علاقة الدين بالدولة

هناك أزمة في مسألة وضع الدستور الحالي, و الجميع يدور حول مشكلة واحدة و لا يريد أحد أن يتحدث عنها بصراحة وهي علاقة الدين بالدولة.

فالجميع يؤمن بالحريات و الحقوق و قواعد العدالة الاجتماعية و لكن الجميع يناور حول علاقة الدين بالدولة. بدأت الأزمة من الاستفتاء في معركة الدستور أولا أو الانتخابات أولا, و حدث الاستقطاب الديني الشهير و حشد الناس علي أساس ديني مع أو ضد التعديلات, رغم عدم طرح تعديلات علي المادة الثانية من الدستور.

خرجنا من الاستفتاء و بدأ صعود فكرة المبادئ الحاكمة للدستور بقيادة الدكتور محمد البرادعي كمحاولة لفض الاشتباك بين تخوفات البعض من اجراء الانتخابات و تولي الحكم أغلبية تضع الدستور بمفردها, و توالت بعد ذلك الوثائق و كل مجموعة و مرشح محتمل أصدر وثيقته و تصدر الصفحات الأولي من الصحف. و نشأت بالتوازي فكرة وضع معايير لاختيار المائة عضو في اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.

و أصدر الأزهر الشريف وثيقته, و لكن القوي السياسية لم تكتفى بذلك بل دأبت علي إصدار الوثائق رغم تأييد معظمهم من الأصل لوثيقة الأزهر.

إلي أن أعلن المجلس العسكري في بيان ملتبس في فهمه بأنه سيشرع في وضع مبادئ حاكمة للدستور و معايير لاختيار المئة عضو, و قد يفهم من البيان بشكل أوضح أنها مبادئ حاكمة لاختيار المائة شخصية فقط و ليسن حاكمة للدستور, و لكن الكل يفهم حسب نيته.

و جاء بعد ذلك تهديد بعض القوي السياسية بالنزول إلي الشارع في حالة اصدار اعلان دستوري بالمواد الحاكمة, فدعي شيخ الأزهر كل القوي السياسية للحوار من جديد حول وثيقته مرة ثانية و جعلها وثيقة إسترشادية لوضع الدستور ملزمة إلزام أخلاقي علي من وقعها.

نعم هناك أزمة فالجميع يجلس في الغرف المغلقة و مع شيخ الأزهر و يقول أنه لا توجد مشكلة و أننا متوافقين ثم تخرج علينا الفضائيات و الصحف بما هو عكس ذلك. ينضبط الجميع لفظيا في الحوار و لا يستخدم الفاظا ثنائية المعني الا, أننا حين نخرج للشارع و الاعلام نسعي لزيادة الفرقة, نعم هناك مشكلة.

و المشكلة ليست في تغيير المصطلحات و استبدالها بمصطلحات أقل وطئا و إنما المشكلة في فهم المصطلحات المختلفة و عدم الحوار الجدي عليها. ما هو فهم علاقة الدين بالدولة بشكل واضح؟

أقرت وثيقة الأزهر أن التشريع لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الاسلامي الصحيح, و السؤال هنا ما هي الزامية فتاوي المؤسسات الدينية للجهات التشريعية ؟ هل هي ملزمة أم لا ؟ و ما هو حكم الأحكام الصادرة قبل تعديل الدستور عام 1980 و هلي هي قابلة للتعديل أم لا ؟

علاقة الدين بالدولة, تختلف الأحزاب و القوي السياسية في الفهم, فهناك من ينادي بفصل الدين عن الدولة وهي دعوة لا يمكن تطبيقها في مصر لطبيعة الشعب المصري و لطبيعة الشريعة الاسلامية لما فيها من تشريع و تنظيم لحياة الناس, و إن كنت لا أصادر رأي من يدعيها فهذه هي الديمقراطية.

و هناك من يري أن رأي الشريعة ملزم من قبل هيئة علماء الشريعة أو مؤسسة كالأزهر مثلا, و أن معني المبادي الشريعة الاسلامية التي نصت عليها المادة الثانية من الدستور غير كافية و أن يجب أن ننص صراحة أن الشريعة الاسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع و أن المبادئ هي مبادئ عامة كالعدل و الحرية و المساواة وهذه ليست كافية.

و هناك من يري أن السلطة التشريعة بالفعل لنواب الشعب و رأي المؤسسات الدينية غير ملزم لأننا إذا حكمنا بأن كل قانون يخضع لهيئة علماء أصبحنا دولة دينية تحكم باسم الله من قبل أشخاص أرائهم قابلة للأخذ و الرد, لأننا لا نستطيع حصر كل الأراء في مؤسسة واحدة أو عالم واحد و أن إختلاف الأراء الفقهية هي رحمة من الله و أن دور المؤسسات و الدعاه هو إنارة العقول بصحيح الدين و أن دور الدولة هو العمل علي إستقلال المؤسسات الدينية كالأزهر و تدعيمها في نشر دعوته الحنيفة الوسطية و ترك الحرية للمواطنين في إختيار من يمثلهم في البرلمان, وفق مدخلات معلومات صحيحة سواء دينية أو تثقيفية من خلال التعليم و الاعلام و دور المؤسسات الدينية, فإذا عجز هذا الشخص في تمثيل رؤيتهم و رغبتهم وفق مرجعية الدولة الاسلامية المتفق عليها أزاحوه عن مكانه باستخدام الاليات الديمقراطية الحديثة و هي الانتخابات النزيهة. و بذلك نفتح الباب للاجتهادات المختلفة و لا نفرض رأي بعينه و إنما نعلي العقل مع النقل و نحي و نجدد علوم الدين وفق النصوص الشرعية من أهل الأختصاص علي تنوعه و هذه رؤيتي لعلاقة الدين بالدولة مع العلم أن مقاصد الشريعة الاسلامية هي الحفاظ علي النفس و العقل و العرض و المال و الدين، و علي أن تحكم المادة الثانية الضوابط الآتية، أولا، إن نص المادة الثانية موجه للسلطة التشريعية وحدها، ومِن ثم فلا يجوز للسلطة القضائية أن تترك القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية – ولو خالفت الشريعة من وجهة نظرها – وتحكم وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية من تلقاء نفسها. ثانيا، إن مصدرية مبادئ الشريعة الإسلامية الواردة في المادة الثانية يتعين تفسيرها وفقا لما يتسق مع سائر النصوص الدستورية في إطار الحرص على وحدة الدستور وعدم تجزئته. ثالثا، إن مبادئ الشريعة الإسلامية المجمع عليها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة هي فقط المصدر الرئيسي للتشريع وليس ما هو ما دون ذلك من مبادئ أو أحكام الشريعة.

لا نحتاج لإعلان دستوري جديد، من يحمي الدستور هو الشعب و ليس أي مؤسسة عسكرية أو دينية و إنما نحتاج إلي حوار مجتمعي حول وثيقة الأزهر كمؤسسة تاريخية لها مكانة في قلب كل مصري و نتوافق علي هذه المبادئ الاسترشادية, لأننا في مرحلة توافق لا إختلاف, و مصلحة الشرع في هذا التوافق حتي و إن غلا البعض يمينا أو يسارا فإن المرحلة الحساسة الحالية تضع المسئولية في رقبة الجميع بأن نتفق علي ما أصدره الأزهر الشريف من وثيقة بالحوار البناء و ليس بحوار الشارع و الحشد, فمصر لا تتحمل مثل هذه التهديدات و المراهقة السياسية من التحدي و الإنذرات بالنزول إلي مليونيات.

و علي جميع القوي السياسية المختلفة و الأحزاب أن ينضبطا لفظيا و خلقيا في الحوارات و الاعلام و تبني مبدأ المواطنة و الثقة المتبادلة قبل أي شيء. و إنني أدعو الأزهر الشريف في السعي نحو العمل الدؤوب للحس علي التوافق في المرحلة المقبلة و إذ أحذر من أن التكتلات الانتخابية التي تكونت سوف تصنف علي أساس ثنائية الدين و إن أدعوا غير ذلك و سينقسم المجتمع المصري من جديد كما أنقصم عقب الأستفتاء و لكن في ظل إهتزاز الجهاز الأمني و إستمرار ثقافة القبلية في الانتخابات قد تؤدي إلي كارثة إجتماعية حقيقية.

و أدعوا القوي السياسية المختلفة سواء الكتلة المصرية أو التحالف الديمقراطي إلي التكتل من أجل مصر لا من أجل ثنائية الدين أو مقاعد مؤقتة و أن التكتل يكون ضد بقايا الفاسدين من النظام السابق للحيلولة من دخولهم مجلس الشعب و الشوري و لاحقا المحليات, من خلال وضع معايير و ضوابط لإختيار المرشحين و السعي نحو توافق حقيقي, بعد فهمنا و تحاورنا علي وثيقة الأزهر و السعي بعد ذلك للحوار علي معايير إختيار لجنة المئة لوضع دستور توافقي مصري يؤسس ” لدولة وطنية دستورية ديمقراطية حديثة, التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة . ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح.”[1] “شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية.”[2]




[1] وثيقة الأزهر

[2] وثيقة الأزهر

د أحمد شكرى