فلسفة المشاركة

المشهد السياسي في مصر ملغم و مغيم بالضباب ولا أحد يعرف متي و كيف ستنقشع تلك الغمة, فأكثر ما يدمر الأمم هو هذا التشرزم و التشيع و الإختلاف. و ينقسم المشهد السياسي بين لاعبيين أساسيين:

1- أعضاء الحزب الوطني و المنتفعين منه
2- جماعة الإخوان المسلمين
3- أنصار البرادعي الغير منتمين لأي تيار (هناك أنصار أخرين للبرادعي ينتمون لجميع التيارات)
4- الأحزاب القديمة (العمل المجمد, الوفد, التجمع, الناصري)
5- أحزاب تحت التأسيس (الكرامة و الوسط)
6- أحزاب لا نعرف أسمائها
7- حركات أخري (حركة كفاية, 6 أبريل الخ..)
و هناك جدل قائم بين كل تلك التيارات حول أسس التحرك في المرحلة القادمة و هل المشاركة في الإنتخابات كمثال و هو طريق دستوري, نوع من الخيانة و إعطاء شرعية لنظام, يقول الكثيرون أنه قد إفتقد لشرعيته و أن المشاركة هي إعطاء شرعية له. و هناك من يدافع عن المشاركة بأنها فضح للنظام و تحريك الشارع و توعيته و أن بالمقاطعة أو بدونها ستجري الإنتخابات و سيجد النظام من يعطي له الشرعية كما حدث حينما قاطعت الأحزاب الكبري عام 1990 و أثبتت التجربة فشلها.

و الجدل قائم, تغيير أم إصلاح, ويعنون بالإصلاح إتخاذ الأساليب الدستورية كالمشاركة في الإنتخابات و يعنون بالتغيير، المقاطعة و إتخاذ النضال ما فوق الدستوري و حركة اللاعنف لتغيير النظام بأكمله.

و من دراسة الشعب المصري علي مسار التاريخ و دراسة لتجارب الشعوب الأخرى, أن التغيير بهذا المفهوم هو الإستثناء و الإصلاح و المشاركة هو الأصل و أن طبيعة الشعب المصري لا تتناسب مع مفهوم الثورة الشعبية و الحركات الإنقلابية.

و الحقيقة أن هناك تلامس بين التغيير و الإصلاح, فمحاربة قانون فاسد داخل المجلس هو محاولة للتغيير و إن بائت بالفشل و هو متوقع, يفرز نتائج إيجابية أخري ككشف النظام و توعية الناس و المساهمة في تراكم طويل المدي في حركة التغيير, كذلك عدم المشاركة في الإنتخابات كمثال و فضح النظام هو ضغط علي النظام و فضحه.

و أري أن من يريد التغيير او الإصلاح و إن إختلفت المسميات فالهدف الأسمي واحد هو التحول الديمقراطي لبناء نهضة جديدة لمصرنا. ولذلك لا ينبغي في تلك المرحلة الحرجة الإختلاف و التفرق, فالكل يجب أن يلتزم سواء بالمقاطعة أو المشاركة و إن كنت أري و أتوقع و أكاد أن أجزم أن هناك تيارات ستشارك مهما حصل و مهما توحد الصف إلي أقصي مدي و لذلك أري في هذه الحالة المشاركة من الجميع بكل قوة و عمل تعبئة للشعب للمشاركة الإيجابية حتي لو تم التزوير فسينفضح هذا النظام و سيكسب الشعب مكاسب عدة كالتوحد نحو هدف واحد و التحرك فيما بعد تحركات قد تكون ضاغطة و خانقة للنظام لإجباره علي الإصلاح من الداخل.

ماذا بعد توقيعات البرادعي ؟ توقيعات البرادعي ليست إلا وسيلة لنشر فكرة التغيير أو الإصلاح, بمعني نشرة فكرة أن الإصلاح السياسي هو المدخل الأول لإحداث النهضة. هي وسيلة لجمع التيارات للمطالبة بمطالب يتفقون عليها و لا يختلف عليها إلا ظالم لنفسه قبل غيره, فإن تحققت المطالب, ذهب كل فريق إلي سبيله و طريقه الذي يرتضيه بعد ذلك.

التوقيعات في هذا التوقيت الحرج هي كالذي يجهز الفرس و العدة حتي يكون جاهزا للمطالبة و المحاسبة والمعركة حين يحن الوقت. التوقيعات هي أحد سبل الضغط و كذلك المقاطعة و المشاركة كلها و سائل و لكن تستمد كل وسيلة قوتها من كم الحشد الذي حولها.

و لكي نفوت الفرصة علي المشاركين من إجراء إنتخابات سهلة و يسيرة علينا أن نجعلها لقمة صعبة في حلوقهم فإن أكلوها جعلناها عليهم كالحميم من خلال فضحهم و تعبئت الشعب خلف مرشحين يحلمون و يؤمنون بالتحول الديمقراطي السلمي.

و في تلك المرحلة أري أن من يجب أن يقود هم الشباب فهم من يجب أن يتصدروا المشهد السياسي لقتل فكرة النخب التابعة و النخب الفاسدة إلي أخر ما تسب به النخب, علي الشباب المشاركة الفعالة في المشهد من خلال الترشح وعلي جميع التيارات التي تريد أن تغير أن تطرح أسماء شابة تدعمها لخلق جيل جديد من قادة الرأي في المجتمع أكثر فاعلية و واقعية في التفاعل مع الشارع و مع الشباب.

فإذا قاطع الشباب و هو مقاطع بالفعل بحكم السلبية المكتسبة عبر السنين, لن يحدث جديد و لكن إذا تم الحشد وراء تيار جديد من الشباب سيتم كسب فئات كثيرة لم تكن مشاركة من قبل و سيتم عمل حشد و زج بفئات كثيرة في المشهد السياسي, فإذا تم التزوير يصبح الشباب هم اللاعب الأساسي الذي ظلم و يصبح الشباب متحملا لمسؤوليته في المرحلة القادمة.

و لذلك أدعوا الشباب إلي الترشح و المشاركة, لبث روح الإرادة و التغيير في نفوس الشباب و لبث الأمل و الإيجابية, لا يهم المكسب بقدر ما يهم تغيير المشهد السياسي القائم علي نخب قديمة قد تكون صالحة و لكن المشهد يحتاج إلي رجة عنيفة و بداية جديدة ليتلاحم الشعب حول قيادات جديدة قادرة علي نقل مصر إلي مرحلة جديدة.