المرجعية الحزبية و المرجعية الشخصية

منشور بجريدة الشروق ١٧/٣/٢٠١٢

المرجعية الحزبية و المرجعية الشخصية

عقب التنحى مباشرة أصاب المصريين لوث المرجعية. وبعد أن كان ميدان التحرير مرجعيتنا ومصر هى هدفنا تشرذمنا وأصبحنا فرقا وشيعا.

فتلك مظاهرة دعا إليها الليبراليون وهذه للإسلاميين وأخرى للاشتراكيين. انغمسنا فى سرد فضائل بعضنا على البعض واتهام البعض الآخر بالتخلى عن الثورة وبيع دماء الشهداء، تلك الكلمات المستخدمة كثيرا فى غير موضعها.

●●

الدستور المصرى يجب أن يكون مرجعية البلاد والأحزاب. يشبه هذا الدستور النسيج المتشابك بخيوطه البيضاء بفراغات بينية تسمح بغزل الأفراد والجماعات والأحزاب وكل المؤسسات رسومات ملونة على تلك الخلفية البيضاء لتصنع وطنا متعدد الألوان والأفكار.

ولذلك فإن المرجعية الدستورية هى الحل للخروج من هذا العبث الذى يقسم المصريين إلى مرجعية إسلامية وغيرها من المرجعيات. فوجود أحزاب ذات مرجعية إسلامية يعنى أن كل ما يقولون مردود إلى شيخ أو مجموعة من الشيوخ وهذا يصنع حكما دينيا. فالمرجعية يجب أن تكون دستورية مبنية على توافق مجتمعى. فإذا كانت المادة الثانية من الدستور ومبادئ الشريعة الإسلامية هى مرجعية الدولة فيجب أن تنتهى تلك الجدليات التى قسمت المجتمع إلى علمانى وإسلامى دون فهم حقيقى لتلك المصطلحات.

فكلمة «إسلامى» مردها إلى الكلمة الإنجليزية «islamist». والأفضل استخدام بديل لها كمصطلح «الإسلام السياسى» والذى تكون مرجعيته جماعة دينية كالإخوان المسلمين أو السلفيين. وتحت مظلة المادة الثانية، فالمرجعية للأحزاب وللجميع تصبح واحدة فى ظل دولة مؤسسات مدنية ترتكز على القانون وتسمح بتعدد الاجتهادات.

وعلى افتراض غياب المادة الثانية من الدستور لا يمكننا أن ننزع هوية المجتمع من الدين والقيم والمبادئ والتاريخ. فتلك الثوابت تمثل خلفية ما قبل الدستور. فإذا كان الدستور هو ذلك النسيج الأبيض المفرغ، فثقافة المجتمع المكونة من الدين والتاريخ والعادات واللغة تمثل الخيط الأبيض الذى ينسج به.

والسؤال هو: هل للمسلمين مرجعية غير دينهم ؟ هناك مبدأ واضح أقرته الآية الكريمة «قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». قد تكون هذه حقيقة غائبة عن الكثير وقد تكون حاضرة. قد نختلف فى تفسيرات الحياة والأعمال الدنيوية ولكن الأصول التى تجمع المسلمين لا جدال عليها. وهذا التوجه بالنية إلى الله لا يضر غير المسلمين فى ظل اجتهادات دنيوية نأخذ بأسباب النجاح فننجوا أو لا نأخذ بها فنفشل، فهذه سنة الكون ثابتة وإن اختلفت الأزمان والأماكن والأشخاص. يجتهد الناس وتتعدد مشاربهم ولكن مآل أعمالهم فى الآخرة طبقا لمعتقد كل واحد فيهم.

●●●

الحل هو الخروج من إطار الأيديولوجيات الضيقة إلى رحاب نسيج المجتمع الواحد. فلنغزل مستقبلنا على خلفية التيار الرئيسى المصرى المتجاوز للقوالب الأيديولوجية الجامدة، المتصالح مع قيمه وعاداته، المستلهم من تراثه وأصالته والمرسخ لدولة المؤسسات المدنية. ونرتكز على قيم أساسية لا يمكن التفريط فيها. أولاها: الحفاظ على كرامة الإنسان المصرى دون تفرقة. ثم حماية الحريات الدينية والسياسية والمدنية ليحكمها ميثاق شرف ترتضيه الأمة وليست قوانين مكبلة. وإتاحة الفرص للجميع وتعدد الاختيار دون الإخلال بالنظام الاجتماعى. ثم تحقيق العدالة الاجتماعية وإتاحة تكافؤ الفرص للجميع. فلا أحد يختلف على تلك المطالب.

ما يجمعنا هو حب هذا الوطن، ولكن ما ينقصنا هو ثقافة الاختلاف وقبول الرأى الآخر. ما نحتاج إليه هو العمل معا فيما نتفق عليه وهو كثير ورحب. وما يجمعنا أن الوطن مسئولية الجميع وأننا بدون التوافق والعمل سويا سيغرق الوطن وسنغرق معه إذا نسينا ما جمعنا.

فلنتشبث بما يجمعنا وننسج لوحة ملونة على خلفية نسيج متماسك من الخيط الأبيض.