دستور جديد – مجتمع جديد


يصمت للحظات و ينظر إلى السماء و كأن قلبه خفق من روعة خلق الله، ذلك الطبيب الشاب الذي كاد أن يصبح ظاهرة إعلامية. فقد شهدناه في كثير من القنوات التليفزيونية يتحدث عن إنجازاته و شهاداته و ما وصل إليه من علم، تتلقفه القنوات رغبة في إشباع طلب المشاهدين على هذه الفقرة الجذابة التي تخلط الدين بالعلم بطريقة أداء درامية محبوكة.

و لكن هذا المشهد لم يستمر طويلا. فتحت ضغط من أطباء غيورين على صحة مرضاهم، سرعان ما تم كشف هذا الشاب و أنه لا يملك أي شهادات سوى بكالوريوس الطب و لم يكن في يوم من الأيام مساعد للدكتور مجدي يعقوب و لم يحصل على خمس زمالات كما أدعى. فأعترف هذا الشاب بما قام به من إدعاءات و لكنه استمر في المراوغة و لام الإعلام فيما فعل، و صدقه بعض الناس و جعلوا منه مظلوما و لذلك جاري تقديم شكاوى ضده في داخل مصر و خارجها.

قد تكون هذه القصة عادية مقارنة بما سمعنا من أناس يمارسون الطب و هم ليسوا بأطباء. و لكن ما يجعل هذه القصة تختلف، هو استضافت هذا الشاب في أكثر من قناة فضائية و له عشرات الآلاف من المعجبين على الإنترنت، بل قد تم  استضافته داخل كليات  الطب المختلفة و بجامعات و نوادي اجتماعية كثيرة.

و يعكس افتتان الناس به سواء الإعلام أو المشاهدين و استضافته في الجامعات المختلفة مدى تراجع ثقافة مجتمعاتنا ، فالمجتمع فقد القدرة على التمييز بين الغث و الثمين. فمثله كمثل كثير من أطباء الفضائيات الذين لا نعرف عنهم سوى كلامهم المنمق الذي يبتعد في كثير من الأحيان عن العلم الصحيح بل وقد يضر المرضى و ربما يؤدي أو أدى بالفعل إلى وفاة أحدهم في يوم من الأيام.

و مثله كمثل دعاة الفضائيات ، إلا من رحم ربي، الذين يفتون في الناس في كل شيء دون هيبة و دون أن يروا طالب الفتوى رأي العين و دون سؤاله أسئلة كافية لضيق وقت البرنامج رغبة في استقبال اكبر قدر من الأسئلة و إشباعا لرغبة الجماهير.

ناهيك عن الخبراء الاستراتيجيين  و المحللين السياسيين الذين ملئوا الفضائيات ضجيجا بعد الثورة. و كنا نظن و نأمل أن نرى بعد الثورة وجوه جديدة غير النخب الزائفة التي كانت تملأ الفضائيات في برامج المنوعات و الحوارات. وبالفعل تغيرت الوجوه و تغير التوصيف إلى خبراء سياسيين و لكنهم من نفس النوعية : علم ضحل ، ثقافة هذيلة و حب الظهور بالإضافة إلى افتعال الأزمات و الحكايات هي الحكم في من يتقدم الصفوف و يطل علينا يوميا.
مقدمي برامج كانوا اشد الناس عداوة للثورة اصبحوا الآن متحدثين باسمها . قنوات رياضية حاربت من أجل بقاء النظام القديم بل ضلت و أضلت الشعب في أحداث السودان و مباراة الجزائر ، و لازال هؤلاء متصدرين المشهد.

شتام، لممام  لئيم يطل علينا و يتطاول على أناس أفاضل بالكذب و الافتراء ، و آخرين مراوغين متشدقين و يتسترون تحت ما يسمونه تعريض و ما هو بتعريض و إنما هو كذب أشر.
إنها أزمة النخب و القيادات . فحتى في اثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة وجدنا معظم المتقدمين للترشح و قد تجاوزت  أعمرهم الستون عاما .وهذا ليس عيبا في حد ذاته إذا وجد التنوع العمري و لكن أن يكون العرف أن من تجاوز سن المعاش هو من يصلح للقيادة فتلك طامة كبرى، أما عن مرحلة الإعادة ، نصف من صوت صوت بمنطق الضد، أي أنني أصوت لفلان كي لا يفوز خصمي و ليس رغبة في فوز مرشحي و هو ما يعكس عجز القيادات عن كسب الجماهير بصورة إيجابية.

كثرة الرديء تطرد الطيب و وجود أذان صاغية له، يرجع في المقام الأول إلى فساد التعليم و الاضمحلال الثقافي فهما كالقش  للنار في نشر الشائعات و الخرافات و الرغبة في الفهلوة و قبول الحلول السهلة دون كمد أو تعب، و ذلك عكس ناموس الكون.

و يأتي غياب المؤسسات الرقابية و المنظمة لكثير من أنشطة و فعاليات الأفراد و المجتمع كسبب ثاني لتصدر هؤلاء المشهد . فعلي سبيل المثال، لا يوجد ميثاق شرف ينظم الإعلام و لا يوجد هيئة إعلامية مستقلة تضع معايير و تراقب جودة و كفاءة و حيادية الإعلام و نقابات غيبت لفترات طويلة عن قضاياها الحقيقية تحاول أن تتعافى، و  تفتقد في كثير من الأحيان إلى الآليات النقابية الكافية لمراقبة المهن و العمل على تحسين كفاءة أعضاءها و معاقبة المقصرين و المدعين و المنتحلين.

و أخيرا تغليب أهل الثقة على أهل الكفاءة و إسناد الأمر إلى غير أهله و غياب العدالة و الشفافية و المحاسبة كميراث مجتمعي و كنتيجة لتنحية سيادة القانون، بالإضافة إلى غياب العمل المؤسسي و العمل الجماعي و فساد المؤسسات و تهلهلها لسنوات طويلة ليطفوا على السطح أسوأ ما في المجتمع.

و تأتي كل هذه الأسباب كنتاج طبيعي لحقبة طويلة من الاستبداد الذي يفسد النفوس و المؤسسات بل و يفسد فهم الدين و يؤصل لفصل الأخلاق عن العبادات و يدخل الزيف في كل شيء حتى صرنا إلى ما نحن فيه الآن.

و يأتي تمكين الفرد و المجتمع و تحرير العقول، بتعليم يحفز العقول و يرسخ للتفكير المنهجي و العلمي كقضية أمن قومي يتكاتف حولها الجميع من إرادة سياسية و جهات تنفيذية و مجتمع، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة و مؤسسات المجتمع المدني على أسس الحرية و العلم و العدل، يمهد لمناخ سليم يسمح بظهور الأكفأ و الأصلح  كحل لإفراز قيادات جديدة تتصدر المشهد و تقود المجتمع.
يكون ذلك أولا عبر كتابة دستور جديد، يخرج طاقات المجتمع و يمكنه و يؤسس لهيئات رقابية و توازن سلطات يسمح بحرية أداء المجتمع في ظل عدالة اجتماعية تعزز من روح الانتماء ، يعكس فلسفة الدولة الجديدة التي نأملها، يفهمها كل مواطن و يشارك في وضعها، دستور لا ينسلخ عن هوية شعبه و يدفعه إلى المستقبل نحو هدف واحد واضح.

ثانيا يأتي تفعيل نص الدستور كخطوة ثانية لتمكين المجتمع فلا قيمة لنص دون تفعيل و لا عبرة لنص دون و جود إرادة سياسية لتفعيله. و لا توجد إرادة سياسية سليمة دون مراقبة و إرادة شعبية سليمة. و لا يوجد إرادة شعبية صحيحة دون مشاركة الشعب في كتابة دستوره.
و حين يتحقق ذلك الدستور و يكون العلم و التعليم منهجا للحياة و المجتمع، حينئذ سنري مجتمعا جديدا، يتصدر المشهد فيه أصحاب العلم و الرؤى و ليس أصحاب الدجل و عشوائية التفكير. يظهر فيه أصحاب الخبرة و الابتكار و لا يظهر الهواة و أصحاب الجمود الفكري، نتطلع فيه الى أصحاب الأخلاق و التواضع و ليس أصحاب التدين الزائف و الكبر و حب الظهور.