علاقة الدولة بالله

منشور بجريدة الشروق ٢٠/٢/٢٠١٢

علاقة الدولة بالله

ستبدأ معركة وضع الدستور عقب الانتهاء من انتخابات مجلس الشورى والبدء فى إجراءات اختيار الجمعية التأسيسية للدستور فى اجتماع مجلسى الشعب والشورى المشترك. وعلى الرغم من أن المعارك الحقيقية يجب أن تكون إما رسم حدود علاقة الرئيس بمؤسسات الدولة المختلفة وتحديد سلطاته أو أن تكون حول العدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة، إلا أن المعركة المتوقعة ستكون بين علاقة الدين بالدولة.

ترتكز مصر على عقيدة دستورية وقانونية مترسخة عبر السنين توضح علاقة الدين بالدولة والتى أوضحتها وأقرتها وثيقة الأزهر الأخيرة والتى تنص على «دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التى تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة. ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامى الصحيح». كما نصت على «شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية.»

•••

ولكن يبقى السؤال: ما هى إلزامية فتاوى المؤسسات الدينية للجهات التشريعية؟

تختلف الأحزاب والقوى السياسية فى رسم علاقة الدين بالدولة. فهناك من ينادى بفصل الدين عن الدولة تماما. وهناك من يرى أن الفتاوى الشرعية من قبل هيئة علماء المسلمين أو مؤسسة كالأزهر مثلا ملزمة. وهناك من له مرجعيته الإسلامية الخاصة به فى حزبه مستندا إلى جماعة دينية كالإخوان المسلمين أو الجماعات السلفية. وهناك من يرى أن «مبادئ الشريعة الإسلامية» التى نصت عليها المادة الثانية من الدستور هى مبادئ عامة كالعدل والحرية والمساواة وهذه ليست بكافية وأنه يجب أن ينص الدستور صراحة على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع.

علاقة الدولة بالله يجب أن تكون مثل علاقة الفرد بالله. فالمسلم ليس بينه وبين الله وسيط وإنما عليه أن يجتهد ويتعلم دينه، أن يفكر ويستفتى قلبه وأن يستشير أهل العلم والاختصاص. وهكذا تكون علاقة الدولة بالدين.

فالسلطة التشريعية يجب أن تكون لنواب مجلس الشعب فى ضوء المادة الثانية من الدستور على أن يكون رأى المؤسسات الدينية استشاريا وغير ملزم. إذا حكمنا بأن كل قانون يخضع لهيئة علماء دينية أصبحنا دولة دينية تحكم باسم الله من قبل أشخاص أرائهم اجتهاد قابل للأخذ والرد. ولن نستطيع حصر كل الآراء فى مؤسسة واحدة أو عالم واحد لأن اختلاف الآراء الفقهية رحمة من الله.

من الأفضل تركز دور المؤسسات الدينية والدعاة فى إنارة العقول بصحيح الدين. ويصبح دور الدولة العمل على استقلال المؤسسات الدينية كالأزهر استقلالا حقيقيا ماديا وإداريا بما لا يسمح بتدخل الحاكم فى إملاء فتاوى وتوجهات تعضض من استبداده أو تخفى فساده. وينشط الأزهر فى نشر دعوته الحنيفة الوسطية. وحينذاك سيختار المواطنون من يمثلهم فى البرلمان على أسس سليمة. فإذا عجز أعضاء مجلسى الشعب والشورى عن تمثيل رؤاهم ورغباتهم وفق ترجمتهم لمرجعية الدولة الإسلامية، أزاحوهم من خلال الانتخابات. بذلك نفتح الباب للاجتهادات المختلفة ولا نفرض رأى بعينه وإنما نعلى العقل مع النقل ونحيى ونجدد علوم الدين وفق النصوص الشرعية من خلال أهل الاختصاصات المختلفة ولا نحصرها فى مؤسسة بعينها.

•••

إن المقاصد الرئيسية للشريعة الإسلامية هى الحفاظ على النفس والعقل والعرض والمال والدين ولذلك فمن الأفضل أن تحكم بعض الضوابط المادة الثانية من الدستور. أولا، إن نص المادة الثانية موجه للسلطة التشريعية وحدها، ومِن ثم فلا يجوز للسلطة القضائية أن تحيد عن القوانين الصادرة من السلطة التشريعية وتعيد ترجمة مبادئ الشريعة الإسلامية من تلقاء نفسها. ثانيا، إن مصدرية مبادئ الشريعة الإسلامية الواردة فى المادة الثانية يتعين تفسيرها وفقا لما يتسق مع سائر النصوص الدستورية فى إطار الحرص على وحدة الدستور وعدم تجزئته فلا يتضاد نص دستورى مع آخر. ثالثا، إن مبادئ الشريعة الإسلامية المجمع عليها هى النصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة.

الإسلام دين ودولة. ليس دولة دينية وإنما دولة بمرجعية إسلامية وفق فهم أهل البلاد ووفق مصالحهم: حرية عقيدة وحرية عبادة دون وسيط وعلاقة فرد ودولة موصولة بالله.