سد العقول

منشور بجريدة الشروق بتاريخ ١٩/٦/٢٠١٣

يركب المترو وينزل فى كل محطة حاملا مشروعه لوطننا، أقرئى يا بلادى، فقد أيقن شادى أن ثورة بلا معرفة كناطحة سحاب دون مصعد، حسب تعبيره. فبعد عامين من ثورة تعلمنا أن وعى الشعوب يحدد قراراتها وفى دولة تخطو أولى خطواتها للديمقراطية نستدعى ذلك الوعى مع كل قرار تصويتى أو اختيار بين أفضلين أو بين أسوأ الخيارين.

شادى عبدالسلام كاتب مصرى شاب أطلق مبادرة للحث على القراءة فهو يعلم جيدا أن القراءة والمعرفة هما أساسا تشكيل وعى الأمة بشكل سليم، ولذلك قرر أن يقوم هو بدور المؤلف والناشر لكتابه ويتنازل عن الأجر ويبقى على جزئية التوزيع للموزع خاصة مفترشى الطرقات، فهدفه ليس الربح وإنما الوصول بحملته إلى كل ربوع مصر.

تذكرت شادى وأنا أشاهد راقصى فرقة الأوبرا للباليه وهم يؤدون رقصة زوربا أمام اعتصام وزارة الثقافة فى الشارع. فذلك هو حال الثقافة الذى يجب أن يسود بعد الثورة، الانفتاح على الناس والمبادرات الفردية والجماعية والإيجابية. فلا يجب أبدا أن يظل جمهور الأوبرا مقصورا على فئة معينة من رواد المدينة الكبرى ولا يقبل بعد الثورة أن يكون عدد زوار دار الوثائق والكتب والمتاحف المصرية بالعشرات ولا نقبل أبدا أن يكون تعيين قيادات الثقافة بمصر طبقا لهوى الحزب الحاكم.

نحن أمام أزمة حقيقية، ففى واقع الأمر ليس مشروع النهضة المشئوم الخاص بالإخوان أو سد النهضة الإثيوبى هى عوائق التقدم أو عمل نهضة حقيقية، سد النهضة هو سد العقول عن العلم والتفكير بحرية وإتاحة المعلومات ومنع تدفقها.

●●●

هناك وقائع عديدة توضح حجم الأزمة التى وصلنا إليها أولها واقعة عدم التعامل مع مشروع سد النهضة بشكل علمى ممنهج واستباقية وشفافية بالإعلان عنه والمصارحة المبكرة للشعب وأولى التخصص والعلم.

الواقعة الأخرى هى واقعة الصراع المحتدم حول جامعة النيل، وهو صراع حول الأرض والمبانى فليته صراع على بحوث علمية أو صراع أفكار وإنسانيات.

ومنذ أيام فوجئنا بقطع جائر لأشجار البلوط المطلة على حديقة الحيوان والتى يتجاوز عمرها المائة عام بحجة الخوف من سقوطها. ولكن المطالع لعملية البطش يستطيع أن يرى وبوضوح الجور الشديد وعدم التعامل مع الشجر بعلم بأن تقطع الفروع الميتة أو أن تقلم بدلا من القطع الكلى.

ولا نستطيع أن ننسى مذابح الخنازير والتى قتلت معظم خنازير مصر فى ساحات القمامة أثناء أزمة إنفلونزا الخنازير وذبح كل الدواجن التى وقعت أيديهم عليها أثناء إنفلونزا الدواجن وهو ما تم إدانته بعد ذلك من مؤسسات الصحة العالمية وأسباب ذلك هى نقص العلم والشفافية.

تلك الوقائع توضح أن سد النهضة الحقيقى الذى يحول بيننا وبين التقدم هو سيادة الجهل ومنع تدفق العلم، سواء كان هذا المنع بقمع الحريات الشخصية، مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو بانعدام الشفافية وحرية الحصول على المعلومات والبيانات أو أى منتج علمى.

ثم يأتى صراع المثقفين مع وزير الثقافة الجديد لندخل معركة بين فصيل يريد بالتأكيد أدلجة وزارة الثقافة ويروج أنه يحارب الفساد، والذى تفشى فى مؤسسة سادها الركود لاستمرار وزير ما قبل الثورة بها لأكثر من عشرين عاما، وبين فصيل متنوع من المثقفين منهم من يقصر صراعه مع الوزير فى نطاق الصراع السياسى ومنهم من يرى وجوب تطهير وزارة الثقافة كأى مؤسسة أصابها العطب قبل الثورة. يؤمن المثقفون بضرورة طرح سياسات ثقافية بديلة تجعل مؤسسة الثقافة وظيفتها تقديم خدمات ثقافية للشعب فى كل ربوع مصر بدلا من أن تصبح أداة للحزب الحاكم فى توجيه الوعى وتغييبه أو مؤسسة تقدم الخدمات لذوى القربة أو المحسوبية.

●●●

نحن أمام تحدٍ كبير لإعادة بناء الوعى المصرى على أسس سليمة، أولها إصلاح التعليم الأساسى والعالى وإتاحة الحرية والاستقلالية لمؤسساته وإصلاح المؤسسات الدينية والخطاب الدينى، ثانيها إعادة النظر فى دور وزارة الثقافة وإلغاء وزارة الإعلام وإنشاء هيئة مستقلة بديلة، ثالثا إطلاق حرية الإبداع والابتكار والاختراع وحمايتها، بعمل حزمة من القوانين منها قانون حرية المعلومات وقوانين حماية الملكية الفكرية وقانون الجمعيات الأهلية لتعزيز مشاركة المجتمع المدنى.

إن التفكير العلمى الممنهج بالتوازى مع خلق مناخ حر وقوانين داعمة، يشجع على الابتكار والإبداع والتعامل الصحيح مع أى مشكلة تواجهنا على المستوى الفردى أو المؤسسى أو على مستوى الدولة.

نحن أمام تحدٍ حقيقى ولكننا قادرون على تجاوزه بالعلم والعمل والاجتهاد، فافتحوا القنوات للعقول.