من القواعد الكلية .. المتابعة و المحاسبة

إن الناظر المتأمل فى السماوات والأرض لا ينتابه شك فى أن هناك قواعد عامة تحكم هذا النظام المحكم وأن هناك مبادئ وسننا تشكل إطارا عاما لكل ما فى الكون من مخلوقات وجماد.
فالموت حقيقة تصيب كل المخلوقات عند انتهاء أجلها وتصيب كل المؤسسات فى صورة بيع للأصول أو إفلاس فى وقت ما ويعصف بالدول فى صورة إفلاس أو انهيار أو مجاعة أو احتلال فى وقت ما ويصيب الموت الحضارات فتدمر أو تنتهى أو تضمحل فى وقت ما. وهكذا فقد يجمع كل ما فى الكون قواعد منظمة يراها كل ذى لب متفكر.
ومقدمات وأسباب الموت فى الانسان والمؤسسات والدول تكاد تكون متشابهة إلى حد بعيد باستثناءات خاصة ترجع بالأساس لطبيعة خلق أو حجم هذا الكيان.
وأسباب نجاح الانسان والمؤسسات والدول تتشابه ايضا إلى حد بعيد. فالإنسان الساعى فى الأرض المتعلم، قوى الجسد، مثله كالمؤسسة الإيجابية قوية التنظيم مبنية على أسس علمية مثلها كالدولة القائمة على العلم والقوة.
ومقياس النجاح نسبى فرب انسان ناجح فى عمله قوى البنيان لديه المال والسلطان لكنه عديم الأخلاق مكروه بين أقرانه مثله كمؤسسة صناعية لديها من المال والأصول والمنتجات ما تغزو بها الأسواق وفى مقابل ذلك تقسو على عمالها وتضر بيئتها ولا تدفع ما عليها من التزامات للمجتمع. مثلهم كالدولة القوية ذات الاقتصاد القوى ولكن أعداءها أكثر من حلفائها فهى تغزو العالم بجيوشها أو ربما تحرم العالم من خيراتها أو تضيق على شعوب أخرى فى تجارتها أو طعامها فيجوع الملايين ويموت الآلاف بسببها.
القواعد الكلية يكون لها بعض الاستثناءات فالتنوع فى الخلق والكون أكبر من أن نحيط به علما أو ان نبسطه فى كلام وقواعد تسرى على الجميع ومع ذلك فإن وحدة الكون لا يمكن لأى عاقل أن ينفى وجودها.
وتأتى قواعد المتابعة والمحاسبة والتقويم من ضمن القواعد الكلية التى تحكم أى كيان ناجح. فمنذ بدء الخليقة بعثت الرسل والأنبياء إلى الأرض لتعريف الناس بربهم وإعلامهم بأن هناك يوما للحساب وهو ما يدفع بقول «حاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا» ولا شك أن تلك المعرفة لها عظيم الأثر على عمل المؤمنين بها.
الشركات الناجحة يجب أن يكون لديها تقارير لمتابعة ما تم إنجازه وتقويم الإخفاقات ومحاسبة التقصير مع اعطائها شهادات اعتماد للجودة والأداء مثلها مثل جميع مؤسسات الدولة كالوزارات والهيئات والتى تراقبها المؤسسات التشريعية وتحاسبها الأجهزة المختلفة، كالجهاز المركزى للمحاسبات أو يضبط عدم خروجها عن الدستور والقانون من خلال الهيئات القضائية المختلفة. أما على مستوى الأفراد فتقارير تقييم الأداء للموظفين أو شهادات الاعتماد والتدريب المستمر للمهنيين ضرورة للمتابعة والتقويم والمحاسبة.
•••
جزء كبير من مشكلاتنا أننا نتعامل مع الأحداث ومع ماضينا دون تطبيق قواعد المتابعة والمحاسبة والتقويم. فلا نتعلم من دروس الماضى ونكرر أخطاءنا ونقابل كل حدث برد فعل مختلف ومرتبك وكأننا أول مرة نعايشه. فعلى مستوى الأفراد يمضى كثير من الناس فى حياته غافلا عما يعمل وإلى أين يمضى دون أن يتوقف للحظة لمحاسبة نفسه وتقييم ما قدم. وعلى مستوى المؤسسات تعالج مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات التعليمية ملايين المرضى سنويا ولا يوجد تقرير دقيق واحد أو أبحاث كافية تتابع وتقيم ولا توجد محاسبة عن التقصير أو عدم تنفيذ المستهدفات.
فلا نقيم أداء الأطباء والمستشفيات ومدى فائدة العلاجات والعمليات الجراحية المختلفة للمرضى. أما عن التعليم، فمئات الآلاف من الطلبة يدخلون منظومة التعليم سنويا ويتخرج منها أقل كثيرا ولا يوجد تقييم فعلى لمدى استفادة الطلاب والمجتمع من هؤلاء الطلاب. تضع الوزارات الخطط ويأتى الوزير بعد الوزير ولا توجد متابعة ومحاسبة عما نفذ وما لم ينفذ. كذلك أعضاء المجالس المحلية والمجالس النيابية والمحافظين وكل مسئول مطالب بتقديم تقرير متابعة وتقييم وفى المقابل كل جهة رقابية عليها المحاسبة.
•••
إن القواعد والمبادئ المنظمة لحياة الإنسان المنتج الناجح فى حياته تنطبق أيضا على المؤسسات والدولة القوية، وعلاقة أفراد المجتمع السليم بعضهم لبعض تنطبق على علاقة مؤسسات الدولة بعضها لبعض من حيث التعاون والتكامل، ونصيحة الفرد للفرد كرقابة مؤسسات الدولة بعضها لبعض حتى أن ضمير الانسان هو كقانون المؤسسات أو كالدستور للدولة.
الكل يجب أن يعمل فى تناغم من خلال قواعد ثابتة لهدف واحد وأى خلل بتلك القواعد ينتج عنه انسان غافل أو مؤسسة أو دولة فاشلة.

النهاية السعيدة تكون لمن يعيش لها

«نعيد تانى من الأول» هكذا علق صديقى على المشهد العبثى بخروج مبارك ودخول الإخوان فى السجون وعودة البرادعى إلى النمسا. تأملت كلامه وبجدية تساءلت: هل فعلا عدنا إلى نقطة الصفر؟ هل عدنا إلى ما قبل ٢٥ يناير؟ هل ضاعت هذه الأعوام المنصرمة هباء؟
الشبه كبير بين اليوم والأمس فمع سيادة الدولة البوليسية وعودة تفجيرات التسعينيات يشخص مبارك بملامح دولته كل يوم فى الأحداث ويجبرنا على التندم على ضياع الفرص. ورغم كل ذلك فقد تعلم الشعب المصرى الكثير من الدروس ولا نبالغ إذ قلنا إن هناك تغيرات فى الشخصية المصرية بدأت تتبلور.
تعلمنا أن من قتل مصريا يرحل ولو بعد حين، شاهدنا مبارك يتنحى وحين رأينا الدماء على أسوار الاتحادية أدركنا أن مرسى سيلقى نفس المصير.
تعلمنا أن الاحتماء والاستقواء بفصيلك لا يقويك بل يجعلك عرضة لتهافت الناس عليك فتعجز عن فعل أى شىء أو اصلاح أى شىء وستكون أنت وفصيلك أول الضحايا. تعلمنا أن بالاستقواء بشعبك وبتوحيد إرادته تستطيع أن تنقل الثورة إلى مؤسسات الدولة وأنه بدون توافق قوى لن تتقدم الثورة بل ستخمد.
تعلمنا أن سوء ترتيب الأولويات يفقدك الفرصة والتى قد تكون الأخيرة. ماذا قدم مرسى وجماعته فى ملف اصلاح الشرطة؟ عين الوزير الذى تعاون على حبسه وقبض على جماعته. ماذا قدم الإخوان والسلفيون من برنامج سياسى أو «المشروع الإسلامى» كما يسمونه؟ خيبة فى فهم الاولويات وممارسة سياسية غير أخلاقية فأضروا الدعوة والدين وأنهوا ما يسمى بالمشروع الإسلامى».
●●●
«الحلول الأمنية لا تجدى والدم يدفع لمزيد من الدم» هذا درس عرفناه فى التسعينيات ولازلنا نشهده فى العراق وسوريا ولا تتعلمه السلطة أبدا، وقد أكد عليه البرادعى فى بيانه الأخير وبدأنا نتجرعه فى محاولة الاغتيال الخسيسة لوزير الداخلية.
لا عصمة لأى زعامة سياسية ولا اتباع بدون فهم أو تفكر، فكم من زعامات امتلأت بها الشاشات ثم ذهبت وولت وكم من رجال غيروا وتغيروا فاختلط المؤيد مع المعارض على كرههم أجمعين.
تعلمنا أن الشهادة ينالها من يريدها ولا تنال من لا يستحقها ويرزقها الله لمن يشاء، وفى قول آخر دارج أن أولاد «….» لا يموتون وأن من يموت هم أخير الناس.
اتضح لنا بأنه لا يوجد إعلام محايد وأن المهنية باتت شيئا نادرا، وكل فصيل يستمع إلى ما يطرب سمعه ويكذب الآخر ومع ذلك فلا يمكن تكميم الأفواه ولا منع الحقيقة بعد أن تحول كل مواطن إلى مراسل صحفى بفضل الكاميرات والتليفون المحمول وتحول كل بيت إلى مركز لجمع المعلومات بفضل الإنترنت والفضائيات.
نشهد بأن كرسى السلطة فتنة لكل من يجلس عليه ولا ينجو منها إلا القليل، فكم من وعود سمعناها لم تنفذ وكم تعهدات انتهكت وكم من كلام معسول قيل بالنهار ولعق بالليل.
أظهر استفتاء ١٩ مارس أن المعركة الحقيقية هى معركة الوعى، فالذى حسم الاستفتاء هو معركة الهوية المفتعلة واستخدام الدين فى غير محله بالإضافة إلى رغبة الجموع فى الاستقرار بمسار نعم والذى ثبت فيما بعد أنه مسار مليء بالمطبات والزلازل.
●●●
تشابه المشهد ليس معناه أن البدايات كانت خطأ أو أنه مشهد النهاية، ٣٣ شهرا من التعلم والتغيير والدم كانوا وسيظلوا لبنات فى بناء وطن حديث وقد قسم المشهد الناس إلى متفائل ومتشائم.
إلى السادة المتشائمين أوجه رسالتى: أنت نقطة فى بحر التاريخ وزمنك هو سطر فى مطابع الزمن، ليس عليك إدراك نتائج عملك، كل ما عليك هو القيام بما يراه ضميرك حقاً فى التوقيت المناسب والتعلم من أخطائك والبناء على مكتسباتك وتحسين قدراتك والاستغفار عن هناتك وسقطاتك فتلقى ربك وقد اجتهدت.
إلى السادة المتفائلين: أنتم قلة والمجتمع يحتاج إليكم، فهونوا عليه وتحركوا فيه برفق فكل مواطن له ظروفه ونقاط ضعفه ولكل مواطن مستوى من القدرة والتحمل، فلا تلوموا أحدا أو تعنفوه واشرحوا للناس أن بناء الأوطان يحتاج إلى الصبر والإرادة وأن النهاية السعيدة تكون لمن يعيش لها.
هذا الشعب يتعلم سريعا ويسامح سريعا وحليم وصبور جداً ولكنه يعرف طريقه وسيقف خلف جيل تتشكل قياداته الآن فى المستقبل.
إنها ثورة صنعها ويصنعها أبطال، ربما لن يجنوا ثمارها ولكن بالتأكيد سيسعدوا بالنهاية، فهى معركة نقاط وليست معركة صفرية وفيها المد والجذر وواجبنا هو العمل على المد باستمرار.

اقرأ المزيد هنا: http://shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=11092013&id=1bd4c978-aadd-40cb-aeab-1dad08da2451#.UjAY1yqVqzI.facebook