أن كفوا عن التعريض

التعريض، الكلمة التي قالها الطالب في خطبته الأخيرة, وهي في المعجم: عرض يعرض تعريضا ، وعرض به ، إذ بلغه بفحوى الكلام والتورية ، ويقابله التصريح . ويقال له أيضا المعراض، وهو ليس بكذب ؛ بل هو كلام له وجهان، أو عدة أوجه، ويكون قصد المتكلم منه أن يفهم السامع خلاف ما يقصده هو.

لم يكن معروفا بين زملائه, خافت الصوت متوسط الحال قادم من الصعيد. التحق بكلية الاقتصاد عام ٢٠١٠ بعد أن كرمه محافظ أسيوط في حفل أوائل الثانوية العامة. لم يهتم أبدا بالسياسة حتى سمع عن استشهاد خالد سعيد بالإسكندرية و بدأ يتابع القضية على صفحات الانترنت. شارك قبل الثورة في سلسة بشرية على كورنيش النيل بالمعادي ممسكا مصحفه قارئا صورة “يس” للشهيد الذي تعلق به. في ٢٤ يناير كتب تعليقاً على الانترنت “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم” و خرج في اليوم التالي مع الجموع, مرددا ” عيش, حرية, كرامة إنسانية” و هو الشعار الذي زلزل كيانه في ذلك اليوم و أقسم عند دخوله ميدان التحرير أنه سيحيا ليحققه, فلقد أدرك أن السور قد انكسر و أن ما رأه و شعر به في هذا اليوم لن يتنازل عنه ما دام حيا.

الأسبوع الماضي وقف الطالب في عام تخرجه الأخير على سلالم الكلية وسط الطلاب مناديا : “أيها الناس, ها قد مضى 3 سنوات على ثورتنا و لم نحقق شيئا. فإني لست بأحسنكم و لست بأشجعكم و لست بأقربكم لمبادئ الثورة و لكنى أحب وطني و إني موجه نصيحة لكم : أن تكفوا عن التعريض!”

ثم نزل وسط الطلاب مرددا شعارات الثورة و لكنها لحظات حتى أصابته رصاصة حمقاء أرادته شهيدا في الحال. لم يصدق زملاءه ما رأوه و حاولوا إنقاذه ولكن القدر قد قال كلمته. أخرجوا من قميصه الأبيض ورقة قد أغرقت بدمائه و قد كتب في ما بدا لهم خطبته الأخيرة و التي سمعوا أولها منذ دقائق على سلالم الكلية: “…أيها القضاة , في ٢٠١٠ قد علمتم أن الانتخابات قد زورت و أغلقت اللجان و روع الناس بالبلطجية ثم ختمتم بأختامكم النتائج و خرجتم و قلتم ما شهدتم داخل لجانكم و أنتم تعرفون أنكم معزولين عن الواقع, لم تكذبوا و لكنكم عرضتم. في ٢٠١١ أعطيتم البراءات و أنتم تعلمون أنهم مفسدون و قتلة, لا توجد أدلة, نعم لم تكذبوا و لكنكم عرضتم, و أخيرا لم تتهاونوا في إعطاء الفتيات أحكام مشددة دون رأفة.

أيها “المعسكر المدني”, تصيحون في الاعلام ليلا نهارا و تدندنون بالديمقراطية و المدنية و الحريات, ولا أرى منكم إلا تعريضا. بصمتم بفض الاعتصام بالقوى المفرطة و طفتم العالم تدافعون عن النظام المدني و تتمنون لو أن يرأسه عسكري, ولما لا فالظاهر مدنى و الباطن عسكري, و التعريض هو السائد. تمنعون في الاعلام ما يوافق هواكم تحت دعاوى التعريض.

أيها “الإسلاميون” كما تحبوا أن تسموا أنفسكم , أنتم أيضا تعرضون, و أول ما قرأت عن التعريض كان في كتبكم, و جاء مرسي و جماعته ليمارسوا التعريض على أعلى المستويات. فهذا دستور لن تطرحوه إلا بعد توافق مجتمعي, فيدعى للاستفتاء عليه تحت سيف الاعلان الدستوري القاسم لمصر, رافعين مبدأ التعريض فوق كل شيء مرددين أن المعارضين يريدون أن يعرقلوا المسيرة, فهم بالتأكيد يريدون أن يعرقلوها لأنها في الاتجاه الخاطئ. و كان من أعظم المقولات التي عرض بها هي مقولة مرسي هي أن الشرطة عبرت العبور الثالث في ٢٥ يناير.

أيتها الداخلية, قد خرجنا ضد ممارساتك في ٢٠١١ و دائبتي على قتل أخوتي الطلبة طوال العامين ثم خرجت يوم ٣٠ يوينو تعرضي و تقولي أنك في خدمة الشعب, و لا أعلم عن أي شعب تتحدثي فأنت بالفعل في خدمته توفرين له القنابل المسيلة للدموع بشكل يومي غير منقطع مثل خدمات السولار و الكهرباء, ترمينا بالخرطوش و الرصاص الحي و المطاطي بين الحين و الآخر حتى لا نمل, ثم أخيرا خرجت لتعزي من قتلت بمحمد محمود, فكفي عن التعريض و أعلمي أنك جزء من الشعب و خادمة له و لن ينصلح حالك إلا بالعدل في مؤسستك و في عملك.

أيها الجيش الحامي لمصر, قد جمعتم الناس للتفويض للحرب على الإرهاب و ها قد عرضتم. فالإرهاب يضربنا كل يوم على حدودنا و الدبابات تملئ حوارينا, و بات الناس تقول, ما لهذا قد جمعتنا, فأضرب بيد من حديد على أعدائنا و أترك لنا السياسة تجمعنا و تفرقنا فتلك دروب لا شأن لك فيها أو معرفة بها.

ثم أنهى رسالته ” أن كفوا عن التعريض”

وبعد أن أنتهوا زملاء الطالب الشهيد من دفنه ذهبوا ليجلسوا ببيته و يرفعوا الآلام عن أهله و إذ يسمعون وزير التعليم يقول بالراديو” أن الرصاص بيلسع و ليس خرطوش” فصاحوا في نفس واحد ” نعم أنه بيلسع و لكنه يقتل أيها الوزير فكف عن التعريض.”

هذه قصة طالب تخيلية و لكن بها الكثير من الحقيقة طالما هناك معرضون بيننا، و كي لا نكون منهم يجب إبعاد الجيش بالكلية عن السياسة و تبنى حلولا سياسية للخروج من الأزمة و إلا فنحن أمام سيناريوهين فإما أنها ثورة ثالثة قادمة أو نظاما هاشا قائما على المصالح و الموائمات الخارجية و المعونات. و في ظل دستور يهدد مفهوم الدولة المدنية مثله مثل دستور ٢٠١٢ و مع إصرار السلطة على تبني الحل الأمني و قمع الحريات، فلا نهضة لمواطن يُقتل أو يهان، فيا أيتها السلطة الحالية: أعدلى أو استعدي للرحيل.