لن أترك وطني

بعد أن عادت روح الانتماء و حنين المغتربين و رغبة كل المصلحين و الشرفاء من العلماء للعودة و خدمة الوطن, تراجعت كل هذه المشاعر لتعلوا أصوات “يجب أن نبحث عن وطن أخر”.

فالثورة أخرجت أنبل ما فينا من أمل و إرادة وتحدي و توحد من أجل الوطن. إلا أن بعد التنحي عدنا إلى ما كنا عليه من حالة التشرذم و تباعد بين النخب و العامة. ثم علت أصوات الاستقطاب و نبرات التخوين و الاستعلاء و الفرقة, و خفتت الأصوات العاقلة البناءة التوافقية, و الكل مدان !

علا صوت السياسة فوق كل شيء. و أظهرت السياسة أسوء ما فيها من كذب و نفاق و حنث بالوعود و بعدها التام عن تبني خطاب توافقي بناء, مصر و شعبها في أشد الحاجة إليه في هذا الوقت.

ذكى كل هذا إعلام غلب عليه عدم الشعور بالمسئولية يسعى لخبطة إعلامية على حساب وطن يتأرجح علي حافة الهاوية, ليؤكد على فساد السياسة و يبرز أسوأ ما فيها. لا نستثني أحد من السياسيين فالجميع مدان. فجماعات الإسلام السياسي و التي بهيئتها و خلفيتها تتكلم باسم الدين و تسيئ له بسبب ممارساتها السياسية, بدأ بعملية الاستفتاء و ممارسات من قبيل “غزوة الصناديق” إلى غزوة الميدان “يوم قندهار” إلى انتخابات تشريعية أستخدم فيها كل ما هو متاح من وسائل لتشويه الآخر سواء بالطعن في الدين و ترويج الإشاعات و توجيه الناخبين و المخالفات الانتخابية الأخرى.

وقد واجهت بشكل شخصي مثل هذا الممارسات. ففي 2010 ترشحت لمجلس الشعب رغبة مني في المساهمة في حشد الناس للتغيير و زيادة مشاركة الشباب في الحياة السياسية و كانوا الإخوان من ضمن المؤيدين لي. و بعد 25 يناير ترشحت لمجلس الشعب 2012 و كان طرف الإعادة معي من الحرية و العدالة. و بعد أن كانوا مؤيدين لي قبل الثورة أصبحوا منتقدين لي و مروجي لكل الإشاعات الممكنة, ولكنني لست نادما على خوض تلك التجرية و المنافسة بل على العكس, هذا وقت التمايز, فمن ساندك بالأمس هو من طعن فيك اليوم, و يعرف الرجال بالحق و لا يعرف الحق بالرجال.

و مؤخرا وليس بالتأكيد آخر حلقات هذا المسلسل الحزين من نقص الوعود, بداية من نسب الترشح للبرلمان و العمل على الاستئثار بكتابة الدستور و محاولة الحصول على كل السلطات التنفيذية و التشريعية و النقابية و الرئاسية تحت شعار واحد ساخر “مشاركة لا مغالبة بل و الدفع بمرشح إحتياطي و كأنها منافسة علي إنتخابات محليات و ليست إنتخابات رئاسية”.

و جاء أداء التيار المدني الغير منتمي لجماعة دينية ضعيفا, لا يقدم حلولا بقدر ما يتبنى في الكثير من الأحيان خطاب عالي الصوت منتقدا أكثر من أن يكون بناءا, و على الرغم من أخطاءه إلا أن الأغلبية و المزاج العام دفعاه للدفاع عن نفسه و وضعه دائما في مكان المتهم في إنتمائه لوطنه بل و أحيانا في دينه.

و خفتت أصوات التوافق و البناء في ظل استقطاب حاد على هوية غير مختلف عليها, و سقط المواطن في طيات الجدليات السياسية و تركوه وحيدا يواجه أزمات متلاحقة تمس حياته اليومية من أزمات السولار و البوتاجاز و الخبز و أمراض الحيوانات. و انحصرت دعوات العدالة الاجتماعية التي قامت من أجلها الثورة.

ثم جاءت الطامة الكبري ، بترشح عمر سليمان، و كأن ترشح وزير خارجية المخلوع، ثم بعد ذلك ترشح رئيس وزرائه و الذي في عهده حدثت معركة الجمل، ليس كافيا. كل ذلك تحت إشراف سلطة عسكرية غير منتخبة يرأسها وزير دفاع النظام السابق. إن ترشح عمر سليمان و بهذه الطريقة بداية من جس النبض، ثم الترشح في اللحظات الأخيرة و الدخول بموكب رئاسي إستفزازي للجنة الترشح لهو تحد سافر للثورة يستوجب رد واضح من القوي الثورية في صورة توحد و أخذ مواقف قانونية حازمة للحيلولة دون ترشح هؤلاء و العمل علي التنسيق بين المرشحين الثوريين لمنع تفتيت الأصوات

لا لن أترك وطني على الرغم مما شاب اختيار اللجنة التأسيسية قبل أن يقضي القضاء بوقفها، من روح تتجلى فيها المغالبة و الاستئثار و رغبة جامحة من تيار الإسلام السياسي لتحمل مسئولية الوطن منفردين دون أن يتعلموا الدرس, حتي و إن كان في مصلحتهم, من حتمية سقوط كل من أراد أن يعمل منفردا بطريقة استبدادية, ولنا في النظام البائد عبرة لأولي الألباب.


إن عملية كتابة الدستور و الانتخابات الرئاسية هي استحقاقات فاصلة في مصير الثورة المصرية. و كتابة الدستور من قبل فصيل واحد, هي علامة واضحة بأن هذا الدستور ساقط لا محالة. بل أن في حالة فوز مرشح الحرية و العدالة و ترشحه خلافا للوعود و إستحوازهم علي كل السلطات، مؤشر على أن الثورة لا تسير في المسار الصحيح, لأن مصر في هذا الوقت تحديدا, تحتاج من يمثل مصر و لا يمثل جماعة أو حزب بعينه. أما في حالة فوز مرشحي النظام السابق فهي إنتكاسة واضحة للثورة المصرية و مستقبل المنطقة كلها تستوجب العودة إلي الميدان.

الآن و ليس غداً، على القوى الثورية أن تتحد و تحتشد خلف مرشح واحد أو فريق رئاسي يكون قادرا على كسر تلك الحالة الإحتكارية و قطع الطريق أمام أذناب النظام البائد..

لا لن أترك وطني. إنه عمل بناء تراكمي, يحتاج إلى الوقت و الجهد و الصبر و إنكار الذات و التوحد، قد نخسر جولة و لكننا أبدا لن ننحاز إلا لمبادئنا و ستنتصر الثورة بإذن الله.

الرئيس

منشور بجريدة الشروق ١/٤/٢٠١٢

الرئيس

ما هى المواصفات التى نتمناها فى الرئيس القادم وماذا ننتظر منه؟ يصنف الناس المرشحين بطرق مختلفة. فالثوار يصنفونهم إلى مرشحين منتمين لمعسكر الثورة ومرشحين منتمين إلى النظام البائد ثم بعد ذلك يقسمونهم إلى تيارات أيديولوجية مختلفة. وهناك من يصنفونهم على أساس دينى، فإما إسلامى أو علمانى. وهناك من يصنف على أسس المعرفة والاعتياد أو كما يقال «اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفهوش».

على أى أسس سنختار رئيسنا القادم؟ هناك معايير ثابتة لابد من الاحتكام إليها. فكلمة «ثورى» أصبحت تحمل أوجها متعددة يختلف عليها الثوار أنفسهم حيث يقال إن فلان «ثورى أكثر من الآخر» وأن «فلان هذا باع الثورة» الخ… ولكن يجب علينا أن نحتكم إلى مبادئ ثابتة كالإيمان بالعدل. ثم نقيم بعد ذلك المرشح من حيث التطبيق على نفسه قبل غيره فى تعامله مع القوانين والقضايا المختلفة كالعدل الاجتماعى مثلا وملامسته لها وتعامله مع قضايا الفساد مع فهمه أن سيادة القانون فوق كل شىء. ثم تأتى قيمة الحرية، ودفاعه عنها قبل الثورة وبعدها ورفضه تكبيل حريات المواطنين وقمعهم. وأخيرا وليس آخر تطبيقه لمفهوم الكرامة الإنسانية وانحيازه للقضايا التى تمس كرامة الإنسان المصرى قبل الثورة وبعدها. هذه هى المعايير الثلاثة التى يجب أن يقاس بها الانتماء للثورة.

وهل يجوز التصنيف على أساس تاريخ انتماءاتهم الأيديولوجية؟ فهناك من المرشحين من يصنف كإسلامى أو كما يقال «أصله إخوانى» وهذا يصنف بالأصل كناصرى وبالتالى اشتراكى التوجه. فتصنيف الناس وحصرهم فى خنادق انتماءاتهم السابقة فيه ظلم وإجحاف. فكم من كافر أسلم وحكم المسلمين بالعدل كسيدنا عمر بن الخطاب وكم من المفكرين الشيوعيين تطوروا فيما بعد إلى مفكرين إسلاميين وكم من الإسلاميين تغيروا وأصبحوا يميلون إلى الليبرالية. أرى فى ذلك قدرة على التطور والمرونة ومعيار تقبل للآخر. فالمرشح صاحب الخلفيات المتعددة هو الأمثل لقيادة مصر فى هذه المرحلة.

●●●

البرنامج الانتخابى بلا شك له أهمية. وما أيسر الاستعانة بالمفكرين والمتخصصين فى كتابة البرامج البراقة. ولكن الأهم من ذلك هو الرؤية الشاملة لمشاكل الوطن ومعرفة أولويات احتياجاته والإيمان بقدرات شعبه.

هناك صفات أساسية لابد من وجودها فى الرئيس القادم تتلخص فى أن يكون له رؤية وإرادة مع نية صادقة وأن يكون منفتحا على الجميع فى آن واحد.

ليس من المنطق أن يكون رئيس الجمهورية خبيرا فى جميع المجالات. ففى ظل الأنظمة الديمقراطية الحقيقية يندثر دور الرئيس الملهم العالم بكل شىء. إنما يجب أن يكون له تصور عام لشكل الدولة يمتد فى المستقبل إلى عشرة أو عشرين عاما على أقل تقدير، لا ليمكث فى الحكم ولكن ليضع حجر البداية. يجب أن يكون لديه رؤية شاملة تضمن للمواطن المصرى مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومسكن ورعاية صحية وتعليم وبيئة نظيفة. وأن يتمتع برؤية لوضع مصر الإقليمى ووعى لقيمة مصر ووزنها الحقيقى دون تضخيم للذات المؤدى إلى الكوارث فى بعض الأحيان. ومن المهم أيضا إدراكه لأهمية الانفتاح على العالم فى بعض المجالات كالعلم والتجارة والثقافة دون التفريط فى هويتنا أو الإخلال بأخلاق وقيم المجتمع.

أما عن الإرادة فهى تعنى الرغبة الحقيقية فى التغيير وليس مجرد الوصول إلى الحكم والاكتفاء بالمنصب. وتشتبك الإرادة مع النية الصادقة فربما تتباين النوايا ولكن فى النهاية قد تؤدى إلى إرادة متماثلة. فمن يتحرك بنية لتحقيق ذاته أو تخليد ذكراه قد يتساوى فى الإرادة مع من يتحرك بنية لله وخدمة الشعب والوطن. ولكن هناك لحظات قد تختبر النوايا بتعارضها مع المصلحة العامة. فمن كانت نيته لخدمة الوطن وفق فى خطاه وبلغ حلمه مداه. ومن كانت نيته شخصيه تغلب عليها الهوى والكبر فقضى على نفسه وشعبه ويتولى أمره ربه ويحاسبه.

الصفات الأخيرة والأهم انفتاح العقل مع فهم حقيقى لطبيعة الشعب الثرية بالتنوع بالإضافة إلى القدرة على قيادة التيارات المختلفة واحترامه لخلفياتهم المتنوعة. فيجب أن يكون لديه رغبه فى التوافق دون تباطؤ ودون الإخلال برؤيته العامة العادلة فى ظل اتباع مؤسسية القرار وسيادة القانون. ففى الدولة الحديثة لا مكان لعديم الكفاءة ولا مكان لمستبد ولو كان كفئا.

●●●

وأخيرا سمعنا كثيرا عن مصطلح «المرشح التوافقى». فقد يتوافق المجلس العسكرى مع فصيل ما على مرشح ما وقد تتوافق بعض الأحزاب على مرشح آخر ولكن ليس من سلطة أحد أن يفرض مرشحا بعينه على الشعب. إنما المرشح التوافقى الحق هو من يتوافق عليه الشعب بإرادته الحرة التى اكتسبها بثورة 25 يناير.