة المضادة كانت حاضرة منذ ٢٥ يناير.انه صراع السلطة و من يملكها. هل الشعب له الحق في امتلاك مقدراته و التخطيط لمصيره ؟ ام اننا نقيم دولة من الأوصياء يدعون علمهم و فوقيتهم على الشعب و ينشئون شبكات المصالح و السلطة دون رادع او محاسبة ؟ هذا الصراع الدائر منذ قيام الثورة هو صراع حول السلطة و إن غلف مرة بصراع الهوية و أخرى بصراع الشرعية المفقودة.

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت هذه هي أضعف فترات تحكم مؤسسات الدولة في المشهد السياسي مقارنة بالوضع الحالي و ذلك بفضل ضغوط الشارع التي أجبرتهم على تسليم السلطة و اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. ناوشت المؤسسة العسكرية من أول يوم للحفاظ على وضعها مرة بجمع الأحزاب للتوقيع على وثيقة اتفاق و تارة أخرى بوثيقة السلمي ثم مع ازدياد الاستقطاب الاسلامي العلماني و انفراد المؤسسة العسكرية بالتيار الاسلامي، استطاعت المؤسسة العسكرية تمرير ما لم تستطع من قبل في دستور ٢٠١٢ ثم تلا ذلك استئثارها بالتيار المدني و تحسين وضعها أكثر في دستور ٢٠١٣.

هذا التدافع نراه ايضا مع وزارة الداخلية و التى انخفض اداءها في فترات بدعوى انهيارها ثم نراها مرة اخرى تنزل في ٣٠ يونيو في المظاهرات و اخيراً يطلق يدها لتقتل و تقمع دون رادع. لا يختلف أداء الهيئات القضائية عن أداء باقي مؤسسات الدولة، فتخرج احكام هنا و هناك تغير المسار السياسي بين الحين و الآخر إلى أن قامت الهيئات القضائية بتعديل وضعها في دستور ٢٠١٣. ألا هل فهمنا الآن طبيعة الصراع ؟ لا أحد يريد ان يبني دولة حديثة يكون الشعب فيها هو الحكم الحقيقي. و بناءاً عليه علينا ان نفكر في اي المساحات من الممكن ان يتحرك الشباب فيها في ظل بيئة سياسية خانقة؟

بعد الدستور سنكون أمام شرعية جديدة مستندة الى الصناديق و ان اختلفنا مع منتجها. سيكون هناك مساحات للعمل السياسي و لكن بحدود. فلن يسمح بتغيير معادلة مؤسسات الدولة في مقابل سلطة الشعب سواء بتعديلات دستورية او بتشريعات لهيكلة او تنظيم إلا بعد نضال شعبي و قانوني طويل المدى.

و كي نحقق تغيرات جذرية و نغير من المعادلة فأمام الشباب تحدي طويل المدى و هو معركة رفع الوعي. فلقد ذهبنا الى الصندوق للاستفتاء ثلاث مرات في ثلاث سنوات لنوافق على دساتير متباينة. و ما كان مرورها رغم اختلافها الا لمشكلة في الوعي و اختلاف مفهوم الدولة التي نريدها. فعلى الشباب العمل على أنفسهم اولا من تثقيف و تدريب و الاشتباك مع الناس لرفع الوعي و تعريف الناس بحقوقهم و واجباتهم و مفهوم الدولة الذي يكون فيها الشعب هو الحكم.

و على المدى القصير فهناك معارك التوحد و الاصطفاف و إقامة البديل السياسي و هي التحديات الأصعب و لكنها ليست مستحيلة. فلقد فشل التوحد من قبل عند أول اختبار لصراع حول السلطة في حد ذاتها و رغبة فصيل الإستئثار على حساب الفصائل الاخرى و لم يكن أبدا صراع لتمكين الشعب بتنوعه. لذلك بناء اصطفاف شبابي حول فكرة تمكين الشعب من مقدراته و تحديد مصيره هو واجب المرحلة بعيدا عن الأيديولوجيات و الاطر الفكرية و التاريخية.

السياسة هي فن خلق مساحات للتحرك وفق الظروف دون الإخلال بالمبادئ. فالتحرك من خلال تنظيمات سلمية تعمل في العلن هو واجب. فلا شيئ أقوى من السلمية و الشفافية الكاملة و العمل الجماعي فهي ضمانات الحماية عند التضييق، سواء كانت هذه التنظيمات حزبية أو جمعيات أهلية أو حتى حكومية. بالتوازي مع العمل الجماعي يكون التحرك الفردي فهو مطلوب في كل وقت. فلا يمكن السيطرة على مئات الآلاف من الشباب يتحركون بشكل غير مركزي في المجتمع و يتواصلون لحظيا بفضل الانترنت، فهم بلا قيادة او تنظيم و يتشابكون مع المجتمع بشكل فعال و منتج فيجعل قمعهم مواجهة مع المجتمع و ليس مع أشخاصهم.

نطاق التحرك في المجتمع يكون بشكل مركزي لمن يقدر التشبيك مع الآخرين على مستوى المحافظة و الجمهورية اما التحرك على المستوى المحلي فهو مفتوح للجميع. فالعمل على مستوى القرية خارج التنظيمات و من خلال التركيز على القضايا المحلية يقوي المجتمع و يجعله قادرا على الصمود في ظل بيئة حريات محدودة، فالعصبية و القبلية تغلب أي سلطة أو انتماء تنظيمي و توحد الناس أكثر من أي شيئ.

أما عن طبيعة الاشتباك مع الناس بعيدا عن فكرة مواجهة السلطة الأمنية، هناك التخصص الفني و تقديم البديل و الحلول. فعلى الأطباء الاجتهاد في مجالهم و أن يضيفوا إلى عملهم الخاص جزءا للعمل العام مع المجتمع من خلال مهنتهم و كل في تخصصه سواءا مهندسين، محاميين أو زراعيين، و أن يتداخلوا في العمل النقابي بتنوعه.

هذه هي مساحات الحركة و أولوياتها في المرحلة المقبلة: رفع الوعي، الاصطفاف و إقامة البديل، العمل الجماعي السلمي العلني بالتوازي مع العمل الفردي اللامركزي المستمر، الملفات الفنية. توحدوا و اصطفوا
د أحمد شكري – موقع مصر العربية

من خلف قرار مصر القوية بالانسحاب من الاستفتاء ؟

اتخذت الهيئة العليا قرارا بالتصويت بلا بتاريخ ٥/١٢ بعد جلسة عاصفة سبقها اجتماعات في المحافظات و رفع واقع، تلى ذلك القرار حملة إعلامية و ميدانية و اجتماعات تقييم مستمرة، طالبنا بضمانات للنزاهة أهمها تم الإخلال بها، التصويت على يومين، التصويت خارج المحافظات، اكثر من لجنة لكل قاضي، ناضلنا نضالا قانونيا ضد تدخل الرئيس المؤقت في عمل اللجنة العليا للانتخابات، تم منعنا من الظهور الإعلامي الرسمي و فرض التضييق الإعلامي في الاعلام الخاص مع استثناءات قليلة، تم القبض على من يوزع لافتات لا و يلصق الملصقات، لم ننجح سوى في إقامة مؤتمر جماهيري واحد و الباقي داخل مقرات الحزب للتضييق الأمني، و بناءا عليه أعاد الحزب تقييم موقفه بشكل مؤسسي و عقد اجتماع للمكتب السياسي و خرج القرار بشكل ديمقراطي بفارق ضئيل بالانسحاب من الاستفتاء المقبل و عدم المشاركة في التظاهرات و دعوة الناخبين بعدم المشاركة في الاستفتاء مع التأكيد على المشاركة في اي استحقاقات مقبلة تكون وفق إجراءات قانونية و سياسية نزيهة.

حقيقة الأمر أننا كنا جادين بالفعل في المشاركة في الاستفتاء بشكل حقيقي إلا أن السلطة لا تريد إلا ان تسمع صوتا واحدا و هي سلطة ترتعد من أفعالها و لذلك فهي تمضي بإجراءاتها التعسفية المبالغ فيها بغلق كل أبواب السياسة مما أدى الي تغليب رأي الانسحاب داخل اورقة الحزب و خروج هذا القرار.

طوال الفترة الماضية انعقدت اجتماعات مستمرة كانت المناقشات فيها تتسم بالموضوعية و الهدوء و الاتزان و الاحترام المتبادل و المودة بين الجميع، لم أشارك في حياتي بمثل هذه المناقشات السياسية البناءة في بيئة هادءة و الجميع يخرج بحب و مودة بعد النقاشات إلا في مصر القوية، شكرًا لكل أعضاء الحزب و كل أعضاء المكتب السياسي و الأمانة العامة و الهيئة العليا و رئيس الحزب.

20140114-022540.jpg

20140114-022548.jpg

الضمانات للحد من التسريبات والشائعات

أثار انتباهي ردود الأفعال المتباينة حول تسريبات المكالمات التليفونية و لكن سرعان ما تأكد لدي بعد هدوء العاصفة ان لكل منا قناعة لا يغيرها و ان بت تؤذن في أذنه ليلة كاملة بكل دلائل الحق.

من كان يريد ان يسمع و يطرب أذنيه بنغمة العملاء و الممولين فقد نال مراده. و من يعرف حقيقة الأمور و ان التدليس و التلفيق و التجسس هي مهنة الضعفاء و مرتزقة الفضائح و الكذب، لم يصدق و ربما لم يستمع للمكالمات احتراما لنفسه قبل اي شيء.

بدأ الأمر بتسريبات مرسي و الحوار الذي اجري معه. ثم تلا ذلك تسريبات السيسي و الذي الى الآن لم ينفها او لم نسمع تحقيق فيها، و هذا حقنا ان نعلم كيف يتم تسريب لقاء بين قادة الجيش ؟ كما انه كيف يتم تسريب لقاء صحفي للسيسي؟ الذي يفصح فيه عن رغبات عميقة للسلطة و الشغف بها و يصل الى احلام عقله الباطن ليصور لنا مشهدا خياليا لبطل بسيف احمر. و مع ذلك فهذا التسريب لم يغير قناعة أحد، من أراد ان يصدقه فقد صدقه و من رأه تلفيقا فقد رأه تلفيقا.

التسريبات و الشائعات و ما أكثرها ؟ “الهرم سيتم بيعه” في عهد مرسي، “السيسي مات” في عهد عدلي أكثر من مرة، إلى اخر هذه الشائعات التي دائماً ما تجد من يصدقها. العالم كله ملئ بالشائعات و التسريبات و لكن لديهم من الضمانات ما يحجم من تأثيرها.

لدى مؤسسات الدول المتقدمة حد أدنى من الشفافية و ضوابط للإعلان و الإعلام. فنرى مثلا موقع وزارة دفاع الولايات المتحدة يصدر بيانا عن مكالمة دارت بين السيسي و وزير دفاعها فيعلم الشعب المصري من الانترنت قبل ان تصدر وزارتنا بيانا كهذا و ان صدر. تعلم الشعوب من صوت من نوابها ضد القوانين و من ساندها بينما لا نعرف نحن كيف من أصدر القانون، و من وراءه.في الدول المتقدمة تكون بيانات الموازنة العامة و مؤشرات النمو و الدين و الإحصاء و التعداد كلها بيانات متاحة بشفافية كاملة لمن يريد. الوثائق التاريخية و الرسمية للدولة و المؤسسات و العاملين بها كلها بيانات متاحة للجميع و فق قانون ينظم ذلك كله بينما نحن في مصر لازلنا نبحث عن معلومات دقيقة تخص حروبنا الاخيرة و التي مضى على اخرها ٤٠ عاما. أما عن التسجيل و التوثيق فحتى ثورة يناير لم توثق الى الان بشكل علمي، و هذه ليست بمفاجأة لان البعض يحارب كي يمحوا هذا التاريخ.

اما عن دولة القانون فحدث و لا حرج. ففي اي دولة في العالم نجد اجهزة الدولة تتنصت على من تشاء متى تشاء و يتم تسريب المكالمات و اذاعتها على شاشات التلفاز ؟ قد يحدثني البعض ان الولايات المتحدة تنصتت على ميركل.نعم هذا يدخل في إطار التجسس و يحدث بين اجهزة ضد اجهزة و بقانون و ليس من دولة ضد شعبها بدون اذن او قانون كما ان الاتحاد الأوروبي يتخذ إجراءات في الوقت الحالي لعدم تكراره. بل و نسمع في مصر عن بلاغات ضد من سربت لهم و لفق لهم و ليس استدعاء من سرب. يتعين وجوب حزمة من التشريعات تنظم إتاحة المعلومات و توثيقها و إعلانها بشفافية، بالاضافة إلى وجود قانون لمحاسبة كل من يشيع او يدعى على الآخر بغير وجه حق و يجرم التجسس و التنصت و انتهاك حرمة المواطنين.

رفع الوعي و محو الأمية هي الضمانة الثالثة لوضع حد لتأثير التسريبات و الشائعات. فمجتمع يستيقظ كل يوم على شائعة جديدة و يعيش على التسريبات و يتغذى على انتهاك الحرمات الشخصية هو مجتمع اللادولة و هو مجتمع أصبح فيه الجاهل عالما و الدجل و السحر طبا. فتلك التسريبات تضر المجتمع و تقصمه، ذلك لأن أغلبها يخرج عن بيئة غير سوية تنقل خبر أو معلومة مشوهة لغرض التشويه أو التشتيت.

اخيراً و ليس آخراً، وجود إرادة سياسية لتفعيل القانون و الدستور هو الضمانة الحقيقية لإقامة مجتمع متعلم، تقوم ركائزه على العلم، يحترم فيه خصوصيات و حرية المواطن، تتاح فيها المعلومة الدقيقة و يحاسب فيها المدلس. فلا تلفتوا إلي هؤلاء الكاذبين و توحدوا حول حلم لوطن يسع الشرفاء.

جراحون لا جزارون

قيادة المرحلة تحتاج إلى جراح ماهر يستأصل الورم بأقل خسائر راجيا العلاج و الشفاء بإذن الله واضعا قاعدة طبية و فقهية نصب عينيه “لا ضرر و لا ضرار”. لا نحتاج إلى جزار يقتل الأم ليعيش الجنين أو العكس و لا نحتاج بالتأكيد إلى أن نقتل الجميع كي يبقى مبنى المستشفى دون أذى. مع كامل الاحترام لمهنة الجزارة فهي واجبها الذبح.

من المسئول عن مقتل ١٦ جنديا مصريا في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي ؟ هل هما وزير الدفاع السابق محمد طنطاوي و رئيس المخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي ؟ الأول تم تكريمه بقلادة و الثاني بترقيته. من عين وزير الداخلية محمد إبراهيم ؟ محمد مرسي. ماذا قال الإخوان يوم الاتحادية عن الشرطة ؟ أنها خذلت مرسي. ماذا فعل مرسي بمحمد إبراهيم ؟ أبقى عليه و قال أن الشرطة عبرت العبور الثالث. من عزل مرسي ؟ قطاع عريض من الشعب، فانقلب عليه الجيش و الشرطة و انحاز إليه الإعلام و القضاء. ماذا فعل قطاع من الشعب يوم ٢٦/٧ ؟ فوض عبد الفتاح السيسي للحرب على الإرهاب. ماذا حدث بعد التفويض ؟ قتلت الداخلية المئات أثناء فض الاعتصامات و زادت الاغتيالات و التفجيرات و انتقلت للعمق. تم إعلان أن جماعة الإخوان إرهابية بدون حكم قضائي و التي ينتمي إليها الرئيس الذي عين السيسي وقت أن كان رئيس المخابرات الحربية. و بهذا الإعلان يصبح في مصر مئات الآلاف من الإرهابيين و يتم رصد أموال أكثر من ١٠٠٠ جمعية خيرية بعشوائية فيها إدانة واضحة لوزارة التضامن عبر عقود لعجزها عن مراقبة كل هؤلاء الإرهابيين. بماذا تمت إدانة مرسي ؟ الهروب من السجن و التخابر حين كان السيسي وزيره و قبلها رئيس المخابرات الحربية. ماذا بعد ذلك ؟ يترشح السيسي و يفوز لتكتمل قصة خيالية واقعية.

الإخوان مسؤولون ايضا لما وصلنا إليه من احتراب أهلي. فرفضهم للحلول السياسية و عدم إدراكهم لحجم الرفض لهم و سعيهم المستمر لمواجهة أجهزة الدولة و تبنيهم خطاب يصور معركة السلطة على أنها حربا على الاسلام بل و استخدام خطاب طائفي مقيت ظهر في بيانهم الأخير تعليقا على إغلاق الجمعيات الخيرية و الذي جاء فيه “وبعد هذه الحملة الشعواء على الجمعيات الخيرية الإسلامية انفتح الباب على مصراعيه أمام المنظمات التبشيرية التنصيرية لإخراج فقراء المسلمين من دينهم” كما جاء في البيان تعليقا على الحكومة “أم تريد من أثرياء المسلمين ألا يفعلوا خيرًا قط حتى يرضى عنهم أهل الغرب والكارهون للإسلام والمسلمين.” بالإضافة إلي خطاب لا يستنكر الهجوم على مؤسسات الدولة بل و يحرض على انقسام الجيش و الترحيب به في مواطن آخرى، كل ذلك يعطى غطاءا واسعا لكل العمليات التفجيرية و المواجهات الشعبية المسلحة.

تأتي لحظة الاستفتاء كلحظة فارقة بغض النظر عن النتيجة. لابد من الاتجاه للصندوق لوضع حد لصراع الشرعية الغائبة و تمتع الاستفتاء القادم بنزاهة كاملة هو مطلب أساسي لأي جراح سياسي ماهر يريد أن يخرج الوطن من عثرته. فلا يمكننا أن نقيم الاستفتاء ثم نطنطن بعد ذلك بنزاهته بعد أن نزوره، فالسياسة لا تؤخذ عنوة. فضبط الجناة في التفجيرات و مصادرة الأموال و صدور أحكام ثم يتلوها إعلان من هو الإرهابي هو التسلسل الطبيعي و ليس العكس.

مطلوب استكمال خارطة الطريق المعلنة بكل بنودها. فهناك بنود سقطت كميثاق الشرف الإعلامي و العدالة الانتقالية و المضي قدما نحو انتخابات برلمانية قبل الرئاسية كما تم الإعلان من قبل، فتكون هناك سلطة مشرعة و مراقبة قبل انتخاب الرئيس الذي يعطي له الدستور الجديد صلاحيات مطلقة. و في ظل الوضع الأمني تجرى الانتخابات بنظام القائمة النسبية المغلقة على كل الدوائر على مستوى المحافظات و يسمح للمستقلين بتشكيل قوائم كما يشترط وضع شاب أقل من ٣٥ سنة و امرأة في أول ٤ أماكن في القائمة. صدور قانون ينظم الدعاية الانتخابية و منع الشعارات الدينية و التحريض و حد أقصى للإنفاق و منع استخدام دور العبادة و مؤسسات الدولة في الدعاية الانتخابية. صدور قانون بمنع الجمع بين منصب حزبي و عضوية مجالس إدارة الجمعيات و المؤسسات الخيرية.

كي نحارب الإرهاب لا يمكن أن نمنع أي صوت مخالف لرأي السلطة. فكما أشرت أن الجراحة لا يجب أن تؤذي في سبيل القضاء على المرض. يجب فتح القنوات الإعلامية لأصوات المعارضة السياسية. كما يجب فتح القنوات الدعوية التي أغلقت لإرسال رسائل طمأنينة للمجتمع و إن كانت قنوات فضائية تبث من خارج مصر تتبنى الكذب فلا يجمح الكذب و يدحضه إلا الصدق و المهنية.

هذه لحظة جنونية لا يريد أحد أن يسمع و يكرر الجميع نفس الأخطاء و يبدوا أننا نسير نحو الهوية بسرعة مذهلة. حفظ الله مصر و حفظ شعبها.

تهنئة لعام ٢٠١٤

لم يكن لينتهي عام ٢٠١٣ حتى يقدم لي آخر ما فيه، مكالمة تليفونية لي مذاعة على شاشات التليفزيون، ضحكت في أول الأمر فالمكالمة لا تخرج عن حوار عن جلسة في اغلب الظن عقب استفتاء دستور ٢٠١١ حول حملة الدكتور البرادعي الانتخابية و قد تلاعبوا بالصوتيات بين قص و لزق للحوار لتوصيل معنى أرادوه. بعدها قلت فإن اتسامح في حقي فلا يمكن ان اتسامح في حق الشعب المصري في الحرية وحصانة خصوصياته و قررت ان ألجأ للقانونيين و أن اكتب بيانا تعليقا علي الأمر.

الذي فاجئني هو الهجوم البذيئ و شماتة بعض الناس و كأنهم قد انتصروا على غريمهم، هداكم الله و لكنني لم أفاجئ بتضامن الأصدقاء الجمال فأنتم السند الحقيقي. شكرًا لكم.

و مع ذلك فكل هذه الأفعال جعلتني أكثر إصرارا على أن يكون عام ٢٠١٤ عام عمل من أجل تحقيق الحرية للشعب المصري و تمكينه من طاقته و قدراته، عام تبلور كتلة ديمقراطية حقيقة مؤمنة بثورة ٢٥ يناير، فيا أيتها الأم الثكلى سنعمل على عودة حق ابنك الشهيد و يا أيها الأب الكريم سنعمل على توفير حياة كريمة لك و لأسرتك و يا أيها الطالب المجتهد أنت تستحق مناخ تعليمي أفضل و أجود و أكرم، و لذلك نحن و غيرنا نجتهد في صناعة البديل الذي تستحقه.

كل سنة و إن شاء الله المصريين كلهم بخير