نريدها مدنية

‫#‏نريدها_مدنية‬

إن ما تشهده الساحة السياسية الآن هو العبث بعينه تحت مسمى «المدنية». عن أى دولة مدنية يتحدثون؟ وفيها وزير دفاع يدعو للاحتشاد والتأييد الشعبى للتفويض ضد مواجهة الإرهاب وكأننا استدعينا مشهد تبرير بوش الابن لضرب العراق أمام العالم وأمام شعبه. عن أى إرهاب يتحدثون؟ أليس الجيش منوطا بحامية البلاد وسلامة أراضيها بنص الدستور؟ أليست الشرطة مسئولة عن حماية جميع المواطنين وتكفل لهم حق التظاهر السلمى؟

لا يستقيم أن يدعو «وزير الدفاع» الشعب للاحتشاد، فمقاومة الإرهاب لا تحتاج إلى تفويض، واستمرار انحياز المؤسسة العسكرية والشرطة جريمة فى حق الشعب. وما هو «المدنى» فى مشهد رئيس وزراء مشارك فى تفويض «وزير دفاعه» ورئيس مؤقت يدعو للحشد تأكيدا على كلام الوزير؟

وعلى الطرف الآخر ما هو «المدنى» فى تحويل الصراع الى صكوك دخول الجنة والنار؟ ما هو «المدنى» فى التحريض والتهديد بالسحق والدماء؟ ما هو «المدنى» فى خطاب اقصائى لأطراف سياسية بل وطائفى على اساس الدين؟ ما هو «المدنى» فى حيازة السلاح لتأمين التظاهرات وعمل كتائب «للردع»؟ ردع من؟ مواطنين أم سلطة؟ حق استخدام القوة بالقانون هو حق لمؤسسات الدولة العسكرية والشرطية وحدهما وأى خروج على ذلك يعد مخالفا للقانون ووجود أسلحة فى أى تظاهرة يرفع عنها غطاء السلمية ويعرضها للخطر ويسقط مطالبها حتى وإن كانت السلطة ظالمة ومستبدة.

ما هو المدنى فى التوحش غير الاخلاقى فى خلافنا السياسى؟ صراع سياسى بين فصائل مختلفة يتحول إلى صراع وجودى، يقتل الأخ أخاه ويتمنى البعض زوال واختفاء جمع أو حشد فى الميدان المعارض له؟ ما هو المدنى فى الدفع بجماعات مسلحة وبلطجية ضد الشعب؟ ما هو المدنى فى تقبل أخبار سقوط ضحايا بدم بارد وكأنها سارت جزءا من حياتنا اليومية 

●●●

قد يقال إن النزول يوم ٢٦ يوليو للرد على اتهامات الغرب ولهؤلاء أقول: يهمنى الانسان وعدم ارتكاب جرائم أو إرهاب أو خروج على القانون تحت أى مسمى أو من أى سلطة أو معارضة أو باسم أى شرعية.

الجيش والشعب يجب أن يكونا «إيد واحدة» ولكن فى الميدان الصحيح، ميدان المعارك الحقيقية، فى مواجهة الإرهاب فى سيناء والجماعات المسلحة وليس ضد مواطنين. الجيش مؤسسة وطنية قوامها من الشعب وفى خدمته والشعب سندا لها تحت قيادة مدنية حقيقة.

على الإدارة السياسية الحالية «المدنية» للدولة أن تتحمل المسئولية كاملة وتتخذ إجراءات لوقف أى اعتداءات ومحاسبة الجانى فى المجزرة التى شهدها وقد يشهدها مجددا ميدان رابعة وفى شتى الميادين عقب «التفويض» المزمع، وأن تتحرك لتجبر الجميع للجلوس على مائدة التفاوض المباشر دون وسيط، فإن لم تستطع فلتواجه الشعب ولتعلن عجزها وتتقدم باستقالتها.

على المؤسسة العسكرية وهى الحاكم الفعلى فى هذا المشهد «المدنى» العبثى أن تتعلم من الفترة الماضية، أن إدارة المشهد بشكل منفرد واتخاذ «المدنيين» ستارا لن ينفعها، وأن نزول الناس فى الميادين لإعطاء التفويض هو تفويض مؤقت، أعطاه من قبل الشعب بصمته لمبارك حتى فاض به الكيل ثم أعطاه للمجلس العسكرى بشكل مؤقت حتى سلم السلطة تحت الضغوط فأعطاه لمرسى وانتزعه مجددا فى ٣٠ يونيو وما تبعها فلا تغتروا بالملايين التى نزلت الشوارع فعقارب الساعة لا تعود الى الخلف.

●●●

الحل السياسى يجب أن يكون فوريا لوقف الدماء. وقد يكون عمل استفتاء على خارطة الطريق، بين انتخابات رئاسية مبكرة وخارطة الجيش حلا سريعا للعودة لاحتكام الصناديق وللشعب بدلا من الحشد والحشد المضاد. بالإضافة الى إقالة وزير الداخلية ووقف أى ملاحقات استثنائية، التعهد من قبل وزير الدفاع بحامية المتظاهرين فى كل الميادين، تسليم السلاح الذى فى الميادين من المدنيين، اعطاء صلاحيات مطلقة لرئيس الوزراء الحالى أو التوافق على شخصية لا تحسب على تيار بعينه.

مدنية الدولة تعنى أن تكون مؤسسات الدولة مستقلة وتحت رقابة شعبية، يعامل المواطنون فيها سواء أمام القانون. حفظ الأمن هو دور الدولة وحق للمواطن فى الدستور دون تفويض أو تفريط ودون استبداد ويكون هذا الدور تحت سلطة سياسية مراقبة ومأمورة من الشعب دون وسيط أو تأثير للخارج أو دولة داخل دولة. هذا الجيل يعرف ماذا يريد ولن يتنازل عن الدولة التى يحلم بها مهما ظهر فى الأفق من غيوم.

 

أحمد شكري – جريدة الشروق ٣١/٧/٢٠١٣