معركة النقاط

مع اقتراب استفتاء ٢٠١٣ يعلوا جدل المشاركة و المقاطعة، و هو جدل أزلي بات يتكرر مع كل استحقاق سياسي. و في كل مرة يدفع كل معسكر برؤيته و كأنها رؤية منفردة للحقيقة و الحقيقة أن المشاركة و المقاطعة تأتيان ضمن خيارات تكتيكية يكملان بعضهم البعض طالما اتفق الفريقين حول الرؤية الاستراتيجية، فلا يوجد في هذه الحالة خلاف جذري.

و تحضرني أجواء انتخابات مجلس الشعب ٢٠١٠، حين نادى الدكتور البرادعي بالمطالب السبعة التي تضمن نزاهة الانتخابات و طالب بالمقاطعة، و التى تكون مجدية في حالة الإجماع فيصبح النظام معزولا، و هي لحظات نادرة في ظل وجود قوى سياسية متنافسة بالأساس، و مع ذلك ففي أوج التلاقي بين المعارضين تحت لواء الجمعية الوطنية للتغير لم يحدث هذا.فقد قاطعت الجمعية الوطنية للتغيير و حملة دعم البرادعي و حزب الجبهة بينما شاركت باقي الاحزاب و جماعة الاخوان المسلمين، و انسحب بعد ذلك معظم المعارضين في المرحلة الثانية.

و الحقيقة ان المشاركة في انتخابات ٢٠١٠ كانت من اهم أسباب قيام ثورة ٢٥ يناير، فالتزوير كان فجا و قد غّلقوا كل أبواب السياسة بفضل مشاركة الناس، فلما اندلعت شرارة الثورة انضموا إليها آملين في أفق أوسع.
و كذلك كانت مطالب البرادعي، فهي قد حددت أسس أي انتخابات سليمة و هو ما كان كاشفا عند حدوث التزوير بالتوازي مع الحشد و التلاحم معهم و جمع التوقيعات حول تلك المطالب وقد شكلوا بعد ذلك القوام الأساسي لشرارة الثورة الأولي، لذلك فلا تعارض بين المشاركة و المقاطعة اذا كان المنطلق واحد.

الناس اليوم منقسمون إلي مقاطع و مشارك سواء بنعم أو بلا، فالمقاطعون يرون أن هذا نظام غير شرعي أتي بعد أن عزل رئيس منتخب و ألغى دستور مستفتى عليه من الشعب و حل مجلس الشورى، بينما يروج المعسكر الآخر أن مقاطعة الدستور أو التصويت بلا، هو رفض لمسار ٣٠ يونيو.

بينما يرى البعض المشاركة و التصويت بلا، فهم شاركوا في ٣٠ يونيو و طالبوا بانتخابات رئاسية مبكرة فأعطتهم السلطة الحالية حظرا و دما و قمعا و حصارا للطلاب، طالبوا بالعودة للشعب بينما أعطتهم السلطة دستورا يعلى الدبابة فوق إرادتهم و يؤسس دولة داخل دولة. هؤلاء يشاركون لأنهم قد تعلموا من التاريخ ان التلاحم مع الناس هو ما يبني تيارا مؤثر، تعلموا أن المشاركة و بكثافة تمنع التزوير أو تجعله فجا فينكشف الآخر، تعلموا أن معارك الوعى و الديمقراطية هي معارك طويلة المدى و كسب النقاط و ليست معارك صفرية.

يا من ذهبت للصناديق و وقفت في الطوابير مرارا ثم ذهب صوتك هباء، اني أسمعك، يا من سئمت من السياسة و الدستور و تريد فقط أن تحيا في وطنك كريما إني أسمعك و أعذركم جميعا في يأسكم و انصرافكم عن السياسة. يا من ترى طريقا واحدا للأمام بالتصويت بنعم إني أتفهمك و أسمعك.

أيها المواطن الكريم، أعلم أن لولا اختيارك في الصناديق ما كنا لنتعلم و ما كنا لنمحص و نفرز و ها أنت قد جربت ٣ سنوات من السياسة فهل رأيت عجلة تدور بفضل أي اختيار ؟ فالعجلة لا تدور إلا في منظومة صحيحة و هذه المنظومة تتطلب بناء كيانات ديمقراطية حقيقية متنافسة لا دكاكين مصالح شخصية، هذه المنظومة تتطلب وجود خيارات عديدة و السماح و تقبل بوجودها. فنحن لسنا مطالبين دائماً أن نختار بين أسوأ الخيارين، إما الاختيار بين النظام القديم أو جماعة الاخوان في الانتخابات الرئاسية، ثم بين الاستمرار في حكم مرسي أو حكم عسكري بواجهة مدنية ثم أن نختار بين مقاطعة و بناء دولة غير مستقرة هاشة، شرعية حكامها مهددة بسبب الدم الذي أريق و قوامها معوج بفضل دستور إذا قلنا نعم. أيها المواطن الكريم لا تقبل الدنية في وطنك و أطلب دائماً الأفضل و لا ترضى بالقليل. لم يبينوا لنا مسار التصويت بلا في استفتاء مارس ٢٠١١، و وضعوا مسار نعم تحت سيف الإعلان الدستوري و اليوم يريدون أن يمرروا نعم بدعوى الحرب على الإرهاب و الاستقرار و كأننا لا نتعلم.

سأذهب للتصويت بلا و سأدعوا لأسباب الرفض و ظني أن هذا الدستور سيمر بفضل تجارب الاستفتاءات في معظم العالم و بفضل التجربة المصرية التي تدخل استفتاءها الثالث في غضون عامين و لكنني أعلم أن المعركة طويلة و أنها ليست الأخيرة و علينا أن نتعلم أنه كي نبني وطنا فعلينا أن نثابر و نمحص و نختار حتى نضع أرجلنا على أول الطريق الصحيح.
منشور في موقع مصر العربية ١١/١٢/٢٠١٣ د أحمد شكري