التحديات الحزبية، التحدي التنظيمي

يفوق عدد الأحزاب المصرية الخمسون حزبا، منها من تأسس قبل الثورة ومنها من تأسس بعدها مباشرة و منها من تأسس بعد الانتخابات الرئاسية.

و بالرغم من كل هذا الزخم إلا أن كل الأحزاب بلا استثناء لم تقدم التجربة الكاملة و لازالت الأحزاب المصرية تخطوا أولى خطواتها نحو بناء مؤسسات سياسية حقيقة.

فأمام الأحزاب المصرية تحديات فكرية و تنظيمية كثيرة. و يأتي التحدي التنظيمي أهم من الفكري على الرغم من كونهما متلازمان . فما أسهل الكلام و التنظير و لكن دون تنظيم يصبح المجهود كالحرث في الماء.

التنظيمات الحزبية التقليدية تعتمد بالأساس على هياكل هرمية ذات قيادة مركزية تنتخب طبقا للوائح بشكل دوري، و التي من عيوبها عدم استيعاب الكوادر بشكل ديناميكي يسمح بالتشاركية المستمرة ما بين فترات الانتخابات. كما لا يسمح باللامركزية و سرعة اتخاذ القرارات.
و في ظل ثورة قامت بالأساس بشكل لامركزي و شعب معظم قوامه من الشباب تزداد هذه التحديات، و قد يخلق هذا توتر تنظيمي داخلي ينتج عنه فتور في الممارسة و نزيف كوادر بشكل مستمر.

يأتي الحل الأول لاستيعاب الكوادر، عن طريق وضع برامج مختلفة بشكل مستمر و فق استراتيجية حزبية واضحة، مقسمة لسنوات و مراحل طبقا للأحداث الانتخابية كانتخابات المحليات و المجالس النيابية. ويندرج تحت هذه البرامج مشروعات تنفيذية محلية تستوعب الطاقات و توظفها.

ثانيا يجب تطوير آلية اتخاذ القرار و المراقبة عن طريق تشكيل لجان متابعة للسلطات التنفيذية (الرئيس و الأمين العام و المكتب السياسي ) داخل الأحزاب كنوع من توازن السلطات.
ثالثا انشاء الوحدات الحزبية في القرى و الأحياء قبل إنشاءها في المحافظات و المراكز.
رابعا استخدام التكنولوجية الحديثة كرسائل الموبايل و الإنترنت في التواصل مع القواعد و التصويت على القرارات المصيرية و عمل استطلاعات للرأي في القرارات الاستراتيجية كالتحالفات و المشاركة في الفعاليات السياسية.

و بالرغم من وجود لوائح إلا أن كثير من الأحزاب لا يلتزم بها أو يتحايل عليها كي لا يجري انتخابات تجديدية أو يقصي أعضاءه في القرار. وهنا يأتي أهمية تفعيل اللوائح، فهي كدستور الدولة، لا عبرة لها دون فهم و لا قيمة لها دون العمل بها.

التحدي التمويلي هو من أهم و أخطر التحديات التي تواجه الأحزاب. و هو تحدي عالمي لكل السياسيين و الحملات الانتخابات في شتى بقاع الأرض .

تواجه الأحزاب المصرية و خاصة الناشئة منها تحدي عظيم في جمع التمويل اللازم لأنشطتها. فسؤال المواطن دائماً يكون من منطق سوقي منطقي “هو أنا مستفيد إيه؟ “، و الإجابة عادة لا تكون شافية، لأن الاستفادة الحقيقية تكون من خلال وصول هذه الأحزاب إلي الحكم، أو وصول أحد أعضاء هذا الحزب إلى المجلس المحلي أو مجلس الشعب ومن ثم إمكانية تحقيقه بعض المشاريع أو القرارات أو حتى التشريعات و التي يأتي تأثيرها على المدى الطويل. أما المزايا اللحظية فلا تكون إلا للأحزاب الحاكمة في الدول المستبدة و التي يحصل فيها عضو الحزب الحاكم على المزايا بسبب فساد زملائه. أما عن المكسب الأدبي و الشعور بالانتماء لكيان يدافع عن مصالحه، فهي قيمة لا تجد الكثير من يقدرها.

أسباب عزوف الناس عن التبرع كثيرة. أهمها وجود صراعات حزبية داخلية و تراشق على الفضائيات مع غياب الحديث عن أولويات المجتمع. و على الرغم من ذلك لا تواجه الأحزاب التي تستند الى جماعات دينية نفس الصعوبات في جمع الأموال . كمثال فعضو الاخوان المسلمين ملتزم بشكل شهري بنسبة من دخله تزيد في المواسم الانتخابية لتمويل الحزب التابع للجماعة. و حافز التبرع عنده هو حافز عقائدي. فتبرعه يعني ثواب في الآخرة. أما الأحزاب المدنية فهي تعاني من أجل إقناع أعضاءها بدفع اشتراكاتها. و لكن مع زيادة الاستقطاب، لم تجد بعض الأحزاب المدنية أي مشكلة في جمع الأموال أثناء الانتخابات في ظل تحدي الهوية المهددة. و هذا الاستقطاب موجود في كثير من الدول و بأشكال مختلفة دينية و اقتصادية.

التغلب على هذه التحديات يكون أولا من خلال تحسين الأداء الإعلامي و الحركي للأحزاب من خلال تغيير أولوياتهم من القضايا الهامشية إلى القضايا اليومية للمواطن .بالإضافة الى رفع وعي الناس بأهمية المشاركة السياسية و أهمية بذل المال كي يكون هناك حلول جذرية للمشاكل اليومية من خلال تشريعات، و وجود مراقبة للأجهزة التنفيذية عبر الأدوات السياسية كالمجالس النيابية و المحلية.

ثانيا، تعديل قانون الأحزاب بحيث يسمح بإقامة مشروعات باسمها، تكون عليها رقابة صارمة، تسمح بتمويل الأحزاب بشكل مستمر و تنموي و مستدام.

ثالثا، جعل المنظومة الحزبية و لوائحها تسمح بالمشاركة في اتخاذ القرار للأعضاء بالإضافة إلى الاستفادة من طاقاتهم و توظيفها بالطريقة المثلى. كل ذلك يعزز الانتماء للكيان و ييسر عملية جمع الأموال.

أخيرا، سيبقى بناء تنظيم قوي أحد أهم التحديات لبناء مؤسسات سياسية حقيقية .