هذا العام المنصرم

في مثل هذا التوقيت من العام الماضي بداية مايو ٢٠١٢ , كنت عضوا بحزب العدل مقبلا على انتخاباته الداخلية أفكر في خوض انتخابات رئاسة الحزب و لم اكن متحمسا لها مفضلا الاكتفاء بدوري في المكتب السياسي في الحزب و التركيز في عملي كطبيب .

كانت الانتخابات الرئاسية فى مصر هي المسيطرة على الساحة السياسية و كان موقف الحزب ترك حرية الاختيار للأعضاء و رفضه الانحياز لمرشح بعينه مع استمرار رفض مرشحي الثورة التوحد.

كان الحزب قد خرج من تجربة انتخابات مجلس الشعب حصل خلالها على مقعد واحد و تعدى نسبة النصف في المئة و حصل على المركز العاشر من حيث الاصوات بعد ان قرر خوض الانتخابات منفردا . و لم يشارك كثير من أعضاء الحزب في الانتخابات اعتراضا على المجلس العسكري و الوضع السياسي معتبرين ان الثورة لا زالت في الميادين و ليست تحت القبة.
و مع استمرار الأداء المتعثر للمجلس العسكري و ازدياد الفجوة بينه و بين شباب الثورة، بدأ الشباب يتسائل عن جدوى العمل الحزبي في ظل حالة فوران ثورية. و فى خضم هذه الظروف استقال من استقال من الحزب و أنزوى الى حياته اليومية و ابتعد عن السياسة نهائيا و انضم البعض للحملات الرئاسية المختلفة الثوريين منهم كالدكتور عبد المنعم أبو الفتوح و حمدين صباحي و خالد علي .واستفادت الحملات الرئاسية من قواعد حزب العدل بشكل كبير و كانوا نواة هامة في جميع المحافظات، و لما لا ؟ و قد جمع العدل عند التأسيس مجموعة من افضل شباب مصر.

انتهت الانتخابات الرئاسية و بدأت تتشكل خريطة سياسية جديدة. فأسس حمدين صباحي التيار الشعبي و أسس الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح حزب مصر القوية و أسس الدكتور البرادعي حزب الدستور.

ساهم موقف الحزب بعدم دعم أي مرشح رئاسي في انصراف الكثيرين الى تلك الاحزاب الناشئة، فذهب البعض الى حزب الدستور محاولا تحقيق ما لم يستطيع تحقيقه في العدل و انضم البعض الآخر الى حزب مصر القوية و بقي مجموعة من المخلصين و لكن ما حدث قد حدث، فقد عصفت بالتجربة رياح السياسة العاتية.

كنت قد قررت نهائيا عدم الترشح لأي منصب فى الحزب معطيا بذلك فرصة لفرز قيادات جديدة و إعلاءا للمصلحة العليا. فلم يكن الحزب آنذاك ليتحمل انتخابات على رئاسته تقسمه الى فسطاطين و قد بقي القليل من الأعضاء و مفضلا أن أساهم من أي موقع يكون فيه مصلحة الحزب.

بئس حال الحزب و لم يعد ما كنا نحلم به يوما , لم يعد كما بدءناه أنقياء أصدقاء حالمين بمبادئ الثورة و التأسيس لحزب مبني بروح ميادين التحرير. فقررت السعي لاندماج حزب العدل بحزب الدستور لتأسيس كيان أقوي و إثراء الحياة السياسية فمن بقي بحزب العدل كان توجهه يتماشي أكثر مع أفكار حزب الدستور.

اما عن نفسي فلم اجد لبقائي فائدة بعد ان ترك رفقاء الدرب الحلم و تفرقت بهم الطرق و اصبح الحزب لافتات على المقرات و ذكرى و حلم فقررت الاستقالة مع بداية موجة الأحزاب الثانية .

بالرغم من كل ذلك فالعدل تجربة حزبية فريدة . فهو أول حزب شبابي مصري بكل ما يحتويه من معاني . و أول حزب أسس بعد الثورة لم يرتكز الى جماعة دينية على الأرض كحزب الحرية و العدالة أو حزب النور. وأول حزب أسس بعد الثورة اجرى انتخابات داخلية و جمع مجموعة من أنقى شباب مصر و أخلصهم ممثلين روح الثورة الحقيقية فقد كانوا من كل فئات الشعب و من كل التوجهات الدينية و إن غلب عليه الطبقة الوسطى المتعلمة . فقد كان حزب العدل يمثل روح الثورة و ما أصاب الثورة أصاب “العدل” من تشتت و تفرق و جدال. و بقي في حزب العدل مجموعة من أنقى الناس أبوا إلا ان يحققوا حلمهم من خلاله . و لكن حزب العدل قد أصبح بالنسبة لي تجربة نبيلة تمثل بالمعنى الرومانسي “الحب الأول ” بما يحمل في الكتب من معاني الحماس و الاندفاع و عواطف لا يحكمها عقل و تجربة انفصال نضج و عقل و فهم للحياة.

تعلمت هذا العام أن السياسة لعبة غير نظيفة و تعلمت أن من تأمن و تأوي اليهم في الشدة قد يكونوا أول من يتخلى عنك و لكني أيضا أدركت حقيقة غالية أن لا أحد كامل و أن لكل منا عيوب و نقاط ضعف. و أن حب الأصدقاء الحقيقي قد يكون بلا قيود برغم من معرفتك بنقاط ضعفهم .
وجدت أن السياسة تحمل من الصفقات و التي كثيرا ما تغلب أهل الثقة على الكفاءة و أن كل دين له وقت لتسديده، فقررت الانزواء و مراقبة الموقف فلم تكن أبدا السياسة بالنسبة لي مغنما أو جاها فهي دائماً أبدا بالنسبة لي تعبا و ضغطا لحياتي اليومية و الاجتماعية.

مضيت في عملي أعمل واصلا ليلا بنهار وأدركت أن عملي قد تأثر لانشغالي بالسياسة و أدركت ان العمل و الاسرة مقدمان على كل شيء.

في هذا العام تعلمت أن اللعب مع الأطفال واجب و المستفيد الأول هو أنا. تعلمت أن مشاركتهم في رياضاتهم و أنشطتهم يبعث علي البهجة ربما أكثر مما يبعث عليهم.

تعلمت أن لبدنك عليك حق و أن علي ان أفرغ وقتا للرياضة و ان كنت لازلت أحاول و لكنني على الأقل أحاول ان أكل أكثر صحيا .

راقبت أداء أحزاب الدستور و مصر القوية و رأيت من الاثنين شباب مخلص محب لوطنه يحاول أن يتغلب على ما أصاب أحزاب الموجة الأولى، و شهدت وطني يجهز عليه من جماعة اتخذت من الحزب ستارا و رئيساً هو مندوب لهم في مؤسسة الرئاسة. و كنت من الداعمين له في المرحلة الثانية أمام رمز النظام السابق “أحمد شفيق”، متوهما أن محمد مرسي سيكون أفضل حالا و لكنه وعد فأخلف و أستبد ففرق و وصل بنا الحال بأن يتقاتل المصريون مع بعضهم البعض.
وجدت تغليب الثقة على الكفاءة مبدأ مرفوعا و مختوما به كل أوراق التعيينات و جدت غباءا و عنادا سياسيا لو ذكر في التاريخ ما قالوا الا ما بال أقوام لا يتعلمون من أسلافهم إن هم إلا عميا.

فوصلت للحظة أدركت فيها أن الانحياز حق و واجب الوقت فاخترت أن انضم لما رأيته قد يحمل أفكاري لمشروع الوطن الذي احلم به .

و هكذا مر العام و ثورتنا لازالت تتأرجح و لازلنا نبحث عن العدل و الحرية و الكرامة و لكن أعمار الشعوب و الأوطان لا تقاس بأعمارنا و أيامنا المعدودة و ما نحن إلا طارقي الأبواب و مسافري الرحلة و نحن على علم أن السعادة تكون في الطريق اذا ارتضينا ضمائرنا حكما و الفرحة يقينا بالله في النهاية .

20130511-220828.jpg