صناعة التوافق

20130515-095137.jpg

تطرح كلمة التوافق مع كل موقف أو أزمة تواجهنا و مع ذلك فقد أصبحت كلمة بعيدة المنال ، و باتت تستخدم لتغليف صفقة سياسية أو صكها على أي مشروع كي يظهر مقدمه مالا يبطن .
ظهرت كلمة التوافق بعد الثورة في اختيار رئيس الوزراء عصام شرف حين بدأ الثوار بالبحث عن رئيس وزراء توافقي ثم توال ظهورها مع كل استحقاق سياسي أثناء اختيار الجمعية التأسيسية و المبادئ فوق الدستورية و قضية وثيقة السلمي و قانون الانتخابات و اختيار مرشحي الثورة .

إلا انه في كل موقف كان يتم التدافع بين الآراء المختلفة و من كان يحسم هو من كان يملك القوة ، قوة التنظيم أو قوة الحشد أو قوة السلطة ممثلة في المجلس العسكري أو الآن فى مؤسسة الرئاسة.

لم تتمثل كلمة التوافق قولا و فعلا إلا في ميدان التحرير أثناء الثماني عشر يوما التي جمعتنا، فاختفى التناحر و الجدل و توحد الهدف.

فوحدة الهدف و تهديد المصير كانوا هم الأسباب الرئيسية للتوافق. بالرغم من ارتفاع سقف الأهداف التى قامت من أجلها ثورة ٢٥ يناير مع كل يوم في الميدان إلا أن الهدف الوحيد الذى ظل مرفوعا و بشكل واضح ، هو رحيل النظام ، ممثلا في أذهاننا آنذاك في شخص مبارك و قيادات الحزب الوطني ، رغم أن المطالب التفصيلية كانت مرفوعة على العمارات و محفوظة من أصغر طفل في الميدان .

الشاهد أن حياة الثوار في الميدان كانت مهددة بشكل كبير في حال فشل هذه الثورة بالإطاحة بالرئيس أو هكذا ظنوا أنه العائق الوحيد أمام حريتهم ، حيث تبين لهم بعد ذلك أن نيل الحريات يحتاج لأكثر من ١٨ يوما و أن دماءهم سالت و قد تسيل مع كل استحقاق ديمقراطي.
فهل يراودنا الشك بأن مصيرنا واحد و هدفنا واحدا ؟ نعم يبدوا كذلك. فهدفنا لم يعد واحدا. فكل فصيل يرى مصر التي في خاطره هو و ليست التي في ذهن الآخر، ولا يدركون أن مصيرنا واحد و من يهدد امننا و اقتصادنا واحد و مستقبل أولادنا واحد.

الم يحن الوقت كي نتفق على هدف واحد و بعد ذلك من الممكن أن نختلف في التطبيقات ؟ و إشكالية الدستور هو ذلك الهدف الواحد الجامع الذي افتقدناه ، فالهدف الواحد هنا هو شكل الدولة و فلسفتها : ما هو شكل مصر التي نحلم بها ؟ كيف نبني مؤسساتها ؟ ما هي وحدة بناء المجتمع الفرد ام الاسرة ام جماعات ؟ ما هو شكل ادارتها و مدى مركزيتها ؟

هذا هو الدستور و الذي فشلنا في الاتفاق عليه بالرغم من اجراء الاستفتاء. فلا ينبغي ابدا ان يكتب دستور مصر بهذا الشكل و لا يمكن ان نقبل ان ينسحب فصائل أثناء كتابته منه او ان تمرر بنودا فيه بليل.

عملية صناعة التوافق لها أصول. فلا يصنع التوافق بدعوة توجه في العلن لحضور اجتماع يشهده العالم في التلفاز، لا يصنع التوافق بإرسال خطابات أو إجراء مكالمات صورية من مندوبين بدعوة الجهات المعنية ، لا يصنع التوافق بوضع شروط مسبقة ، لا يصنع التوافق دون الاتفاق على ما نريده من هذا التوافق ، لا يصنع التوافق بدعوة من ليسوا طرفا في المشكلة ، لا يصنع التوافق بالغلبة العددية أو الإشارة لأي سلطة قد تستخدمها في عدم احداث التوافق ، لا يصنع التوافق بالضغط باتجاه معين و تصويره للناس على انه الحل و شيطنة الاتجاه الآخر.

التوافق يحتاج الى مجهود كبير و لذلك أسميته بصناعة التوافق. يحتاج التوافق الى ان تبدأ السلطة الحاكمة أو من بيده الغلبة و القوة باتخاذ الخطوة الأولى تجاه الطرف الآخر و إبداء الرغبة في الحوار الجاد عبر فتح قناة اتصال غير مباشرة كخطوة أولى و محاولة فهم المشكلة من وجهة نظر الطرف الآخر يعقبها بعد ذلك عرض من السلطة بالتصور لحلها ثم تتوالى اللقاءات لإيجاد أرضية مشتركة ثم يأتي تدخل رأس السلطة الحاكمة بنفسه باتصال مباشر لوضع اللمسات الأخيرة على الأرضية المشتركة و دعوة الأطراف الفاعلة لبحث أجندة متفق عليها. ويفضل أن يكون الاجتماع سري لرفع الحرج عن أي طرف من الإعلام و أنصار الأطراف المختلفة و اللذين قد يشكلون ضغوطا على أطراف النزاع لعدم إلمامهم أحيانا بكل المعلومات. يعقب ذلك اجتماعات تعلن نتائجها للناس بشكل علنى .

و يأتي وحدة المصير كسبب آخر لحتمية التوافق على هدف واحد. و المصير هو مستقبلنا سويا ، قد يكون مهددا بظروف سياسية و اقتصادية ، تكون كثير منها خارج إرادتنا كتهديد الحدود أو أزمة اقتصادية عالمية أو كارثة طبيعية ، حفظنا الله. ترى كم نحتاج من الوقت لندرك ذلك المصير الواحد ؟ ترى كم من نفس سنفقدها في الطريق كي نعلم ان وجودنا مهدد بدون وحدتنا ؟

فنحن نعيش في وطن واحد ، شعب واحد و حلم واحد