أم الدنيا .. أد الدنيا

منذ أيام دار حوار عائلى محتدم بين العشرات من أفراد العائلة مستخدمين أجهزة المحمول بين مهاجر إلى أمريكا وألمانيا وإنجلترا وقطر والسودان حول القول المأثور «مصر أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا»، وبين مكايد للآخر وساخر منه ومدافع ومعارض للانقلاب تطرق الحديث إلى معان أعمق عن وضع مصر السياسى والاقتصادى ومفهوم الوطن.
لاشك أن تلك المقولة أثارت ردود أفعال عديدة عند جموع المصريين وكتب الكثيرون بسخرية محاولين فهم كيف أن تكون مصر «أم الدنيا» ثم تصبح بعد ذلك «أد الدنيا». ويردد آخرون المقولة كنوع من الفخر بالوطن، إلا أن المعنى البسيط الذى يراد به القول وبعيدا عن الفلسفة والسخرية، أن مصر كانت دولة رائدة وستستعيد يوما ما هذه الريادة.

ينقسم المصريون إلى مُفرطْ فى ترديد مقولات مثل «الطفل المصرى أذكى طفل فى العالم» و«احنا حضارة سبعة آلاف سنة» وآخر مُفرّطْ مرددا «احنا شعب ما يمشيش إلا بالبيادة» و«احنا محتاجين قنبلة نووية كى نبدأ من جديد». وكى ننطلق إلى الأمام لابد من إرساء العديد من الحقائق.
حقائق مُثبطة: هذا الحوار العائلى بالتأكيد دليل على أننا لسنا «أم الدنيا» فى هذا العصر، فالمحمول والشبكات والبرمجيات المصنوعة بالكلية خارج مصر وهجرة الكثيرين دليل دامغ على أننا لسنا بأم أو حتى أب. نحن الآن نتمركز فى قاع جداول مؤشرات التقدم. ففى تقرير التنافسية العالمى الأخير جاء ترتيب مصر بعد المئة بين الدول فى معظم المجالات ونحتل المركز ١٤٥ بين الدول من حيث كفاءة العمالة لسوق العمل. ثانيا، نمر الآن بأسوأ ظروف مجتمعية، بين غياب للأمن الداخلى وتهديدات إرهابية على الحدود وظروف اقتصادية صعبة وقاسمة للأسرة المصرية وأخيرا تحولات سياسية عنيفة لا تنبئ بأى استقرار. ففى غضون ثلاث سنوات سنكون قد أجرينا ٣ استفتاءات وحاكمنا رئيسين ولا أستبعد أن يكونا آخر الحكام خلف القضبان فى العشر سنوات المقبلة.
حقائق محفزة: أولا، نحن أصحاب حضارة قديمة وقد حققنا بالفعل الكثير من النجاحات على مر العصور وعلى جميع الأصعدة الإنسانية والعسكرية والفكرية وآخرها ثورة ٢٥ يناير والتى أكدت أهم معنى وهو مفهوم الوطن والمواطن. ثانيا، لا فرق بيننا وبين أى دولة عانت فى فترة من فتراتها من تأخر حضارى ثم استطاعت فى زمن وجيز أن تنهض وأن تضع أقدامها بين صفوف الدول الرائدة. ثالثا، نمتلك طاقة بشرية هائلة ومعظمها من الشباب كما نمتلك من الموقع الجغرافى والمناخ والإطلال على البحور والتى تصل بينهما قناة السويس ميزة تنافسية عالية فى القارة والمنطقة بأن نصبح مركزا للتجارة والخدمات. لدينا من الآثار والمواقع السياحية ما يؤهلنا على الأقل بأن نكون من أعلى عشر دول جاذبة للسياحة. لدينا نهر النيل وإن كان مهددا الآن بسد النهضة إلا أننا بالمقارنة لدول المنطقة، لدينا تفوق نسبى وبالإضافة إلى الأساليب الحديثة للترشيد والاستهلاك يمكننا الاعتماد عليه بشكل كبير، وكل ما سبق فهو للاستدلال على أننا نستطيع.
إذا كنا فى يوم من الأيام فى نقطة «أ» وهى «أم الدنيا» ونريد أن نصبح فى نقطة «ب» وهى «أد الدنيا»، بمعنى آخر نريد أن نستعيد ريادتنا وتقدمنا، فلكى نصل إلى النقطة «ب» علينا اتباع الخطوات العلمية للوصل للهدف.
أهم خطوة هى تبلور معنى للوطن عند المواطن. فقد لفت انتباهى مقولة معلقة فى ساحة انتظار سيارات علقها صاحبها، أن كلمة وطن من المواطن، فلا وطن بدون المواطن. وهى مقولة بسيطة إلا أن معناها عميق وعظيم. فطرحت سؤالا على صفحتى على موقع التواصل الاجتماعى «الفيس بوك»، ما مفهوم الوطن عندك؟ فجاءت الأجوبة بين محب بلا حدود أو قيود وبين محب للأهل والصحبة وأخيرا حب مشروط بالحرية.

حين يغيب العدل ويعم الظلم فلا معنى لوطن. حين يهان الناس ولا يأمنون على أولادهم وأهلهم فلا معنى لوطن. حين يسجن الناس ويقمعون فلا معنى لوطن. حين يفضل فصيل على فصيل أو طبقة على طبقة أو دين على دين أو حتى جنس على جنس فلا معنى لوطن. هذا ما خرجت الجموع له فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو. فلا نتعجب إن خرج الناس مجددا. فأى وطن سيأوى بنات تم احتجازهن لتعبيرهن عن رأيهن وأى وطن سيأوى طلاب حوكموا بالسجن لمدة ١٧ عاما فى أحداث الأزهر؟ نعم قد أخطأوا ولكن أين العدل فى الحكم عليهم فى محاكمة استغرقت أياما بينما القتلة والمفسدين مازالوا يمرحون؟
فالخطوة الأولى إلى «أد الدنيا» هى السِلم الاجتماعى وهذا يأتى برفع الظلم وإعطاء الحقوق ومحاسبة المخطئين والقصاص من القتلة بالعدل وبالقسطاس المستقيم. حين تتحقق الخطوة الأولى نبدأ فى الخطوة الثانية وهى رفع الواقع ومصارحة الناس والمسئولية المشتركة، حاكم ومحكوم. ننطلق بعدها إلى الخطوة الثالثة وهى وضع تصور ما هو شكل «أد الدنيا»؟ إلى أين نريد أن نذهب؟ ما هو شكل الوطن الذى نحلم به؟ أين نريد أن نقع بين الأمم بعد ٢٠ عاما كمثال؟ ثم الخطوة الرابعة وهى وضع الخطة للوصول إلى «أد الدنيا» التى تصورناها. خامس الخطوات هى أن نحشد الطاقات والإمكانات والتحفيز وهنا تتجلى إرادة الشعوب فى تخطى الصعاب والتحديات. وأخيرا المتابعة والتقييم المستمر لما تحقق وتقويم الأخطاء.
هذه هى الخطوات للوصول إلى «أد الدنيا»، ولا يصح أن تتقدم خطوة على الأخرى، فلا رفع واقع ولا تصور أو خطة دون إقامة العدل. قد يحاول البعض المضى قدما دون اتباع الخطوات الصحيحة ولكنها حتما ستكون محاولات مبتورة. نعم كنا «أم الدنيا» ونستطيع أن نصل إلى «أد الدنيا» ولكن علينا أن نسلك الطريق الصحيح، وعلينا أن نفهم معنى الوطن، فهو متلازمة الأرض والناس، الذين يصنعون التاريخ فوق أرضه ويموتون عليه ومن أجله والدفاع عنه، ويتعايشون فوقه مشاركين بعضهم البعض، يبتغون العزة والكرامة ويجمعهم مصير واحد، فحتى إن ذهبت الأرض بقى الناس والتاريخ وإن ذهب الناس بقيت الأرض والتاريخ.

مجتمع الأطفال

يجري الطفل مندفعا و هو يلعب فيقع على الارض فترفعه أمه و تضرب الأرض و كأن الأرض هي السبب في وقوعه رغم استواءها و ضعف اتزانه و اندفاعه بغير ادراك لإمكانياته. أحيانا نفسر لأبنائنا الحياة بشكل مبسط أكثر من اللازم، فلا نعلمهم أنهم مسؤولون عن أفعالهم و أنهم اذا أرادوا النجاح فلا مجال للتخلي عن المسؤولية او إلقاء اللوم على الغير.

أشهر من قسم الناس إلى فسطاطين بصورة “اما معنا او ضدنا” في العصر الحديث هو بوش الابن في حربه المزعومة على الإرهاب عقب احداث سبتمبر ٢٠٠١. و هو نفس منهج السلطة الحالية في التعامل مع الأحداث تحت نفس المسمى “الحرب على الإرهاب”. و لا يختلف عنهم معسكر الشرعية المزعومة في تعاملهم مع المجتمع المعارض لهم بوصفهم “عبيد البيادة، محبي الخنوع، عبيد هذا الزمان” الى آخر الألفاظ البذيئة. فتجعلك تتعجب من الفسطاطين ، سلطة لا تتعلم من الماضي تعتقد أن الحل الأمني لا يوجد له رد فعل و تنتظر انتعاش اقتصادي في ظل بث مستمر لشعار الحرب على الإرهاب عبر كل الوسائل الاعلامية, و معارضون ينتهج بعضهم العنف كوسيلة للتغيير, و تعطيل المصالح و وقف الاقتصاد سبيلا لضحد الانقلاب و يصفون شعبا بكل البذاءات، ثم يتوقعون أن يحكمونه.

طوال فترة حكم محمد مرسي لم ينفك مؤيدوه عن ترديد نظرية المؤامرة، فالكل يعمل ضده، معارضون، قضاء،شرطة و اعلام و بدلا من ممارسة السياسة و العمل على دمج الناس و توحيدهم و تحييد المعارضين، بدوا و كأنهم يسعون إلى زيادة الهوى و شق المجتمع.على الجانب الآخر تشهد هذه الأيام تجلي لنظريات المؤامرة من السلطة و مؤيديها، و سواء كان تبني نظرية المؤامرة كنوع من الإلهاء و التخدير للمجتمع او عن اقتناع حقيقي بها، الا ان هذه النظرية تلقى رواجا في اذان الناس و تتغذى عليها عقول و قلوب دأبت الاستسهال و اتباع الهوى. فكل دول العالم تتآمر ضدنا و هناك آلاف الخلاية النائمة و مئات الطوابير من العاملين سراً بيننا يتبعون سلطة المرشد الأعلى.

دائماً ما أتذكر قصة الفيل الذي يتحسسة الناس و هم معصوبين العينين، فيمسك أحدهم ساقه فيصفها بأنها كالحجر, عريض و قوي و ثابت، بينما يمسك الآخر الزلومة فيصفها بالطول و اللين و الحركة، و الحقيقة أنه فيل و هذه الحقيقة لها أوجه مختلفة و مركبة. فالله لم يخلق الكون ثنائي الألوان بين الأبيض و الأسود، لم يخلق الله الانسان على شكل واحد، بل حتى العينين قد يختلفان في الشكل بل و اللون احيانا، كل ما في هذا الكون يصيح بالتعدد، تلك هي الحياة، مركبة و متنوعة و كذلك هو توصيف اي مشهد سياسي.

ليس بالضرورة أن أرفع رمز رابعة كي أكون معارضا للسلطة الحالية، فهو رمز للاستقطاب و التحريض و الصد عن الدعوة, كما أنه رمزا لمذبحة قامت بها السلطة، فاستشهد من الجانبين أبرياء بغير حق. و هو رمز لمرحلة كانت لابد أن تنتهي و لابد من محاكمة من قَتل فجعل منها رمزا. و لا يعني ذلك مصادرة حق من يعتبرها رمزا لأي شيئ آخر، بل و التعبير عن ذلك بحرية و بسلمية و لكن الكثيرون يعجزون عن فهم اي موقف يخرج عن عقلية الثنائيات التي تربوا عليها و يري ذلك نوعا من المؤامرة الخفية, فيصعب على الفسطاطين، السلطة و رافعي شعار رابعة، مخاطبة ذلك الفصيل الوسطي أو الرمادي كما يحلوا لهم وصفه.

الحقيقة فيما سبق أننا أمام مجتمع يتمتع الكثير فيه بعقلية الأطفال, فهو عاجز عن تفسير مآلات أفعاله و تحمل مسؤولياته، مجتمع أفضل ما يملك هو لوم غيره و تصنيفه بالضد إن لم يكن معه. يدمن الثنائيات و يعشق التصنيف و التبسيط ويعيش على رد الفعل. مجتمع لا يعرف الحقائق المركبة و التعددية و تحمل المسؤولية و المبادرة. فهل ندرك يوما أننا نعيش في عالم ملون و مركب وحي و لا نعيش في عالم أبيض و أسود و مسطح و يابس ؟