بين مسارين

منشور بجريدة الشروق ١/٢/٢٠١٢

بين مسارين

المسار الثورى الذى بدأت أولى خطواته فى يوم 25 يناير 2011 مع اشتعال فتيل الثورة، والمسار الثانى بدأ مع تنحى مبارك وبدء عملية التحول الديمقراطى بانتخابات مجلس الشعب.

بين المسارين الأول والثانى يختلف الناس، فمنهم من اكتفى بالأول ومنهم من خطى فى الاثنين ومنهم من لم يمش خطوة فى أى منهما.

إن استمرار المسار الثورى فى صور الاعتصامات والتظاهرات يدل على عدم قدرة المسار السياسى، وهو المسار الأصيل، فى استيعاب الطاقات ورغبة الناس فى التعبير عن رؤيتهم ويدعونا إلى تأمل انتخابات مجلس الشعب والمشهد السياسى بشكل عام.

لا يشك أحد أن من أشعل فتيل الثورة هم الشباب. نعم قد شارك كل الشعب فيها ولكن سيظل الشباب المصرى هو العنصر الفعال والزخم الحقيقى للثورة.

إلا أن تمثيلهم فى البرلمان محدود ولا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، وهو ما يعنى أننا أمام أزمة حقيقية. فكيف لا يمثل من صنع الحدث ويستكمل ثورته من خلال المسار السياسى وتمثيله فى البرلمان وهو المسار الأصيل من حيث الاستمرارية والحالة المستقرة التى تنشدها أى أمة.

ما عقب التنحى من إجراءات وقوانين منظمة للعملية الانتخابية، وقانون الأحزاب الجديد، ليس فقط هما المسئولان عن عدم تمثيل الشباب، إنما يضاف إلى ذلك ثقافة مجتمع، لا يثق إلى الآن بالقدر الكافى فى الشباب، مما أدى إلى ضعف تمويل الأحزاب الشبابية وانخفاض نسب التصويت لهم فى الانتخابات فى ظل منافسة أحزاب سابقة التجهيز كحزبى الحرية والعدالة والنور من حيث التمويل والتنظيم نظرا لوجودهما بالفعل مسبقا على الأرض منذ عقود. ومع ضيق الوقت بين تأسيس الأحزاب الشبابية غير المستندة إلى جماعات دينية وإجراء انتخابات مجلس الشعب، وقلة التمويل، وقوانين مكبلة وقلة خبرات الشباب، فالكثير منهم لم يشارك فى تنظيم العملية الانتخابية برمتها من قبل إن كان ناخبا. أدى ذلك كله إلى صعوبة الوصول إلى الناخبين وإقناعهم بقدرة الشباب على استكمال الثورة تحت قبة البرلمان.

●●●

ويبقى السؤال: ما هو الحل لتقريب المسارين الثورى والسياسى كى يصبح المسار السياسى هو الأساسى وينحصر المسار الثورى الخاص بالاعتصامات والمظاهرات لظروف استثنائية وتنتقل الحالة الثورية إلى الممارسة السياسية بمسارها المؤسسى وتتحول هذه المؤسسات إلى مؤسسات ثورية تستجيب إلى مطالب الشعب سريعا فتقدم حلولا وقوانين ثورية فى طرحها وحلها؟.

الحل يكمن ما بين المجتمع ومجلس الشعب. أما عن مجلس الشعب فعليه إعادة النظر فى القوانين المنظمة للعملية الانتخابية وآلية عمله كمؤسسة المجلس.

أولا، قانون انتخابات مجلسى الشعب والشورى، يجب ألا يستمر النظام المختلط بين القائمة والفردى، الاختيار يكون بين النظام الفردى أو القائمة بنسبة ١٠٠٪.

فى ظل انحصار فلول النظام السابق وبدء ممارسة حقيقية للأحزاب، فإن العودة لنظام الفردى يسمح بأن تكون الدوائر على مستوى المركز وهى المساحة المقبولة حتى للمستقلين وتمكن الشباب أكثر فى المنافسة فى ظل قلة إمكانياتهم. أو نظام القائمة النسبية المغلقة بنسبة 100%، أولا لأن التغيير إلى نظام قوائم جديد قد يزيد من نسبة الأصوات الباطلة كما أن بنظام القائمة بنسبة 100% يزداد عدد المرشحين بالقائمة الواحدة مما يسمح بفرصة أكبر للأحزاب للفوز بمقاعد فى حال حصولها على أصوات أقل.

يجب إلغاء نسبة 50% عمال وفلاحين وإلغاء تعيين النواب لأن معيار الكفاءة هو الأساس. كما يجب إلغاء نسبة المرأة، لأن مشاركة المرأة من الأفضل أن تكون من خلال تمكينها داخل الأحزاب والمجتمع وليس من خلال حصص تمنح. وعلى الأحزاب أن تتميز من خلال تنوع مرشحيها وكفاءتهم ومن خلال برامج حقيقية تخدم المواطن.

ثانيا، قانون تنظيم الدعاية الانتخابية، يجب تخصيص مساحة ثابتة فى كل مدينة فى أكبر ميادينها أو مساحة ثابتة فى القرى فى أماكن التجمع للدعاية الانتخابية للمرشحين والأحزاب، ولا يسمح بأى حال من الأحوال للدعاية السمعية من مكبرات صوتية لا تراعى أى ظروف أو توقيتات، بالإضافة إلى تجريم جنائى للدعاية داخل المساجد لأحزاب بعينها وتوجيه الناخبين أمام اللجان وخرق الصمت الانتخابى، إلى آخر هذه الممارسات التى مورست فى كل الدوائر من قبل معظم الأحزاب.

أما عن آليات عمل المجلس، فطريقة التصويت يجب ألا تظل هكذا برفع الأيادى، ويجب أن ننتقل إلى طريق أكثر عصرية لتناسب ثورة 25 يناير، فتكون إليكترونيا. ويصبح لكل نائب سجل بالحضور والغياب وتاريخه فى التصويت على كل مادة وقرار وقانون ويكون متاحا للجميع فى نهاية كل أسبوع، وبذلك تفعل الرقابة الشعبية المستمرة ويصبح لكل نائب تاريخ حقيقى يحاسب عليه أمام الشعب، وليس المواقف المفتعلة أمام الشاشات. بث الجلسات بثا حيا على التليفيزيون دون انقطاع أو قطع إرسال. السماح لمجموعات صغيرة من عامة الشعب لحضور الجلسات للاستماع فى شرفات المجلس بصفة مستمرة. توفير آليات إليكترونية للنواب لتيسير التواصل مع الشعب.

●●●

فى ظل برلمان استثنائى، يجب ألا تكون أبدا فترات الانعقاد هى الفترات المعتادة، وإنما يجب تكثيف الجلسات بشكل أكثر دورية لتلبية مطالب الثورة الملحة والأحداث المتغيرة والطارئة بشكل عاجل.

تشكيل ست لجان تختص بستة ملفات أساسية وعاجلة، الملف الأول ملف شهداء الثورة ومصابيها والتأكد من تعويضهم ومحاسبة القتلة والمفسدين.

الملف الثانى هو ملف الفساد والمفسدين، ومحاسبة من أفسد الحياة السياسية، لأن إفساد الحياة السياسية وإدخال الفساد إلى الحكم يضر المجتمع ككل ولأنه يعد فسادا على مستوى أوسع من الفساد الشخصى.

الملف الثالث هو ملف الفساد الإدارى فى مؤسسات الدولة الرقابية والتنفيذية وبالأخص الوزارات. وقف الفساد الإدارى وتطوير مؤسسات الدولة إداريا ينعكس بشكل سريع على اقتصاد الدولة وأدائها ملبيا لطموحات الشعب بشكل أسرع.

الملف الرابع هو ملف الحقوق والحريات، وهو بحث كل القوانين المكبلة للحريات، والعمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة غير المنقوصة، ومحاسبة كل من شارك أو ساهم فى حبس أو تعذيب مواطن بغير حق. فإهانة كرامة المصريين أو الحد من حرياتهم دون وجه حق أمر لا يمكن التهاون فيه أو نسيانه، وإعادة الحقوق إلى أصحابها شرط أساسى قبل السؤال عن انتمائهم للدولة.

الملف الخامس هو ملف العدالة الاجتماعية، تقوم اللجنة بإعادة النظر فى ملفات الدعم، الخصخصة والأجور.

الملف السادس، ملف التحول الديمقراطى ووضع الدستور والانتخابات الرئاسية.

تشكل هذه اللجان من تنوع من أعضاء اللجان البرلمانية الأساسية كى تحدث التكامل ولا يحدث تضارب فى أعمال اللجان.

●●●

على مستوى المجتمع، فعلى الشباب أن يستمروا فى حملات التوعية بجميع أشكالها فالمعركة مازالت طويلة. فإن لم يتحول الإنفاق على السياسة كما الإنفاق على أعمال البر أو يقاربها فيجب على أقل تقدير ألا يكون التمويل شيئا صعب المنال. على المجتمع إدراك أن الإنفاق على المشاريع السياسية والتنموية هو إنفاق يحل المشاكل من جذورها. فوضع قانون سليم عادل، يصلح من مجتمع بأسره، ووقف قانون غادر غير عادل ينقذ مجتمعا بأسره، وأن الإنفاق على العمل العام كالعمل السياسى هو عمل بر وخير إذا كان بنية إصلاح البلاد وتيسير مصالح العباد.

مشاركة الشباب فى الأحزاب أصبح أمرا عاجلا ومهما، وإن لم يشتركوا فعليهم أن يبحثوا ويميزوا بين الأحزاب المختلفة وبرامجها. هناك فرق شاسع بين حركة احتجاجية وحزب سياسى له مشروع لبناء الدولة، فعملية الهدم والتفكيك يجب أن يصاحبها عملية إصلاح وبناء. نسبة المشاركة فى الأحزاب مازالت ضعيفة، قد يرجع هذا لضعف البرامج السياسية أو إلى رؤية البعض أن الثورة لم تنته كى نبدأ العمل الحزبى، ولكن بعد انتخابات مجلسى الشعب والشورى يكون المجلسان صورة مؤسسية للتعبير عن الشعب المصرى. وحينما تأتى انتخابات المحليات سنجد أننا كشباب نكرر نفس الخطأ فى العزوف عن المشاركة الحزبية. علينا أن نعيد تنظيم أنفسنا من جديد والعمل على المشاركة الفعالة فى الأحزاب الجديدة من خلال الأفكار والتمويل الذاتى والعمل على الأرض من خلال برامج حقيقية تشتبك مع الواقع وترفعه وتقدم حلولا ثورية.

الثقة والأمل، الإرادة والعزيمة، التصميم والإخلاص وإنكار الذات هو ما تبقى لنا، وكفى بها من نعم. ولكن يبقى التنظيم والترتيب والإدارة والرؤية. فأما التنظيم والترتيب والإدارة فتكون من خلال الأحزاب. وأما عن الرؤية، فالرؤية واضحة، بأن تكون مصر دولة مدنية (لا عسكرية ولا دينية)، عادلة وحرة، محققة لأهداف ثورتنا، عيش.. حرية.. وعدالة اجتماعية، تنهض بأبنائها، معتزة بهويتها، مشاركة ومضيفة للحضارة الإنسانية.