لم ننشئها لنعبدها

نحن لم ننشأ الأحزاب لنعبدها و إنما هي وسائل لخدمة الوطن . كان ذلك هو ردي على من لامني حينما قررت أن أترك حزب العدل و كان ذلك ردي أيضاً حين لامني البعض أنني لم أنضم لحزب العمل الاشتراكي بعد الثورة كي أحيي مجد جدي المهندس / إبراهيم شكري رحمه الله.

الأحزاب هي تجمعات سياسية تعبر عن أفكار محددة تدافع عن مصالح مجموعات من أفراد الشعب مثلها مثل الجمعيات و الجماعات و المؤسسات الغرض منها تنظيم الناس حول أفكار تعمل لخدمة مجتمعها أو تدافع عن حقوق أعضائها و لكن الأحزاب تسعي إلى السلطة لتنفيذ برامجها و رؤاها المختلفة.

ننسى أحيانا لماذا انضممنا بالأساس الى مثل تلك الكيانات. تمر الأيام و قد تحيد عن الأهداف التي أنشأت من أجلها. و يظل أعضاءها مرابطين بها وقد ألفوا المكان و نسوا ما اجتمعوا عليه. تتغير الظروف السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية للبلاد و يظل هؤلاء هائمين بأحلام الماضي و غياهب التاريخ، فما يصلح لوقت ربما لا يصلح لوقت آخر.

الانحياز للأفكار هو ما يجب أن يحدد انتماءنا لهذه الكيانات و ليس مجرد عناوين مقرات على اللافتات. إمكانية تنفيذ هذه الأفكار إلى مشاريع حقيقية تخدم الوطن و ليس مجرد مجموعة من الناس تجتمع لتنظر في غرف مغلقة لتخرج بأجمل الأحلام البعيدة عن الواقع أو الغير قابلة للتنفيذ لمحدودية إمكانيات هذه الأحزاب بأعضائها و تمويلها أو لخروجها خارج سياق التاريخ.

لم ننشأ هذه الأحزاب لنعبدها أو لنباهي بها الناس و إنما أنشأناها لنبني وطنا. التجمع و اندماج الأحزاب حول أفكار موحدة هو واجب وطني. و لا يكون كذلك إذا كان هذا التجمع من أجل زيادة الاستقطاب بل يكون حين يجتمع الناس حول أهداف محددة تنهض بالوطن سواء كانت أهداف اجتماعية أو اقتصادية كالدفاع عن المهمشين أو الانحياز للعدالة الاجتماعية.

و لكن يبدو أن التمايز صعب في تلك المرحلة المضطربة . تجريف سياسي عبر عقود، نقص في الوعي، مجتمع يتعافى من الاستبداد، و ظروف اقتصادية قاسية. كل ذلك لا يسمح بالتمايز عبر الأفكار و لا يسمح ببيئة حوار هادئة بناءة . و إنما يعلو صوت الاستقطاب و يلتف الناس حول الأشخاص و الأفكار البدائية كالحديث عن الهوية و الفرز حول الموقف من الثورة قبل الحديث عن البرامج الواقعية.

التحدي الحقيقي هو بناء الأحزاب حول الأفكار و الإنحيازات الواضحة للقضايا الهامة و حشد الأشخاص و القيادات حولها و ليس بناء الأحزاب حول القيادات ثم بعد ذلك حشد الأشخاص ثم الأفكار عليها. لا يمكننا فصل الرموز عن الأفكار التي يمثلونها و لكن التحدي هو بقاء تلك الأفكار و تطويرها كي تصبح صالحة عبر الأجيال و بعد رحيل روادها.

يرحل أناس مخلصون عن دنيانا و تظل أفكارهم في قلوبنا و عقولنا نقرأها في الكتب و في واقع الناس. كانت حركتهم و سعيهم لتوعية الناس و حثهم على العمل و نهضة الوطن. ما أرادوا أن نمجدهم بل أرادوا أن نفهم أفكارهم و ننقلها في أوعية مختلفة و وسائل متعددة . فقد تتعدد السبل و المقصد واحد.