فساد الإدارة و الإرادة السياسية

منشور بجريدة الشروق٣/٣/٢٠١٢

فساد الإدارة و الإرادة السياسية

عقب التنحى مباشرة بدأ الكثير من الشباب التفكير فى إنشاء كيانات تعبر عن رؤاهم فى بناء الدولةالمصرية الحديثة من خلال المشاركة السياسية. شارك بعضهم فى تكوين ائتلافات وحركات ثورية بينما اهتم البعض الآخر بتأسيس أحزاب. كنت أحد الذين اختاروا مسار تأسيس حزب يستند بالأساس إلى الشباب فى بنيته ويستلهم من خبرات السابقين ويستعين بهم فى رؤيته وبرنامجه.

التدريب والتثقيف بالإضافة إلى كيفية إدارة الأحزاب كانت من أهم العقبات التى واجهتنا فى مرحلة التأسيس وما تبعها من انتخابات. ويرجع ذلك إلى حداثة المشاركة السياسية لكثير من المؤسسين والأعضاء كما هو حال معظم المصريين عامة.

فور تأسيس الأحزاب الجديدة وجهت دعوات شتى من مؤسسات مختلفة للتدريب داخل مصر فى مقرات تلك الأحزاب ومقار المؤسسات نفسها على كيفية إدارة وتمويل الأحزاب وإدارة العملية الانتخابية إلى آخر هذه الخبرات التى نفتقد محتواها باللغة العربية فى مصر بالإضافة إلى الكوادر المؤهلة للتدريب.

فى تلك التدريبات التى حضرها ممثلون عن معظم الأحزاب الفاعلة فى الساحة، وحين طرح السؤال عن وجود رخصة بالعمل فى مصر كان الرد منهم دائما أنهم يعملون من خلال مكتبهم فى مصر منذ بضع سنوات وأنهم قدموا على رخصة وفى انتظار الموافقة الرسمية.

الغريب فى الأمر أن تلك المكاتب تعمل فى العلن منذ أشهر وتقدم التدريبات فى الأحزاب ومقار الجمعيات والفنادق دون أن يقوم أحد من المسئولين بأى إجراء ضدهم. فكيف يكون ذلك لو أنها تخالف القانون كما يدعون؟

●●●

تعمل هذه المؤسسات على ملء استبيانات وجمع إحصائيات حول المزاج الانتخابى للمجتمع المصرى وتحليل كثير من خصائصه السوسيولوجية من ضمنها ما يريده المصريون فى المستقبل وما هى مخاوفهم وأولوياتهم فى المرحلة المقبلة وما هى الأحزاب التى تستحوز على اهتمامهم إلى آخر تلك البيانات المهمة لدعم اتخاذ القرار لأى قيادة حزبية تريد أن تنافس بشكل علمى فى العملية الانتخابية.

قد تبدو عملية جمع البيانات بريئة إذا ما انتزعت من سياقها. إلا أن جمع مثل هذه البيانات من قبل جمعيات غير مصرية غير مرخصة دون الرقابة عليها يثير بالطبع علامات استفهام كثيرة. ولكن السؤال الأهم هو لماذا تركت هذه الجمعيات لتعمل بكل حرية قبل الانتخابات وبعضها يتحرك منذ سنوات؟ بل إن بعضها حصل على تصاريح لمراقبة الانتخابات بشكل رسمى. ثم فجأة تخرج علينا الأصوات المنادية لأول مرة بالاستقلال الوطنى. والسؤال التالى هو: إذا لم يكن السيادة والاستقلال الوطنى هما الدافعان للتحرك من قبل فما هو الدافع للتحرك الآن ومن ثم إثارة قضية المعونة الأمريكية وما تبعها من تحركات ودعاوى لمواجهة هذه المعونة الملعونة فجأة من الجهات السيادية التى كانت تتعامل معها بكل أدب منذ عقود؟

الأمر يستدعى أيضا تذكر حادثة الاعتداء على مقر مكتب الجزيرة مباشر منذ عدة أشهر بدعوى أنه ليس لديه تصريح بالعمل على الرغم من أن مكتب الجزيرة الرئيسى يعمل وأنهم تقدموا بطلب ترخيص من قبل.

الإجابة عن تلك الأسئلة تكمن فى الإرادة السياسية التى تتحرك وفق أولوياتها وتوازناتها الخاصة دون مراجعة ومحاسبة من الشعب. غياب المؤسسات التشريعية والرقابية كمجلسى الشعب والشورى سواء كان مغيبا كما كان قبل الثورة أو غائبا بالفعل فى الفترة الانتقالية قبل الانتخابات المنصرمة ساهم بشكل كبير فى إفساد الإرادة والإدارة السياسية.

ليس عيبا أن يتدرب الشباب على إدارة العمليات الانتخابية وكيفية إنشاء الأحزاب. وليس عيبا أن تقوم مؤسسات المجتمع المدنى، وإن كانت ممولة خارجيا، بعمل استبيانات وإحصائيات طالما أنها معلنة وموثقة على أن تخضع مصادر تمويلها للرقابة. ولكن العيب هو التحكم فى حرية تداول المعلومات وفق أولويات إرادة غير سليمة وإدارة غير منظمة.

إن مدخلات الثقافة للمواطن يجب أن ترتكز على مبدأ حرية التعبير وتداول المعلومات. الحق فى الحصول على المعلومات هو أساس بناء دولة حديثة وتمكين للمواطن للقيام بدوره فى النهضة. فلا مانع من تنظيم عمل تلك المنظمات. ولكن يجب أن يتم ذلك من خلال تشريعات واضحة وحيادية تطبق على الجميع تضمن بالأساس حرية المعلومات عوضا عن تقييدها. فقد انتهى عصر الحجب والمنع والتقييد.

●●●

نحن بحاجة ماسة لنظام مدنى مؤسسى قوى، قائم على دستور توافقى يخرج من إرادة شعبية حقيقية. ويجب أن يدعم هذا النظام جهاز شرطة عقيدته مبنية على أمن الإنسان مع الحفاظ على حقوقه وكرامته. ويتولى مسئولية الأمن القومى جيش نظامى يحمى حدود البلاد ويخضع للسلطة المدنية. عندئذ تتصافر فكرة الإرادة السياسية الممثلة فى سلطة غير منتخبة تتصرف وفق أهوائها وتدخل المزاج الشخصى للقيادة فى تحديد مسار الدولة. فننتقل بذلك من إرادة الدولة الممثلة فى الثلة الحاكمة المستبدة بقرارها إلى إرادة دولة ممثلة فى مؤسسات قوية منتخبة. فيصبح للمجتمع دور حقيقى فى الإصلاح لإيمانه العميق بأن هذه المؤسسات تتحدث باسمه وتعبر عنه وثقته فى قدرته على محاسبتها وتغييرها. وبذلك يزداد عطاؤه فيجنى ثماره فى نهضة حقيقية ونمو يعود عليه بالرفاهية والعدالة الاجتماعية فيتأكد انتماؤه لبلده ويعزز إرادته.

نحتاج إلى حكم رشيد يرتكز على مؤسسات قوية وسيادة القانون. ونحتاج إرادة شعب لتحول إرادة الدولة من الهوى الشخصى إلى إرادة دولة متناغمة مع إرادته.