عين العدل

فازت مصر على غانا فى عهد الرئيس المنتخب محمد مرسى وصعدت إلى كأس العالم بعد غياب ٢٤ سنة واستقبل الرئيس مرسى المنتخب فى قصر الاتحادية وهنأهم وشد من أزرهم من أجل مواصلة المشوار وتمثيل مصر فى البرازيل عام ٢٠١٤ خير تمثيل لمصر الثورة، مصر الحرة مصر المنتخبة.
فازت مصر على غانا وسحقتها بأربعة أهداف نظيفة فى مباراة العودة ليصبح محصل نتيجة المباراتين ذهابا وإيابا ٦ لمصر مقابل صفر لغانا وبذلك تصعد مصر إلى نهائيات كأس العالم بعد غياب ٢٤ عاما وبعد ان انزاح عن حكم مصر رئيس فاشل فلما ذهب جاء الخير على يد خير أجناد الارض.
انهزمت مصر هزيمة مدوية فى عهد الرئيس مرسى لا أراه الله خيرا بعد ان جلب لمصر وجماعته نحسا مستمرا من اول سد النهضة إلى حادثة قطار أسيوط حتى قيل إنه بات يجلب الشؤم لكل بلد يزوره.
كل ما سبق هو تأويلات مختلفة لسيناريوهات كان من الممكن أن تحدث ولكن ما حدث هو أن كثيرا من أنصار مرسى كان رد فعلهم: انهزمت مصر ٦/١ ومنيت بأكبر هزيمة لها فى تصفيات كأس العالم وخرجت عمليا من التصفيات ولِمَ لا؟ فسلطة الانقلاب لا يمكن أبدا ان تجلب الخير لمصر وكيف يبارك الله للقتلة والمجرمين بل وسارقى إشارة البث، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين.
●●●
تذكرنى هذه التفسيرات بلعب الأطفال الكرة فى الشارع فيقع بينهم خلاف حول صحة ركلة جزاء ثم يتصدى لها احدهم فتضيع فيصيح الآخرون «شفت ربنا» معلقا على عدالة السماء التى تغنى بها محمود بكر فى مباراة مصر وهولندا وهدفنا اليتيم والذى فيما يبدو سيصبح مقررا علينا لأربعة أعوام مداد اخرى.
سجد بعض الناس شكرا لله بعد ان هزمت مصر فى ١٩٦٧ كى لا ينتصر من بغى فى الارض وحارب الدعوة من وجهة نظرهم ويصبح فتنة للمسلمين كما انهم هم أنفسهم هللوا لنصر١٩٧٣ بعد أن كبر الجنود اثناء العبور وربما يكونون قد كبروا مجددا لمقتل السادات الذى عاهد الصهاينة على السلام على حد قولهم.
نفسر أمورنا بتفسيرات طبقا لهوانا ورؤيتنا وتنزل عدالة السماء على مختلف المواقف وان تضادت ولكننا كثيرا ما لا ندرك الأسباب الحقيقية للنصر أو الهزيمة. هناك قواعد ثابتة لا يمكن الجدال فيها ومنها أن الله عدل وانه لا يظلم احدا كما أن التقوى مرتبطة بالخير والبركات والرزق ولكن من يجتهد ويعمل ويخطط يصل إلى هدفه وهذا عين العدل.
●●●
الفرق بين التوكل والتواكل، موضوع درس الدين الذى درسناه مرارا وتكرارا ومع ذلك نخلط الفهم، لماذا لا ندرك أننا نتحكم فقط فيما بين أيدينا وانه لا دخل لنا فيما ليس بأيدينا وأننا سنحاسب فقط على ما فى وسعنا ولن نحاسب على ما لا نملكه أو نستطيع تغييره؟ ننظر إلى الأحداث كأنها جزاء أو عقاب طبقا لتصرفاتنا وكأن العقاب أو الثواب يجب ان يكون فوريا مع اننا نعرف يقينا ان هناك آخرة.
اذا كنا نريد ان ننهض وان نبنى وطنا علينا ان نعلم قاعدة واحدة وواضحة وسهلة «من جد وجد ومن زرع حصد». هذا الجد يتطلب ان نبحث عن أسباب الهزيمة وهى جلية وان نخطط للمستقبل بالعلم والعمل، فلا مجال للتأويلات وادعاء الحكمة أو أننا من الفرقة الناجية. نعم علينا أن نتفكر فى ملكوت الله وأن نتبصر فى خلقه وقدرته ولكن علينا أن ندرك أن فهمنا قاصر وإدراكنا للزمان والمكان أقل كثيرا من حكمة الله فى تقديره وتصريفه.

أحمد شكري الشروق ٢٣/١٠/٢٠١٣

في معاني الاستقلال

استقلت الدولة، أى تخلصت من الاحتلال أو الهيمنة الخارجية. حينما نقول إن هذا الكاتب مستقل نعنى أنه ليس لديه انتماء سياسى أو حزبى وأنه يجتهد كى يكون حياديا فيما يكتب. حين نصف أحد أبنائنا أنه مستقل نعنى عادة أنه مستقل ماديا أو أنه لا يتأثر برأى غيره فى قراراته بصفة عامة. هذه المؤسسة مستقلة وغير هادفة للربح نعنى بها عادة أنها مؤسسة تعمل للصالح العام، وهذه هى نقابة مستقلة تعمل بمهنية وتدافع عن مصالح أبنائها بعيدا عن السياسة، أمثلة كثيرة وسياقات مختلفة لمعنى الاستقلال.
فإذا جردنا معنى «الاستقلال» من كل السياقات قد نصل لهذا المعنى: الاستقلال هو التخلص من أى تبعية أو مؤثرات خارجية مع اتخاذ قرارات أو القيام بأعمال نابعة من قناعاتك الداخلية ومبادئك محققا طموحاتك وأهدافك.
•••
هناك بعض الأسئلة لابد من طرحها: هل معنى الاستقلال الحرفى مطبق بالفعل على مستوى الفرد أو المؤسسات أو الدولة؟ بشكل عام، على جميع المستويات هناك نماذج طبقت معنى الاستقلال، ولكننا فى مصر كدولة لم نستقل بعد. فنحن لا نملك قوتنا اليومى ولا نستطيع الاعتماد على انفسنا سواء فى غذائنا أو سلاحنا كما أن أمننا المائى مهدد وليس لدينا سيادة كاملة على أراضينا فبالتالى فنحن دولة غير مستقلة لا تستطيع أن تأخذ قراراتها بعيدا عن مؤثرات خارجية. بالطبع هناك مساحات للتحرك السياسى نتحرك فيها ولكننا ندرك أن هذه المساحات محدودة وكلما زادت المساحات زادت معها المخاطر والتبعات.
هل مطلوب الوصول لذلك الاستقلال الحرفى على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول أم ان هناك دوائر انتماء وعلاقات تفرض عليك وضعها فى الاعتبار حين تأخذ قرار أو تقوم بفعل؟
بالتأكيد الاستقلال لا يعنى الاستبداد ولا يعنى الانفصال عن العالم. فعلى مستوى الفرد، فالإنسان عضو مؤثر ومتأثر بدوائر مختلفة سواء بدائرة أسرته أو محيط عمله أو انتمائه لمجموعة أو ناد أو جماعة. كذلك المؤسسة مملوكة لأفرادها أو أعضائها ولكنها غير معزولة عن مجتمعها، مثلها مثل الدولة المصرية. فنحن لا نعيش فى هذا العالم وحدنا كما أن تاريخنا ومصيرنا مرتبط بدوائر انتماءاتنا المختلفة العربية والأفريقية والإسلامية وهكذا.
قرارات وأفعال الأفراد والمؤسسات والدول مرتبطة بترتيب أولويات الانتماءات لكل كيان وهذا الترتيب يدخل فى الوعى والقناعات للأفراد أو فى القانون والدستور للمؤسسات والدول ولا يعد ذلك تأثيرا خارجيا أو إخلالا بالاستقلال وإنما مبادئ ومحددات قيَميّة.
هل يجب أن يسعى الأفراد وأن تسعى المؤسسات والدول نحو تحقيق هذا الاستقلال؟ ما هى دوافع النزعة الاستقلالية وما مثبطاتها ومتى ينتهى هذا السعى وما هى حدوده ومحدداته؟
عند لحظة الولادة لا يملك الانسان من أمره شيئا ويعتمد على أمه اعتمادا كليا ويظن أنه مركز الكون ثم يبدأ فى اكتشاف دوائر انتمائه ودوائر تأثيره. ثم يختلف سعى البعض عن الآخر فى الاستقلال المادى والفكرى، فمنا من يظل معتمدا على غيره ومنا من يسعى منذ الصغر إلى الخروج من دوائر التأثر وتعظيم دوائر التأثير. ثم يبدأ البعض مرحلة الهبوط فيفقدون دوائر تأثيرهم ويشيخون ويزداد اعتمادهم على ذويهم وفى النهاية يرجع الجميع إلى نقطة الصفر فلا يملكون من أمرهم شيئا ويحل الموت على الجميع. والشعوب التى لا تزال تسعى للاستقلال فهى كالأطفال تحبو أما الشعوب التى سكنت فيها المقاومة وارتضت بالخنوع فهى شعوب ميتة.
•••
دوافع الاستقلال والاعتماد على الذات تنشأ فى التربية عند الصغر ويمكن زرعها فى أى وقت بالتعلم ورفع الوعى. كما أن قدرات الناس وفهمهم وخَلقهم يختلف فمنهم من جبل على التحرك والتحرر والاستقلال ومنهم من يركن إلى الكسل والعبودية والتبعية، والمجتمع نتاج أفراده.
فوعى الأفراد وتحركاتهم وسعيهم للاستقلال يشكل وعى المجتمع وسعيه للاستقلال. وحين تستقل الدول من الاستعمار تسعى بشكل مستمر نحو استقلالها الاقتصادى والاعتماد على مواردها المادية والبشرية كما أنها تسعى لفرض سيادتها الكاملة على أراضيها، وأى حائل بينها وبين تملكها لمواردها ومقدرتها هو حاجز بينها وبين استقلال قرارها وأفعالها وفق قيمها ومبادئها.
ولذلك عند ولادة الشعوب من جديد بقيام ثورات أو زوال استعمار عليها أن تدرك أولا أن الاستقواء بالداخل هو أولى خطوات الاستقلال. والاستقواء بالداخل يعنى إدراك أن قوتك فى قوة تلاحم شعبك وتشابك نسيجه. كما على الشعوب إدراك دوائر انتماءاتها ومحيط تأثيرها وأن دائرة الانتماء الأولى هى دائرة الوطن وليس غيرها ثم تليها بعد ذلك الدوائر الأخرى.
ستظل الشعوب فى صراع مستمر نحو الاستقلال ولن تستطيع أن تقوم بنهضة حقيقية وفق مبادئها وقيمها سوى بالاستقلال التام.

أحمد شكري

اقرأ المزيد هنا: http://shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16102013&id=1823c387-7597-4fb3-a71d-64e413d5c9ed