مؤشر علمي للإنفاق الخيرى

تنفق المؤسسات و الجمعيات طوال العام، و في رمضان خاصة، ملايين الجنيهات على الإعلانات لجمع التبرعات. و تستخدم في ذلك كل وسائل الدعاية من إعلانات تليفزيونية و راديو و مطبوعات. و لا يقتصر النشاط الخيري و جمع التبرعات على المؤسسات و الجمعيات فقط بل إن شركات الاتصالات و المشروبات اصبحت الآن جزء من هذه المنظومة النهمة لجيب المواطن المصري.

لا شك أن جمع التبرعات و إشراك المجتمع المدني في حل مشاكله دون انتظار دور الدولة جزئ مهم في نهضة هذا المجتمع. و لكن يجب ان تكون هناك أطر أو قوانين تنظم هذه العملية. فمن يشاهد كم إعلانات التبرع التي تعرض على التليفزيون في رمضان يستنتج في لحظات تضائل دور الدولة في حل مشاكل المجتمع و تقديم الخدمات. فخلق المجتمع طبقة فوق طبقة الدولة الخدمية، بإنشائه آلاف الجمعيات و المؤسسات لسد الخلل و بناء ما أخفقت الدولة في بناءه. و حملة وطن نظيف ما هي إلا مثال لإخفاق أو تلاشي دور الدولة تماماً. فمشاركة المجتمع و رفع وعيه أمر مطلوب في حل مشكلة النظافة ولكن في ظل وجود حد أدني من الخدمة تضمن جمع القمامة و توفير أماكن لتجميعها، بدلا من جمع القمامة و عمل أكوام لا نستطيع التخلص منها بعد ذلك.

إن أعمال البر و الإنفاق في الخير و المساعدة في حل مشاكل المجتمع أمور مهمة بل و مطلوبة من الجميع و كثير من الجمعيات تعتمد على العمل الخيري المباشر من خلال منح عطايا و أموال أو سلع تموينية و عينية. و قد تحسن مؤخراً أداء بعض المؤسسات و الجمعيات الأهلية، كمؤسسة مصر الخير و رسالة، بتركيزهم على أنشطة تنموية أو علمية تسعى لبناء الإنسان من خلال التعليم أو المساهمة في حل مشكلة البطالة.

و لكن يبقى التنظيم و الترشيد و التوجيه على أسس علمية و بناءة لرفع كفاءة تلك المؤسسات و تمكين المجتمع و الأفراد للاستفادة المثلى من كل هذه الطاقات الخيرية.

أقترح إنشاء هيئة مستقلة تنسق بين وزارة التضامن الاجتماعي، لتبعية الجمعيات و المؤسسات لها، و ما بين وزارة الأوقاف لاحقا، حين يعدل قانون الوقف و تعود الأوقاف الأهلية. تكون هدف هذه الهيئة تخطيط عمل المؤسسات الخيرية و الجمعيات الاهلية و الأوقاف بالإضافة إلى عمليات جمع التبرعات. تصدر تقارير هدفها تحسين أداء تلك المؤسسات و عدالة توزيع التبرعات عليها و عدالة توزيع أنشطة الجمعيات و تنوعها بشكل عادل على كل شبر بأرض مصر، كما تسعى إلى إرشاد الراغبين في عمل وقف مستقبلا بأي المجالات أو أي المحافظات أحق به.

تصدر هذه الهيئة مؤشر لقياس أداء المؤسسات و الجمعيات و تعطي كل مؤسسة درجة طبقا لالتزامها بمعايير ذلك المؤشر. وقد تشمل المعايير كمثال و ليس الحصر ، مجموع التبرعات بالتعاون مع الجهاز المركزي للمحاسبات ، التزام هذه المؤسسات بضوابط الجهاز المركزي للمحاسبات، نسبة الإنفاق على دعاية للأموال المجموعة ، مصارف تلك التبرعات ، نسبة التبرعات لمصادر الدخل الأخرى للمؤسسة كالمستشفيات الجامعية و المؤسسات العلمية التي لديها مصادر دخل اخرى غير التبرعات ، وتواجد المؤسسات في المحافظات المختلفة و مدى انتشارها. و تلقي الضوء على التجارب الناجحة و إبراز المؤسسات القوية ذات الادارة الاحترافية، كما تذكر بالمحافظات المنسية و المحرومة من الانشطة و الخدمات.
و يعطي هذا التقرير أهمية نسبية للمؤسسات التي تعمل على التنمية المستدامة للمجتمع و بناء الانسان بالتعليم و خلق فرص عمل بدلا من العمل الخيري المباشر.

كما تقدم الهيئة تقريرا عن أداء القطاعات الخدمية، الصحة و التعليم و المواصلات و الاسكان و البطالة، في المحافظات المختلفة و يكون هذا بالتعاون مع مركز دعم اتخاذ القرار و الجهاز المركزي للإحصاء.

و بإنشاء تلك الهيئة نساعد المواطن الراغب في التبرع و العمل الخيري في اختيار ما يناسب رغباته و يلتقي مع احتياجات المجتمع و نرفع من كفاءة المؤسسات لتمكين الفرد و المجتمع وفق معايير علمية تمنع التلاعب و الترهل و تضمن عدالة التوزيع.