ملامح الطريق

منشور بجريدة الشروق ٢٧/٦/٢٠١٢

ملامح الطريق

ظهر مصطلح «الطريق الثالث» فى أثناء الاستعداد لانتخابات مجلس الشعب الماضية كمحاولة لخلق تكتل يملأ الفراغ بين التحالف الديمقراطى والذى غلب عليه تيار الإسلام السياسى والكتلة المصرية والذى صنف فيما بعد كتكتل علمانى. ولكن هذه المحاولات لخلق كتلة وسطية باءت بالفشل لأسباب عديدة. وعلى الرغم من ذلك استطاعت قائمة «الثورة مستمرة» تحقيق جزء من هذه الفكرة والتى جمعت بين تيارات ثورية بعيدا عن انتمائها الأيديولوجى فاستطاعت نقل المعركة إلى مساحات أخرى لتصبح «ثورى» و«غير ثورى» بدلا من «إسلامى» و«غير إسلامى».

ثم ظهر هذا المصطلح مجددا أثناء الانتخابات الرئاسية وقدم حمدين صباحى نفسه على أنه المرشح الوحيد الممثل للطريق الثالث البعيد عن الإسلام السياسى والبعيد عن بقايا النظام السابق.

●●●

ومؤخرا ظهر «التيار الثالث». وهو تكتل مكون من أحزاب الكتلة المصرية بالإضافة لبعض الشخصيات العامة المحسوبة على التيارين الليبرالى واليسارى ويقدم نفسه أيضا كبديل لتيار الإسلام السياسى وبقايا النظام السابق.

ولكن ما هو الطريق الثالث الذى نحتاجه حقا؟ الملمح الأول لهذا الطريق هو إرادة شعبية مستقلة. فتعبير «بقايا النظام السابق» لم يعد كافيا للتصنيف فالمسألة لم تعد الآن معركة بين النظام السابق والثورة وإنما معركة بين من يريد أن تكون إرادة الشعب مستقلة يعبر عنها عبر الآليات الديمقراطية المختلفة من انتخابات واستفتاءات، أو تكون إرادة تابعة لسلطة داخل الدولة أو تعلوها سلطة غير منتخبة بحجة إقامة قانون ملتوٍ أو حماية الدولة من خطر خارجى أو داخلى.

إن المبادئ لا تتجزأ والسيادة الكاملة لابد وأن تكون للشعب. اصطفاف البعض خلف العسكر لحمايتهم من بغى فصيل الإسلام السياسى أمر غير مقبول. لابد من العودة للاصطفاف خلف الشعب بدلا من المجلس العسكرى. ليس بالضرورة أن نصطف خلف معسكر الإسلام السياسى ولكن الاصطفاف خلف الشعب يكون بإعلاء قيمة الإرادة الشعبية فوق كل شىء من خلال احترام نتيجة الانتخابات ورفض إعلان دستورى من سلطة غير منتخبة وغير مستفتى عليه ورفض تكبيل صلاحيات رئيس منتخب. فالمساس بالإرادة الشعبية خطأ إستراتيجى لا يمكن الوقوع فيه.

الملمح الثانى للطريق الثالث هو أن يقدم مشروع لا يتخذ الدين ستارا شفافا فيصبح كل ما يقوله باسم الدين ولا يتخذ الدين حاجزا فيفهم أن ما يقوله قد يكون ضد الدين وإنما تيار يفهم أن الدين أرض وخلفية كالنول للسجاد، تيار يفهم تحديات العصر ولا يعادى تاريخه وماضيه، يأخذ من دينه روحه التى تغذيه، يأخذ من أخلاقه فتربط علاقاته وتزكيه، يفهم من الدين أن عمارة الأرض فرض ربه فيؤديه. تيار يضبط إيقاعه دستور مدنى يعلى معنى الإنسان ويكرمه ولا يفرق بين أخ وأخيه، مطلق حرياته فى ظل مرجعية حضارية تذكره وتبنيه.

الملمح الأخير أن تكون العدالة الاجتماعية جزءا أساسيا من أهدافه. فما زالت العدالة الاجتماعية هى من أهم تحديات الشعب المصرى بعد مشكلة الأمن. والعدالة الاجتماعية لا تعنى أبدا تأميم وعطايا وإنما هى مبدأ يختلف تطبيقه من مكان لمكان ومن عصر لعصر من خلال إتاحة الفرص للجميع بالتساوى وتمكين الإنسان وبنائه.

●●●

الإرادة الشعبية المستقلة، المرجعية الحضارية للمجتمع والعدالة الاجتماعية تمثل ملامح الطريق الذى ننشده سواء كان اسمه ثالثا أو رابعا أو حتى خامسا عسى أن يهدينا ربنا من أمرنا رشدا.