تحطيم الأصنام بين الإتباع و التفكر

ما أكثر حاجتنا اليوم إلى تحطيم الأصنام بداخلنا . فكلما سمعت نشرة أخبار الراديو في وسط زحام القاهرة تذكر كلمات “الرئيس السابق” أو “محاكمة حسني مبارك” و بعد أن رأينا الجماهير التي خرجت في ٣٠ يونيو، يقفز إلى ذهني قصة سيدنا إبراهيم مع الأصنام.

لقد خرجت الجماهير في صبيحة ٢٥ يناير رافعة شعار “عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية” و مع نزول الشمس كان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” قد تبلور و أصبح الشعار الهادر و الأسير للمرحلة و باتت هذه الجماهير الغفيرة هي إبراهيم هذا العصر.

و الصنم هو كل ما ورثناه أو تعلمناه من أفكار نظن أنها حقائق و هي غير ذلك أو زعامات أو شخصيات نظنهم لا يخطئون و هم بشر يأكلون و يمشون في الأسواق.

لقد عشت أكثر من ثلاثون عاما أحلم بزوال الاستبداد و حكم مبارك و ما ظننت أنني سأشهد هذا اليوم. و كثير من الأفكار و الأحلام قبل الثورة و التي ظننا أنها دربا من الخيال نراها تتحقق و تتغير، بل إن كثير من الأشخاص و الزعامات و الذين كنا نعدهم من الأخيار قد ساروا في أعيننا صغار و لا نحسب لهم وزنا.

و لكننا لم نتعلم الدروس القاسية التي سالت من أجلها الدماء: أن لا حقيقة في الحياة سوى الموت و أن العدل الرحيم الجبار المنتقم هو الله و أن كل فرد فينا سوف يحاسب وحده و يسأل عما فعل و تكلم و اتبع و أن كل الزعامات إلى زوال و أن علينا ألا نخاف سوى الله و أن الظلم و الظالم إلى زوال و لو بعد حين.

في مجتمع مليء بالتنوع و جماعات و أحزاب تشكلت على مسطرة فكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و زعامات سياسية و اجتماعية يسعى كل منها توجيه الرأي العام و جذب مناصرين لفكره و لرؤيته يتخبط المواطن بين الإتباع و التفكر. فتجد من أعطى صك الطاعة لرئيسه أو لزعيمه و من رفض الإتباع أو الانتماء لأي كيان مجمع سياسي أو اجتماعي.

تدخل مصر تحديا جديدا فنحن على شفا إقتتال أهلي بسبب جماعة أتت إلى الحكم بمندوب لها في الرئاسة فاستبدلت الأسماء و لم تغير السياسات، بل أتبعت سياسة تعميق الاختلاف و فتح جبهات المواجهة بين كل فصيل مختلف.

التحدي الأكبر في هذه المرحلة الحرجة هو إعلاء التفكر على الإتباع، فتحطيم الأصنام هو واجب كل وقت، سواء كانت هذه الأصنام أفكار تربينا عليها أو شخصيات نستمع إليها دون مراجعة لها أو تفكير فيما يقولون، فمن ينتمي إلى حزب أو جماعة عليه أن يعلم أن رأي الجماعة و الحزب و إن كان ديمقراطيا ليس بالضرورة هو الأصوب في قضايا قد تمس حياة الناس و دماءهم و عليه أن يفكر و يستشير قبل الإتباع الأعمى. فليس كل ما يقوله زعيمك أو رئيسك حقيقة مجردة مسلم بها، فكل فرد يخطئ و قابل للمراجعة والرد.

أما من لا ينتمي إلى حزب أو جماعة فوجب تذكيره بأن كونه مستقلا، ليس بالضرورة هو الأصوب، فالتفكير الجماعي عادة ما يخرج لنا منتجا فكريا أفضل، فعليه السؤال و الاستشارة ثم التوكل على الله فيما أختار من طريق.

حين يتحدث أحد الزعامات السياسية كالبرادعي أو أبوالفتوح أو حتى مرسي، يتبارى معظم المؤيدون في التبرير و التأييد بينما يرد مؤيدي المنافس بهجوم لاذع متصيدين أخطائه ولا يدرك هؤلاء جميعا أن التيارات الفكرية و الأحزاب لا تصنع من تصريح أو تغريدة على الإنترنت و لا تتكون في يوم أو أسبوع و إنما تحتاج إلى مجهود مضني و عمل مخلص لسنوات. لا يدرك مؤيدي كل هؤلاء أن الفتنة لا تؤمن على الحي و أن من مات هو من أغلق كتابه و صح إتباعه إن أصلح أم من هو حي فهو بشر، قابل للمعاتبة و المراجعة و التصحيح، فلا تجعلوا منهم أصناما.

إن ما نشهده في الميادين هو خلاف سياسي، و السياسة لا صنم فيها و لا جمود. و لا سبيل إلى استكمال ثورتنا إلا بالسلمية و الإبداع و التفكر و أن نعلم أن قوة كل فرد فينا في ذاته في استقلاليته في تفكيره و اخلاصه لخدمة وطنه بعيدا عن الزعامات و الأفكار المصمتة و سواء كنت من مدرسة الإتباع أو التفكر أو الجمع بينهما، فاعلم أن قتل النفس حرام في كل دين و أنها أغلى من زعيمك و من حزبك و جماعتك. فحطم الأصنام و تحرر.