المشاركة في الإنتخابات التشريعية في مصر 2010 رؤية واقعية ميدانية

لا أدعي أنني أعرف الطريق الصحيح و لا القرار الصحيح في تلك المرحلة و إنما هو اجتهاد  بشري قد يحتمل الخطأ، ليس فقط لأنني إنسان و إنما لأننا وصلنا إلي مرحلة في مصر من العبثية و العشوائية في العمل السياسي بما يسمح بوجود اجتهادات كثيرة.

يجب علينا أيضا عند مناقشة رأي سياسي ، أن لا نبدأ بالتخوين و الاتهام المتبادل المشاهد الآن علي الساحة السياسية، من الرمي بالخيانة و شق الإجماع ، إلي آخر هذا الكلام. فإذا كنت تفترض أنك مواطن تسعي لمصلحة بلدك فهناك آخرون و لكن ليس بالضرورة أنهم يسلكون نفس طريقك.

إن الحديث عن المشاركة و المقاطعة لانتخابات 2010 لمجلس الشعب قد شغل أناسا و أصبح قرارا يؤلم الكثيرين اتخاذه، أيا كان قرارهم.

و حين أتكلم عن رؤية ميدانية، أعني أنها رؤية واقعية من خلال الاختلاط الفعلي بالناس و ليس اختلاط الإنترنت و قراءة الجرائد و مشاهدة البرامج الحوارية و مصمصة الشفاه. 

فنحن نعيش عوالم مختلفة، فالعالم الأول هو عالم القناة الأولي و الثانية و جريدة الأهرام و الحزب الوطني (خاصة المناصب العليا).

و العالم الثاني هو عالم الجرائد المستقلة و العاشرة مساءا و المحور إلى آخر البرامج الحوارية، و نقاش النخبة داخل الصالونات و الأحزاب المجمدة و الغير مشروعة.

و العالمان السابقان في رأيي يمثلون أقل من 5-10% لمصر، أما العالم الثالث فهو عالم الواقعية المصرية و هو90 – 95 %( تلك نسب غير دقيقة لأنها مبنية علي المشاهدة و ليست إحصائية).

و هذا العالم الثالث قد يكون مشاهدا للعالمين الأولين و لكنه ليس من المشاركين، فلديه ما يشغله، أو ليس لديه ما يدفعه للمشاركة سواء من الرفاهية أو الأمن النفسي.

من يتبنون موقف المقاطعة، يقولون أن هذا النظام يرفض إجراء انتخابات نزيهة و لذلك المشاركة فيه تعد نوع من إصباغ الشرعية علي النظام و أن هذا يفضحهم داخليا و خارجيا.

و ردا علي ذلك و لا أدعي الحقيقة المطلقة، فإن فضح النظام داخليا هو من قبيل الهزل لأن النظام لا يهمه، و الحديث عن العيوب و عدم الكفاءة هو الحديث الدائم علي المقاهي، أما عن الفضح الخارجي, فهو وهم، لأن النظام مفضوح خارجيا و أيضا لا يهمه طالما أن المصالح لا تمس و خاصة أمن المنطقة و استقرار الاستثمارات و الموارد كالبترول و الغاز.

أما كونها أداة للضغط، فهي فعلا كذلك إذا أجمع الناس عليها و هو أمر من المستحيلات لأن العالم الثالث لا تعنيه هذه الأمور و هو عالم غير منظم و بالتالي فاقد للقوى. فالمقاطعة كأداة ضغط هي أداة غير فعالة لأن المجتمع غير منظم و مقاطع من الأصل أو مشارك، وذلك لحيثيات أخري غير خاضعة لاختيار الأفضل أو الديمقراطية.

و النظام متبلد و مسيطر ولن ينكسر بتلك الضغوط الموجودة علي الورق من مطالب.

 بل بالعكس هناك قوة لا يستهان بها لا تريد الديمقراطية من الأصل مدعية أنها أداة علمانية أو أنها ستجلب لمصر أناس كحركة طالبان إلى) آخر هذا الأقاويل غير العقلانية.

أما المشاركون فيقولون، أنه فرصة للاحتكاك بالناس و أن تجربة المقاطعة أثبتت فشلها من قبل و هي فرصة لتدريب الكوادر علي الإيجابية والمشاركة و فرصة لنشر الأفكار و البرامج الانتخابية و كل له حيثياته.

و هذا الجدل دائر بين من يريدون تحول ديمقراطي حقيقي في مصر، و لكن هذا الجدل دائر في العالم الثاني فقط و لا يشغل العالم الأول و يشاهده العالم الثالث لأن العالم الثالث قد اختار موقفا مسبقا من قبل و محسوما، المشاركة وفقا لمعايير اختيار ليست خاضعة للعقل و إنما خاضعة للمحسوبية و العصبية العائلية أو المنطقة الجغرافية (كمرشح قرية مفضل علي قرية أخري لأنه من بلدنا أو مرشح منطقة علي منطقة، لأنه من الجيران الخ) و الصنف الآخر من العالم الثالث هو من أيقن أنه لا فائدة من المشاركة و هو يمثل 75% من الشعب لأن نسب المشاركة في الإنتخابات لا تتعدي ال 25 %.

و حديث المقاطعة أو المشاركة هو حديث لا يتحدث به أحد إلا القليل، فهم مشاركون و كل له أسبابه, أو مقاطعون من الأصل، فلا يوجد جدل من الأساس.

الانتخابات ستقام و ستنتهي بأي نتيجة و لن ينصلح شيء و سيظل الجدل قائما و لكن ادعاء الحقيقة المطلقة هو أخطر شيء لأن السياسة لا توجد بها حقائق مطلقة.

الهدف هو استغلال الحدث الاستغلال الأمثل لخدمة التحول الديمقراطي و هو توعية الناس بأهمية التحول الديمقراطي, و ربط المشاكل اليومية و المشاكل الاجتماعية بالإصلاح السياسي و ربط السياسات الخارجية و الداخلية باختيار نواب شعب و ليس نواب بوسطجية  خدمات أو نواب أبو الهول.

الهدف هو دفع المزيد من المواطنين للمشاركة في الإصلاح في الوطن و أن ينتقلوا من مشاهدين إلي مشاركين، و أن ينتقل من ينتخبون لأسباب شخصية إلي فهم أهمية الاختيار و فهم أبعاد الاختيار الخاطئ.

حين يعي الناس هذا الكلام، وقتها فقط تكون المقاطعة مجدية، لأن في حالة عدم الاستجابة، فهذا يعني أنك لا تستجيب للشعب و ليس فقط رائدي الصالونات المغلقة.

و كيف و أنت من المطالبين بالمطالب السبعة و تشارك في الانتخابات)؟ فالمطالب السبعة لا تنص علي عدم المشاركة و إنما تنص علي انتخابات نزيهة، و ردي أن المشاركة في الانتخابات  كمرشح هي آلية للمطالبة بهذه المطالب و الترشح و المكسب ليس غاية في حد ذاته.

فما المكاسب إذا ؟ النزول إلي الشارع و مخاطبة الناس أهم من أي شيء.

أخيرا الانتخابات ستقام شئنا أم أبينا، و سينجح من سينجح و لكن حتي نتعلم أدب الاختلاف و أدبيات السياسة و أهمية الوعي الجماهيري للخطاب الذي ننادي به، سنظل واقفين و الجميع من حولنا يتحرك.