استقلال الجامعة ٢

ما الذي نريده من رئيس الجامعة و ما هي مواصفاته؟ بدر إلى ذهني كثير من الأسئلة عقب انتهاء انتخابات ممثلي كلية الطب – القصر العيني للمجمع الانتخابي و الذي سيختار رئيس جامعة القاهرة، و هما الجامعة و الكلية التي اشرف بالانتماء إليهما .

هل نريد رئيس جامعة له رأي سياسي في الشأن العام أم رئيس جامعة يقوم بدور إداري و منفذ لسياسات ؟ واقع الأمر أننا إذا نظرنا إلى الوصف الوظيفي لرئيس الجامعة سنجد أهمية قصوى لأن يكون صاحب رؤية و دراية بسياسات التعليم و يكون قادرا على نقل رؤيته و إقناع أقرانه بسياسات التعليم التي يود أن يطبقا و هو ما يحتاج أن يكون ملما بسياسات الدولة بشكل عام.

الأمر الآخر أن يكون مشهود له بالنزاهة و الاستقامة الأخلاقية و العلمية و أن يكون متفوقا في مجاله فلا يصح أن يكون رئيس الجامعة أستاذا بدرجة موظف غير مبدع. و على صعيد الانتماء السياسي فلا عيب من أن يكون منتميا إلى تيار سياسي أو حزب و لكن يجب أن يكون مشهود له بعدم خلط الانتماءات و أن يكون انتماءه للوطن و المؤسسة التعليمية التي سيرأسها أعلى من أي انتماء آخر. و قد يتساءل البعض، كيف نحكم إذا ؟ الإجابة بسيطة ، فمن يتقدم لرئاسة الجامعة لابد و أن يكون له نشاط علمي و تعليمي و اجتماعي ملموس في المجتمع المحيط له و بالتالي فهو شخصية مجربة عمليا من قبل في مواقف و ليس شخصا عاديا يختبر لأول مرة في العمل العام.

و في ظل محاولات الإخوان الحثيثة للسيطرة على مؤسسات الدولة المختلفة و في المقابل تصاعد رفض الشارع لهم، لا نستبعد على الإطلاق نقل ذلك الصراع السياسي إلى المؤسسات التعليمية و أولها و أعرقها جامعة القاهرة، مما سيؤدي بالتأكيد إلى ظهور مرشحين متنافسين ينتمون إلى تيارات فكرية متعددة.

و قد بدا ذلك الصراع مبكرا في انتخابات المجمع الانتخابي بكليتنا و ظهور قوائم للمرشحين أطلقها الناخبون أنفسهم مصنفين المرشحين إلى فسطاطين. و بالرغم من الجو الهادئ الذي ساد فيه الانتخابات إلا أن الناخبين قد مارسوا آليات الحشد و حسابات الكتل الانتخابية التي تمارس في أي عملية انتخابية.

بعد الانتخابات تساءل الناس عن شرعية الحشد و عمل قوائم على أساس سياسي في مؤسسة تعليمية و ما هي وظيفة المجمع الانتخابي ، هل هو انتخاب مبني على الكفاءة أم مبني على أسس الانتماء و الكفاءة؟

لقد نجحت الثورة في إرساء قيم الديمقراطية داخل مؤسسات الدولة المختلفة إلا أن الديمقراطية المجردة داخل المؤسسات التعليمية ليست بالضرورة هي الأفضل لها ، فانتخابات القيادات الجامعية لا تأتي دائما بالأصلح دائماً ، فالكفاءة ليست شرطا للشعبية.

و مع ذلك فاختيار عميد الكلية من رئيس الجامعة كما كان يحدث من قبل لم تكن أيضا الطريقة الصحيحة للاختيار . فقد كنا غالبا ما نشهد اختيار عمداء الكليات بناءا على انتماءاتهم السياسية باستثناء حالات فردية خاصة .

و بناءا عليه أقترح أن يكون اختيار رئيس الجامعة من بين المرشحين الذين ينطبق عليهم شروط الترشح و يتقدمون بسيرهم الذاتية إلى مجلس الجامعة ، لتدرس من قبل عمداء الكليات و يصوتون على اختيار أفضلهم بدلا من آلية المجمع الانتخابي.

كذلك يكون اختيار العميد و رؤساء الأقسام من قبل مجلس الكلية و ويكون رئيس الجامعة مسئول عن إقرار الاختيار فقط و الاعتراض إذا خالف المرشح معايير الاختيار.

ليس بالضرورة أن يكون هذا المقترح هو الاقتراح الأمثل لاختيار القيادات الجامعية و لكن بالتأكيد لدينا تحدي كبير في اختيار الآلية المثلى للحفاظ على استقلال و كفاءة القيادات الجامعية و التعليمية.

إن تفوق المؤسسات التعليمية و إصلاح منظومة التعليم في مصر يبدأ باستقلالها و أولى هذه الخطوات نحو الاستقلالية هي اختيار رئيس جامعة صاحب ضمير و كفاءة و رؤية.