الرئيس

منشور بجريدة الشروق ١/٤/٢٠١٢

الرئيس

ما هى المواصفات التى نتمناها فى الرئيس القادم وماذا ننتظر منه؟ يصنف الناس المرشحين بطرق مختلفة. فالثوار يصنفونهم إلى مرشحين منتمين لمعسكر الثورة ومرشحين منتمين إلى النظام البائد ثم بعد ذلك يقسمونهم إلى تيارات أيديولوجية مختلفة. وهناك من يصنفونهم على أساس دينى، فإما إسلامى أو علمانى. وهناك من يصنف على أسس المعرفة والاعتياد أو كما يقال «اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفهوش».

على أى أسس سنختار رئيسنا القادم؟ هناك معايير ثابتة لابد من الاحتكام إليها. فكلمة «ثورى» أصبحت تحمل أوجها متعددة يختلف عليها الثوار أنفسهم حيث يقال إن فلان «ثورى أكثر من الآخر» وأن «فلان هذا باع الثورة» الخ… ولكن يجب علينا أن نحتكم إلى مبادئ ثابتة كالإيمان بالعدل. ثم نقيم بعد ذلك المرشح من حيث التطبيق على نفسه قبل غيره فى تعامله مع القوانين والقضايا المختلفة كالعدل الاجتماعى مثلا وملامسته لها وتعامله مع قضايا الفساد مع فهمه أن سيادة القانون فوق كل شىء. ثم تأتى قيمة الحرية، ودفاعه عنها قبل الثورة وبعدها ورفضه تكبيل حريات المواطنين وقمعهم. وأخيرا وليس آخر تطبيقه لمفهوم الكرامة الإنسانية وانحيازه للقضايا التى تمس كرامة الإنسان المصرى قبل الثورة وبعدها. هذه هى المعايير الثلاثة التى يجب أن يقاس بها الانتماء للثورة.

وهل يجوز التصنيف على أساس تاريخ انتماءاتهم الأيديولوجية؟ فهناك من المرشحين من يصنف كإسلامى أو كما يقال «أصله إخوانى» وهذا يصنف بالأصل كناصرى وبالتالى اشتراكى التوجه. فتصنيف الناس وحصرهم فى خنادق انتماءاتهم السابقة فيه ظلم وإجحاف. فكم من كافر أسلم وحكم المسلمين بالعدل كسيدنا عمر بن الخطاب وكم من المفكرين الشيوعيين تطوروا فيما بعد إلى مفكرين إسلاميين وكم من الإسلاميين تغيروا وأصبحوا يميلون إلى الليبرالية. أرى فى ذلك قدرة على التطور والمرونة ومعيار تقبل للآخر. فالمرشح صاحب الخلفيات المتعددة هو الأمثل لقيادة مصر فى هذه المرحلة.

●●●

البرنامج الانتخابى بلا شك له أهمية. وما أيسر الاستعانة بالمفكرين والمتخصصين فى كتابة البرامج البراقة. ولكن الأهم من ذلك هو الرؤية الشاملة لمشاكل الوطن ومعرفة أولويات احتياجاته والإيمان بقدرات شعبه.

هناك صفات أساسية لابد من وجودها فى الرئيس القادم تتلخص فى أن يكون له رؤية وإرادة مع نية صادقة وأن يكون منفتحا على الجميع فى آن واحد.

ليس من المنطق أن يكون رئيس الجمهورية خبيرا فى جميع المجالات. ففى ظل الأنظمة الديمقراطية الحقيقية يندثر دور الرئيس الملهم العالم بكل شىء. إنما يجب أن يكون له تصور عام لشكل الدولة يمتد فى المستقبل إلى عشرة أو عشرين عاما على أقل تقدير، لا ليمكث فى الحكم ولكن ليضع حجر البداية. يجب أن يكون لديه رؤية شاملة تضمن للمواطن المصرى مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومسكن ورعاية صحية وتعليم وبيئة نظيفة. وأن يتمتع برؤية لوضع مصر الإقليمى ووعى لقيمة مصر ووزنها الحقيقى دون تضخيم للذات المؤدى إلى الكوارث فى بعض الأحيان. ومن المهم أيضا إدراكه لأهمية الانفتاح على العالم فى بعض المجالات كالعلم والتجارة والثقافة دون التفريط فى هويتنا أو الإخلال بأخلاق وقيم المجتمع.

أما عن الإرادة فهى تعنى الرغبة الحقيقية فى التغيير وليس مجرد الوصول إلى الحكم والاكتفاء بالمنصب. وتشتبك الإرادة مع النية الصادقة فربما تتباين النوايا ولكن فى النهاية قد تؤدى إلى إرادة متماثلة. فمن يتحرك بنية لتحقيق ذاته أو تخليد ذكراه قد يتساوى فى الإرادة مع من يتحرك بنية لله وخدمة الشعب والوطن. ولكن هناك لحظات قد تختبر النوايا بتعارضها مع المصلحة العامة. فمن كانت نيته لخدمة الوطن وفق فى خطاه وبلغ حلمه مداه. ومن كانت نيته شخصيه تغلب عليها الهوى والكبر فقضى على نفسه وشعبه ويتولى أمره ربه ويحاسبه.

الصفات الأخيرة والأهم انفتاح العقل مع فهم حقيقى لطبيعة الشعب الثرية بالتنوع بالإضافة إلى القدرة على قيادة التيارات المختلفة واحترامه لخلفياتهم المتنوعة. فيجب أن يكون لديه رغبه فى التوافق دون تباطؤ ودون الإخلال برؤيته العامة العادلة فى ظل اتباع مؤسسية القرار وسيادة القانون. ففى الدولة الحديثة لا مكان لعديم الكفاءة ولا مكان لمستبد ولو كان كفئا.

●●●

وأخيرا سمعنا كثيرا عن مصطلح «المرشح التوافقى». فقد يتوافق المجلس العسكرى مع فصيل ما على مرشح ما وقد تتوافق بعض الأحزاب على مرشح آخر ولكن ليس من سلطة أحد أن يفرض مرشحا بعينه على الشعب. إنما المرشح التوافقى الحق هو من يتوافق عليه الشعب بإرادته الحرة التى اكتسبها بثورة 25 يناير.